سلاح المسيّرات اليمنية... الحكومة تكسر "احتكار الجو"
الرأي الثالث - وكالات
في تحوّل استراتيجي لافت يعكس سعي الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى التحوّل نحو الاعتماد على الذات وبناء معادلة ردع متوازنة، أعلنت القوات الحكومية، الأربعاء الماضي، إدخال منظومات حديثة من المسيّرات اليمنية إلى الخدمة العسكرية الفعلية، كاشفة لأول مرة عن نماذج مصنّعة ومطورة محلياً بأيدٍ وكفاءات يمنية، على حد قولها.
وجاء هذا الإعلان خلال جولة تفقدية لوزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، برفقة قيادات عسكرية، أظهرت مشاهد بثها التلفزيون الحكومي خلالها نماذج متنوعة من المسيّرات اليمنية والأسلحة والآليات التابعة لدائرة التصنيع العسكري، في أول ظهور علني وموثق لهذا النوع من التسليح النوعي المرتبط بالقوات الجوية، التي باتت تُشكل إحدى أبرز أدوات الصراع في الميدان اليمني.
تدحرج الوضع في اليمن
ويأتي هذا الاستعراض التسليحي وسط مؤشرات على تدحرج المشهد في اليمن نحو مواجهة شاملة، إذ أعلنت الحكومة الشرعية حالة الاستنفار في مؤسساتها العسكرية والأمنية، بالتزامن مع توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي باستئناف تصدير النفط، وردع التهديدات الحوثية للملاحة.
وتكرّس هذا التحول الميداني اللافت في 18 يوليو/ تموز الحالي عبر إعلان القوات الحكومية منع طائرة إيرانية من الهبوط في مطار صنعاء الخاضع لسيطرة جماعة الحوثي ،
في خطوة دُعمت بلقطات بثها الإعلام الرسمي لإقلاع مقاتلات حربية يمنية من طراز (F-5 Tiger II) ومروحيات هجومية (مي 35 ومي 17)، ما أثار تساؤلات واسعة عن تدشين معركة جديدة لفرض السيادة الجوية واعتراض خطوط الإمداد الإيرانية قبل وصولها إلى الجماعة.
ميدانياً، تم تدشين المنظومات الجديدة بدخولها الخدمة الفعلية بعد تشغيلها رسمياً ضمن الوحدات العسكرية، إذ كتب وزير الدفاع اسمَي "عيبان" و"نقم"، وهما من أشهر الجبال المطلة على صنعاء، على هياكل طائرتين منها، في دلالة رمزية واضحة على طبيعة وجهتها ومهامها المستقبلية.
وأكدت قيادة القوات الجوية والدفاع الجوي أن هذه المنظومات ستسهم في تعزيز القدرات العملياتية في مختلف الجبهات عبر تنفيذ مهام استطلاعية وقتالية ترتقي بكفاءة الأداء الميداني، فيما شدد العقيلي على جاهزية القوات لمواجهة جماعة الحوثيين في ظل استمرار المواجهات والتوترات الأمنية في أكثر من محور.
سحب سلاح المسيّرات من يد الحوثيين
وكشف العرض العسكري الأخير عن نقلة نوعية في قدرات التصنيع والتطوير الحربي لدى المؤسسة العسكرية اليمنية مع تنوع الطائرات، كاشفةً عن منظومات متعددة المهام تشمل المسيّرات اليمنية الاستطلاعية المخصصة للرصد والمتابعة، إلى جانب الطائرات الهجومية والانتحارية المصممة لضرب أهداف ثابتة ومتحركة بدقة عالية.
وتحمل دلالة عبارة "المصنّعة والمطوّرة محلياً" بأيدٍ وكفاءات يمنية في المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين بعداً استراتيجياً عميقاً، إذ تؤكد أن التقنية والتكنولوجيا العسكرية لم تعد محصورة في جماعة الحوثيين التي احتكرت سلاح الجو المسيّر لسنوات، واستخدمته أداةَ تفوق رئيسية في إدارة الصراع.
ويُبرز هذا التحول قدرة الجيش الوطني ودائرة التصنيع العسكري على الابتكار والتكيف والتطوير الذاتي، وتجاوز شح الموارد والقيود الاستيرادية الصارمة، بما يضع الحد للناحية التكتيكية التي سادت سابقاً، ويعيد رسم معادلة السيطرة في سماء المعركة اليمنية.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن السياق العسكري والسياسي الأوسع، إذ تأتي امتداداً لجهود حثيثة تقودها المؤسسة العسكرية لإعادة تنظيم الوحدات وتفعيل سلاح الجو والطيران الحربي والمروحي وتطوير القدرات التشغيلية،
ويسعى هذا المسار المتصاعد إلى إنهاء حالة الاحتكار الحوثي التي استمرت لسنوات لسلاح الجو المسير، وسحب ورقة التفوق الحصري التي استغلتها الجماعة في تعزيز نفوذها وتوسيع هجماتها.
وفي ظل الانسداد الراهن في مسار المفاوضات، ترسل الحكومة المعترف بها عبر هذه الخطوات رسائل صريحة تتجاوز مجرد الاستعراض العسكري، مفادها أن فرض السلام العادل بات مرهوناً بامتلاك القوة الذاتية وإعادة ترسيم قواعد الاشتباك وتوازن القوى على الأرض.
وكانت مصادر خاصة قد كشفت في وقت سابق، عن تحركات حكومية بعيدة عن الأضواء لامتلاك منظومة مسيّرات خاصة،
وأكد مصدر مسؤول في وزارة الدفاع اليمنية أن "المسيّرات اليمنية بالفعل تركية، وهناك صفقة مبرمة مع أنقرة منذ عدة أشهر، إلا أن الطائرات لم تصل حتى الآن"
كاشفاً عن أن "مجموعة من طياري المسيّرات اليمنية يجرون حالياً دورة تدريبية مكثفة في تركيا للتدرب على التحكم بهذه الطائرات الحديثة".
من جانبه، أوضح مصدر آخر في وزارة الدفاع أن الجيش اليمني لم يعد يعتمد كلياً على نمط تسليحي واحد، مؤكداً أن "الجيش يمتلك بالفعل أنواعاً متعددة من المسيّرات اليمنية الحديثة التي يتم الحصول عليها عبر طرق ومسارات متعددة".
وتأتي هذه الخطوات الحكومية لتجاوز القيود المالية والعسكرية الشديدة، وفرض واقع جديد يسعى لتقليص الفجوة التسليحية مع الحوثيين، والانتقال من الاعتماد التقليدي المباشر على غطاء التحالف نحو بناء قدرات ذاتية مرتقبة.
يأتي توقيت الكشف عن سلاح المسيّرات اليمنية امتداداً منطقياً لإعلانات سابقة ركّزت على إعادة صيانة المقاتلات والمروحيات الحربية التابعة للجيش وتفعيلها،
مما يشير إلى تحول منهجي نحو بناء "منظومة ردع جوي متكاملة" تدمج بين القوة الجوية التقليدية والتكنولوجيا الحديثة. وتدرك قيادة الجيش أن تشغيل الطيران الحربي التقليدي يتطلب كلفة مالية باهظة وتعقيدات لوجستية مستمرة،
بينما تمنح المسيّرات اليمنية خياراً عملياتياً منخفض التكلفة، عالي الكفاءة، وأكثر ملاءمة لجغرافية اليمن المعقّدة وحرب العصابات في المناطق الجبلية.
وبذلك، تنتقل القوات الحكومية من استراتيجية "سد الفجوات" والدفاع إلى إرساء توازن تسليحي يقلل الاعتماد الكلي على الدعم الخارجي ويضمن استدامة الغطاء الجوي في مختلف الجبهات.
يتجاوز إشهار سلاح المسيّرات اليمنية أبعاده الميدانية المباشرة ليحمل رسائل سياسية وعسكرية متعددة الاتجاهات، فإلى جماعة الحوثيين، يبعث الإعلان بإشارة صريحة مفادها سحب "ورقة التفوق الحصري" في الجو،
والتأكيد أن أي استهداف لمواقع الشرعية أو المنشآت الاقتصادية والحيوية لم يعد بلا ثمن، بعدما باتت الحكومة تملك أدوات الرد المباشر والسريع.
وإلى التحالف الذي تقوده السعودية والشركاء الدوليين، تقدّم القوات الحكومية برهاناً عملياً على قدرتها على الاعتماد على الذات وتنظيم قواتها وتحديث ترسانتها، موجهةً رسالة للمجتمع الدولي بأن صناعة السلام العادل تقتضي أولاً إعادة توازن القوى على الأرض وعدم ترك طرف منفرد بعناصر القوة.
أما على مستوى الداخل اليمني والمناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين، فإن هذا التحوّل يسهم بشكل مباشر في رفع الروح المعنوية للحاضنة الشعبية وللجيش الوطني، وإعادة بث الثقة بالمؤسسة العسكرية بعد فترة طويلة من الجمود السياسي والعسكري.
تأتي هذه التحركات العسكرية الأخيرة للحكومة في وقت تتأهب فيه جماعة الحوثيين لأي تصعيد محتمل، مستندةً إلى ترسانة تسليحية استعرضت ملامحها سابقاً،
وتعتمد فيها بشكل أساسي على تكتيك "أسراب النحل" عبر المسيّرات الانتحارية والاستطلاعية بعيدة المدى، مثل "صماد 4" و"وعيد 2"، إذ تهدف هذه الطائرات إلى إشغال الرادارات واستنزاف الدفاعات الجوية واستهداف المنشآت الحيوية.
وتتوازى هذه القدرات الهجومية للجماعة مع تعزيز منظومات دفاعها الجوي وراداراتها لحماية قواعد الانطلاق وتوفير مظلة رصد واشتباك في أي مواجهة مفترضة. وأمام هذا الواقع الميداني، يكتسب إدخال القوات الحكومية للمسيّرات والقدرات الجوية الذاتية أهمية استثنائية،
إذ لم يعد الهدف مجرد الصمود، بل خلق تكتيك مضاد يحد من التفوق الجوي للجماعة ويُربك حساباتها في إدارة أي تصعيد قادم.
في المقابل، تؤكد المعطيات الاستخباراتية والدولية أن التفوق التسليحي الذي استعرضته جماعة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة لا يعكس قدرة ذاتية على التصنيع بقدر ما هو نتاج شبكات إمداد خارجية معقدة ونشطة.
وفي هذا السياق، كشف تقرير حديث صادق عليه مركز "دراسة الأسلحة أثناء النزاعات" (CAR) أن الترسانة التي استولت عليها الجماعة عقب اجتياح صنعاء عام 2014 كانت في معظمها أنظمة سوفييتية قديمة لا تفسر التطور العاصف في قدراتها،
موثقاً عبر ضبط أكثر من 800 مكوّن لصواريخ وطائرات مسيّرة بالبحر الأحمر أن الجماعة تعتمد كلياً على "مجموعات جاهزة" تُهرّب قطعاً للتجميع داخل مناطق سيطرتها.
ويوضح التقرير الدولي أن أسلحة الحوثيين المسيّرة والصاروخية تعتمد على إلكترونيات ومكونات "ثنائية الاستخدام" متبوعة بشركات تتوزع على 16 دولة، بينما تعود القطع الحساسة المباشرة إلى المنشأ الإيراني،
حيث وثق المحققون مطابقة خصائص منظوماتهم لمستودعات طهران (كصاروخ بركان-3 المطابق لصاروخ رضوان الإيراني)،
فضلاً عن شحنات طائرات مسيّرة وأنظمة بحرية هجومية حديثة صُنعت معظم أجزائها بين عامي 2023 و2024.
وامتداداً لهذه الحقيقة، يكتسب توجه القوات الحكومية نحو تصنيع أسلحتها المسيّرة الذاتية وتطويرها أبعاداً استراتيجية متضاعفة، فهو من جهة يُسقط الاستغلال الحوثي لورقة "التفوق بالتهريب"،
ومن جهة أخرى يضع الشرعية في موقع المبادر الذي يمتلك قواعد تصنيع وتحكم داخلية مستقلة بعيداً عن ألعاب التوريد غير المشروع.
لا تصنيع محلياً حقيقياً للمسّيرات
في هذا السياق، فكّك الخبير اليمني علي الذهب، العبارات المتداولة حول "التصنيع المحلي"
موضحاً أنه "لا توجد عملية تصنيع محلي حقيقي بالمعنى العلمي والمتعارف عليه لدى الدول، سواء لدى الشرعية أو لدى جماعة الحوثيين، بل إن ما يجري عمليات تجميع وتطوير وتسخير، كتطوير طائرات مخصصة لأغراض مدنية، سُخِّرت لأغراض عسكرية تكتيكية، أو تحديث منظومات مسيّرة وفقاً لمتطلبات البيئة الميدانية والاحتياج العملياتي".
ولفت الذهب إلى أن "حتى الدول الإقليمية ذات الإمكانات الضخمة لا تدعي التصنيع الكامل بنسبة 100%، بل تعتمد استراتيجية الهندسة العكسية وتكييف التكنولوجيا وتوظيفها للتعامل مع التهديدات العدائية".
وعن مدى قدرة هذه المنظومات على تعديل موازين القوى، جزم الذهب بأن إدخال المسيّرات اليمنية "سيضيف بُعداً جديداً ومؤثراً لقدرات القوات الحكومية"
كاشفاً أن عدداً من هذه الطائرات كانت موجودة سابقاً ضمن ترسانة تشكيلات مسلحة بعينها، مثل ألوية العمالقة، والمقاومة الوطنية، والوحدات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي.
إلا أن التحوّل الحقيقي اليوم، بحسب الذهب، يكمن في "إعادة تنظيمها وهيكلتها في "قطاع طيران مسيّر" موحد يتبع رسمياً القوات الجوية اليمنية، مع إيلاء اهتمام كلي بالكم والكيف وتدريب الأطقم وتوزيعها بفاعلية على طول مسرح العمليات".
وأوضح الذهب أن هذا السلاح تحوّل من استخدام حصري ومحدود لاستطلاع خطوط النار أو تنفيذ ضربات انتحارية فردية إلى "وحدات متخصصة للطائرات غير المأهولة تدار وفق رؤية استراتيجية وتكتيكية بغطاء وإسناد ناري للقطاعات العسكرية"
مضيفاً في الوقت ذاته أن "المسيّرات لا غنى فيها عن الطيران التقليدي النفاث والمروحي لكونه المتفوق والأقدر على حسم المعارك متعددة المهام".
واختتم الذهب تحليله بالإشارة إلى أنه في حال نجحت الحكومة الشرعية في المزاوجة بين سلاح الجو التقليدي المطور حديثاً والمنظومات المسيّرة، فإنها ستفرض تفوقاً كاسحاً أمام الحوثيين الذين دمروا أصولهم من الطيران التقليدي واعتمدوا كلياً على التهريب والتجميع".
كيف ستغيّر المسيّرات اليمنية قواعد اللعبة؟
من جانبه، أكد المحلل السياسي اليمني، خالد طربوش، أن إدخال السلاح النوعي وإشهار القوة الجوية يهدف بالأساس إلى "تغيير قواعد اللعبة"
مشدداً في الوقت ذاته على أن مجرد الاستعراض العسكري لا يغير الواقع الميداني ما لم يُحسن استخدام هذه الإمكانيات واستثمارها ميدانياً وسياسياً".
وأوضح طربوش أن أهمية هذه الخطوة تكمن في فرض "كلفة باهظة" على أي تصعيد حوثي قادم، حيث لم تكن تحركات الجماعة السابقة تنطوي على أي خسائر،
بينما باتت الشرعية اليوم تملك أدوات ردع تفرض على الحوثيين إعادة حساباتهم قبل استهداف مناطق السلطة الشرعية أو التهديد بالمياه الإقليمية".
وأضاف أن امتلاك هذا التسليح يمنح القوات الحكومية قوة ردع تكافئ قدرات الجماعة وتمنحها القدرة على امتلاك عنصر المبادرة الميدانية المفقود منذ سنوات، مما يعزز ثقة الحاضنة الشعبية والمؤسسة العسكرية".
فخر العزب
صحافي يمني