ملاحقة دولية وحظر مالي… هل بدأت الحكومة تقليم أظافر «الانتقالي»؟
الرأي الثالث
التحرك الحكومي اليمنيّ الأخير المتمثل في مطالبة مجلس الأمن الدولي بإدراج عيدروس الزُبيدي ومعاونيه في لائحة العقوبات عشية صدور قرار من النائب العام بالحجز التحفظي على أموال المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المنحل، يعكس تحولامن الدفاع إلى الهجوم الشامل.
الحكومة لا تقاتل الانتقالي حاليا بالدبابات، بل تحاصره بالبنك المركزي ومجلس الأمن. إنها عملية «تجريد استراتيجي» تهدف إلى نزع صفتين عن الانتقالي وقيادته: الصفة المالية محليًا عبر القضاء، والصفة السياسية دوليًا عبر منظومة العقوبات الأممية، مما يضعه أمام خيار لا ثاني له: الذوبان في مؤسسات الدولة أو مواجهة مصير الكيانات المتمردة.
وقالت أنباء إن قرارًا صدر عن النائب العام في الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًا، أمس الأربعاء، قضى بالحجز التحفظي على جميع الأموال والحسابات المصرفية العائدة للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المنحل.
جاء ذلك غُداة مطالبة الحكومة اليمنيّة من مجلس الأمن الدولي بإدراج عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المنحل ومعاونيه في أعمال التمرد في المحافظات الشرقية في لائحة العقوبات، وذلك بعد مرور أكثر من خمسة شهور على الأحداث ذات العلاقة.
وطالب ممثل اليمن لدى الأمم المتحدة، السفير، عبد الله السعدي، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي الثلاثاء بشأن اليمن، المجلس بتحديث قائمة الجزاءات كلما اقتضت الوقائع ذلك، وبما يشمل جميع الأفراد والجهات التي يثبت انخراطها في الأعمال التخريبية أو المعرقلة للعملية السياسية، أو التي تسعى إلى فرض إجراءات أحادية بالقوة أو تقويض مؤسسات الدولة ومرجعيات المرحلة الانتقالية.
وقالت أنباء تداولتها وسائل إعلام محلية، الأربعاء، إن قرارًا صدر من النائب العام في الحكومة، قاهر مصطفى «بالحجز التحفظي على جميع الأموال والحسابات المصرفية العائدة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، لدى البنوك والمؤسسات المالية وشركات ومحال الصرافة، ضمن سلسلة إجراءات لحماية المال العام، ومكافحة الفساد وغسل الأموال، وتمكين الحكومة من كافة مواردها المحلية والسيادية».
وحسب المصادر فقد نصّ القرار على منع التصرف أو التنازل أو السحب أو التحويل أو إجراء أي تصرف قانوني أو مادي على الأموال المشمولة بالحجز، إلى حين صدور توجيهات من النيابة العامة أو الجهات القضائية المختصة.
كما ألزم القرار البنك المركزي والبنوك والمؤسسات المالية، وشركات ومحلات الصرافة بسرعة التنفيذ، وإفادة النيابة العامة بما لديها من حسابات وأرصدة وأموال تخص الجهة المشمولة بالحجز.
واستند القرار، وفق المصادر، إلى دلائل ومؤشرات كافية، على احتمال ارتباط تلك الأموال والحسابات بوقائع يجري التحقيق فيها.
واعتبرت النيابة الحجز التحفظي إجراءً قانونيا مؤقتا يهدف إلى حماية المال العام محل التحقيق وضمان سلامة الإجراءات القضائية إلى حين الفصل في القضية.
وكانت الحكومة أوضحت في بيانها أمام مجلس الأمن الدولي أنها التزمت، طوال المرحلة الماضية، بأعلى درجات ضبط النفس، ومنحت الفرصة تلو الأخرى لمعالجة التحديات الداخلية بالحوار، وطي صفحة الماضي، والتفرغ لمعركة استعادة مؤسسات الدولة وبناء المستقبل الذي يستحقه جميع اليمنيين.
وقالت الحكومة: «غير أن بعض القيادات والقوى اختارت الاستمرار في تقويض مؤسسات الدولة، والسعي إلى عرقلة تنفيذ الالتزامات الوطنية والدولية، وتعطيل عمل الحكومة، ودعم مجاميع مسلحة من شأنها تهديد السلم الأهلي، والإضرار بالعملية الانتقالية والجهود الحميدة التي يدعمها هذا المجلس لتحقيق التسوية الشاملة في البلاد».
وأضافت: «وقد اتخذت مؤسسات الدولة في هذا السياق، وفقاً للدستور والقانون، جملة من الإجراءات بحق عدد من المتورطين في أعمال التمرد، والفساد، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وعلى رأسهم عيدروس الزُبيدي المتهم بجريمة الخيانة العظمى».
إجهاض الدمج
وفي تعليقه على ذلك، يقول الباحث الأكاديمي، عادل دشيلة، لـ«القدس العربي» إن الحكومة اليمنية المعترف بها والمملكة العربية السعودية بعد إجهاض مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة وإقالة عيدروس الزُبيدي من مجلس القيادة واتهامه بالخيانة العظمى دون إتهام معاونيه،
واستيعاب قيادات في المجلس في الحوار المزمع عقده في الرياض، واستيعاب أعضاء منهم في الحكومة بصفاتهم الشخصية، وبدء عمل لجنة دمج الفصائل المسلحة بهيكل وزارتي الدفاع والداخلية، ظهرت هناك محاولة لإجهاض دمج الفصائل المسلحة،
وبموازاته كان هناك تصعيد إعلامي وتحريك للشارع ضد الحكومة، كما أن مجلس القيادة لم يستطع العودة إلى عدن، باستثناء عضوي المجلس، محمود الصبيحي في عدن والخنبشي في المكلا.
ويرى أن التصعيد الإعلامي والسياسي وعدم الامتثال لقرارات التحالف والحكومة بدمج الفصائل العسكرية والأمنية هو ما جعل الحكومة تقدم على هذه الخطوة، التي لها تبعات سياسية في حال وافق مجلس الأمن على إدراج عيدروس الزُبيدي ومعاونيه ضمن لائحة العقوبات.
وأوضح: «في حال تم إدراجهم سيكون هناك غطاء قانوني دولي وغطاء محلي لأي تحركات مستقبلية لإخراج هذه المجاميع التابعة من للانتقالي من عدن والمناطق المجاورة لها ودمجها بوسائل أخرى غير وسائل الترضية،
أي إجبار قوات الانتقالي على الدمج والخضوع لقرارات اتفاق الرياض 1 و2، والخطوة الأخرى منع عيدروس الزُبيدي ومعاونيه من أي محاولة سياسية مستقبلالزعزعة أمن واستقرار اليمن، تحت مبررات ما يُسمى بالاستقلال أو المطالبة بالانفصال. «
وأشار دشيلة إلى أن السعودية شعرت بالخطر الحقيقي، وبخاصة بعد زيارة رئيس ما يُعرف بإقليم أرض الصومال لإسرائيل، وهي مثلت ناقوس خطر؛ لأن ما حدث هناك كان سيحدث في عدن لو استتب الأمر للانتقالي،
وبالتالي كان ذلك سيشكل تهديدًا مباشرًا لأمن السعودية واليمن وأمن البحر الأحمر وخصوصًا الدول العربية المشاطئة.
الورقة الاقتصادية
تزامن التحرك الدولي مع التحرك المحلي قضائيًا ومحاصرة المجلس الانتقالي اقتصاديًا من خلال الحجز التحفظي على جميع الأموال والحسابات المصرفية العائدة للمجلس المنحل ما يُعيد نفس السؤال السابق: لماذا الآن؟
وكان النائب العام قد أصدر في منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي قرارًا بتشكيل لجنة تحقيق في الوقائع المنسوبة إلى عيدروس الزُبيدي.
وفي السابع من يناير/كانون الثاني أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، قرارا بإسقاط عضوية عيدروس الزُبيدي في مجلس القيادة الرئاسي لارتكابه الخيانة العظمى وإحالته للنائب العام.
ومنذئذ لم يصدر أي تصريح أو إعلان عن أي خطوة في هذا السياق، حتى كان تحريك الأوراق دوليًا وقضائيًا مؤخرا.
وفي هذا يرى خبراء أن هدوء الأشهر الخمسة الماضية لم يكن سلامًا مع الانتقالي، بل كان فترة حضانة لترتيبات معينة قبيل التحريك الأخير؛ وهو أمر يرجع لعدة حسابات فرضتها مستجدات اللحظة، منها استكمال الملف القانوني واستيفاء الأدلة؛ انطلاقا من أن القرارات القضائية الكبرى،
وبخاصة المتعلقة بالخيانة العظمي، وتجميد أموال كيانات بحجم الانتقالي، لا تخرج ببيان سياسي سريع؛ خصوصًا بعد ما أبداه الانتقالي من ضغط سياسي وتهديد بلغات مختلفة، في حال المضي في دمج القوات العسكرية والأمنية التابعة له.
ويوضحون أن الحكومة وتحديدًا اللجنة التي شكلها النائب العام خلال الأشهر الخمسة الماضية كانت تعمل لجمع الأدلة وحصر الحسابات المصرفية وتوثيق الاختلالات المالية والانتهاكات وتشكيل الفصائل.
ويعتقدون أن الإعلان عنها الآن يعني أن السلطة القضائية باتت تمتلك «ملفا جاهزا ومكتملا» تستطيع مواجهة المجتمع الدولي ومجلس الأمن به كأمر واقع ومسنود بقرارات دستورية، وليس مجرد رد فعل لحدث عسكري آني،
مشيرين إلى أنه عقب أحداث يناير الماضية التي شهدت خروج الزّبيدي وتدخل التحالف لتوحيد المعسكرات كانت الأولوية الإقليمية والدولية هي التهدئة المؤقتة لتجنب انفجار شامل
وإعطاء فرصة للوساطات خلف الكواليس.
وطبقًا للمصادر عينها، يبدو أن المهلة التي مُنحت لجهود الاحتواء طوال الأشهر الماضية قد وصلت إلى طريق مسدود بعد إصرار الانتقالي على التمسك بمساره الانفصالي وأوراقه الأحادية واستمرار تهديد استقرار عمل الحكومة.
كما يعتقدون أن إثارة الملف الآن في مجلس الأمن عشية صدور قرار النائب العام يُشير إلى أن الحكومة الشرعية حصلت على «تفاهمات أو ضوء أخضر» من القوى الإقليمية والدولية الفاعلة لتقليم أظافر الانتقالي ماليًا وسياسيًا بشكل نهائي، بعد أن استنفذت فرص الحلول الودية.
ويرون أن هذا التوقيت يضع الانتقالي في زاوية ضيقة أما القبول بالاندماج الكامل والنموذج الذي تفرضه الدولة أو تحمل تبعات الحظر المالي والعقوبات الدولية التي بدأت تلوح في الأفق.
لكن السؤال: هل سيخضع الانتقالي للواقع الجديد؟
بالتأكيد لن يخضع لهذا القرارات طواعية بل سيتعامل معها كمعركة وجودية، وسيبحث عن خيارات للالتفاف عليها. فالكيانات المسلحة ذات الايديولوجيا السياسية والمسيطرة على الأرض لا تنصاع للقرارات القضائية الصادرة عن الخصوم، إلا إذا أُجبرت بقوة السلاح أو برفع الغطاء الإقليمي عنها.
ويرى مراقبون أن هناك عدة سيناريوهات: الرفض والتصعيد الميداني من خلال رفض الشرعية القانونية للقرارات واعتبارها مسيسة وصادرة عن حكومة فاقدة الأهلية في الجنوب، وطالما أنه ما زال يمتلك قوة عسكرية فسيعتبر أن القوة على الأرض تلغي مفاعيل القلم القضائي.
وهنا قد يلجأ إلى تحريك الشارع الجنوبي عبر تظاهرات حاشدة لرفض القرارات وتصويرها ك «استهداف للقضية الجنوبية» وليس لعيدروس الزُبيدي.
ويشيرون إلى أنه قد يلتف ماليًا على القرارات، إذ إن مثل هذه الكيانات تمتلك في الغالب اقتصادًا موازيًا يتيح لها التحرك في حال تعرضت لهذه القرارات. كما قد يعتمد على تدفق الدعم المالي لحلفائه الإقليميين عبر قنوات خاصة لتغطية الرواتب والنفقات وغيرها.
كما يشيرون إلى احتمال تدخل حلفائه للتخفيف من حدة التصعيد أو للتوصل إلى تسوية سياسية جديدة تبطل هذه القرارات أو تجميدها على غرار ما تم في اتفاق الرياض.
أحمد الأغبري