تصاعد التوتر بين طهران وتل أبيب وسط تحركات عسكرية أمريكية في المنطقة
الرأي الثالث - وكالات
شهدت الساحة الإعلامية في إيران وإسرائيل تصعيداً لافتاً بعد بث قناة تلفزيونية إيرانية قائمة تضم سبعة مسؤولين إسرائيليين تحت عنوان “أهداف مشروعة”، في خطوة جاءت رداً على نشر قناة إسرائيلية قائمة مشابهة لمسؤولين إيرانيين.
يأتي التطور الجديد في ظل توتر إقليمي متزايد وتحركات عسكرية أمريكية في المنطقة.
وبثت شبكة “أفق” التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية رسوماً غرافيكية تضمنت صور سبعة مسؤولين إسرائيليين تعلوها علامات تصويب، في إشارة رمزية إلى الاستهداف.
وتصدّر القائمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات “الموساد” ديفيد برنيع، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، ورئيس أركان الجيش إيال زمير، وقائد سلاح الجو تومر بار، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية شلومي بيندر، ورئيس هيئة العمليات إيتسيك كوهين.
وخلال البث، وجّه مقدم البرنامج رسالة باللغة العبرية حملت تهديداً مباشراً، قال فيها إن طهران ستحدد توقيت الرد في حال وقوع أي عدوان، في إشارة إلى طائرة مسيّرة إيرانية تحمل اسم “أبابيل”.
وأكدت القناة أن ما عرض يمثل رسالة ردع إعلامية في مواجهة ما وصفته بخطوات تصعيدية إسرائيلية.
جاءت الخطوة الإيرانية بعد أيام من نشر القناة 12 الإسرائيلية تقريراً تضمن ما سمته “قائمة اغتيالات” إيرانية، وضعت في مقدمتها المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى جانب عدد من القيادات العسكرية والسياسية،
من بينهم رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، ومجتبى خامنئي، وقائد الحرس الثوري محمد خاكبور، وأمين مجلس الدفاع الإيراني علي شمخاني.
أثار التراشق الإعلامي ردود فعل واسعة في أوساط سياسية وإعلامية، خاصة مع تزايد الحديث عن احتمالات تصعيد عسكري في المنطقة.
وفي السياق ذاته، نقلت وكالة أسوشييتد برس عن مصدر مطلع أن حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جيرالد آر فورد” تلقت أوامر بالإبحار من منطقة الكاريبي باتجاه الشرق الأوسط، في إطار إعادة تموضع عسكري أمريكي.
وجاء ذلك بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار فيها إلى دراسة إرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة.
تزامنت التحركات الأمريكية مع تأكيد البيت الأبيض تمسكه بالمسار الدبلوماسي في التعامل مع الملف الإيراني، مع استمرار الإشارة إلى خيارات أخرى في حال تعثر المفاوضات.
وكان ترامب قد أكد عقب لقائه نتنياهو في واشنطن، أن الحوار يمثل الخيار المفضل، مع الإبقاء على أدوات ضغط متعددة.
وفي قراءة لهذه التطورات، قال الكاتب والمحلل الإيراني علي قاسم نجم، إن الخطاب الإعلامي الإيراني يأتي في إطار الردع الرمزي، موضحاً أن طهران تعتمد على رسائل متعددة المستويات لإظهار قدرتها على الرد.
وأشار إلى أن التوازن بين التصعيد الإعلامي والتحرك الدبلوماسي يمثل سمة بارزة في المرحلة الحالية، حيث تحاول جميع الأطراف إدارة الأزمة ضمن حدود محسوبة.
ويرى مراقبون أن تبادل القوائم يعكس تصاعداً في حدة الخطاب بين الجانبين، خاصة في ظل تزايد الاحتكاك غير المباشر في ساحات إقليمية مختلفة.
كما يشيرون إلى أن التحركات العسكرية الأمريكية تضيف بعداً جديداً إلى المشهد، مع استمرار الغموض حول مسار المفاوضات والخيارات المتاحة.
يبقى المشهد الإقليمي مفتوحاً على احتمالات متعددة، بين استمرار الضغط المتبادل ومحاولات احتواء التصعيد عبر قنوات التفاوض.
الأحداث الإيرانية... صدمة جماعية رسّخت الخوف من المستقبل
وفي السياق يرى متخصصون إيرانيون أن موجات العنف التي شهدتها البلاد أخيراً، تُعدّ مؤشراً على أزمة نفسية واجتماعية عميقة نتيجة الضغوط الاقتصادية والمعيشية، وأن تجاوزها مستحيلٌ من دون تحقيق العدالة والإصلاح.
دخل المجتمع الإيراني إحدى أعمق حالات الصدمة الجماعية في تاريخه الحديث، عقب مقتل آلاف الأشخاص خلال يومين في الثامن والتاسع من يناير/كانون الثاني الماضي، على خلفية الاحتجاجات التي عمّت عدداً من المدن.
وقد ألقت وطأة الصدمة بثقلها على أغلب المواطنين، وسط حالة من الحزن والذهول، ولا سيّما بعد اكتشاف حجم الخسائر البشرية الجسيمة إثر انتشار مشاهد مصوّرة من داخل دوائر الطب العدلي، ومن مراسم التشييع والعزاء.
لا تزال الارتدادات النفسية والاجتماعية لهذه المشاهد المروّعة حاضرة بقوة في المجتمع الإيراني.
وفي ظل استمرار تضارب الروايات الرسمية وغير الرسمية بشأن الأحداث الأخيرة وأعداد الضحايا والمسؤولين المباشرين عن سقوطهم، يجد الإيرانيون أنفسهم بمعزل عن هذه السرديات أمام تداعيات نفسية عميقة، وأسئلة ملحّة حول جذور هذا العنف، وكيف وصل الأمر إلى حدّ مصرع 3117 شخصاً خلال أيام قليلة، بحسب البيانات الرسمية.
وتفيد السلطات بأنّ 2427 من القتلى، بينهم أفراد من قوات الأمن، سقطوا على يد "جماعات مسلحة ومثيري شغب"، وتصفهم بـ"الشهداء"، فيما تتّهم المعارضة، الدولة بقمع المحتجين وقتلهم.
وبين الروايات والأرقام المتعارضة، تكشف مشاهد متداولة أن الاحتجاجات تخللتها أعمال قتل وعنف وتخريب واسعة، وُصفت بأنها "غير مسبوقة" على الأقل خلال العقود الأخيرة.
كما تُظهر هذه المقاطع أن مستوى المواجهة في الشارع تجاوز ما اعتاده الإيرانيون في موجات احتجاج سابقة، من مشاهد قتل المواطنين من جهة، واستهداف قوات الأمن والشرطة والهجوم على منشآت دينية وعسكرية من جهة ثانية.