مبنى هوفر... مصر القديمة على طريق سريع في لندن
على طريق إيه 40 السريع، غربي لندن، لا يزال اسم مبنى هوفر مثبتاً فوق واجهة تبدو أقرب إلى بوابة احتفالية منها إلى مصنع للمكانس الكهربائية. أعمدة طويلة، وزخارف هندسية ملونة، ومدخل تتوّجه أشعة متدرجة، في مشهد يحمل أثراً واضحاً من العمارة المصرية القديمة.
فيما لا تزال أجزاء من المبنى تخضع لأعمال صيانة، في مشهد يعيد طرح سؤال كيفية الحفاظ على معلم صناعي تاريخي تبدلت وظائفه، من مصنع إلى متجر ثم إلى مساكن.
هكذا، يجمع الموقع اليوم بين ثلاثة عصور: مصنع ازدهر مع صعود الاستهلاك المنزلي، ومتجر يعكس اقتصاد التجزئة، وشقق تمثل التحول العقاري في لندن.
لكن العنصر الأكثر ثباتاً بقي واجهته المصرية الطابع، التي تعود قصتها إلى اكتشاف أثري وقع على بعد آلاف الكيلومترات.
عندما اكتشف عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك عام 1922، لم يبق أثر الاكتشاف محصوراً في علم الآثار.
انتقلت صور الكنوز والأعمدة وأقراص الشمس والزخارف المصرية إلى الأزياء والمجوهرات والسينما والأثاث والعمارة. تزامنت موجة الافتتان بمصر القديمة مع انتشار طراز الآرت ديكو، المعروف بالتناظر والأشكال الهندسية والألوان الجريئة.
توضح هيئة إنكلترا التاريخية أن هذا الطراز استعار بعض أفكاره من المعابد المصرية، وأن اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون ساهم في زيادة شعبيته، خصوصاً في المصانع ودور السينما خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. في سجلها الرسمي،
تصف الهيئة مدخل مبنى هوفر بأنه مصمم وفق أسلوب الآرت ديكو المصري، مع زخارف ملونة متقنة فوق الأبواب.
كما تعتبر الكتلة الأمامية واحدة من أهم مصانع الطرق الرئيسية في عصرها وأكثرها جاذبية. ولا تعني هذه "المصرية" أن معماريين مصريين صمموا المبنى، أو أن لشركة هوفر صلة مباشرة بمصر.
إنها مصر كما أعادت الثقافة البريطانية والأوروبية تخيلها، وحولتها إلى لغة بصرية توحي بالفخامة والقوة والاستمرار.
بُني المجمع على مساحة ثمانية أفدنة بين عامي 1931 و1932، وصممه مكتب واليس، غيلبرت وشركاؤه، ليكون مصنعاً ومقراً لشركة هوفر الأميركية في بريطانيا. وافتتحه اللورد روتشديل رسمياً في 2 مايو/ أيار 1933.
صُممت الواجهة لتظهر بوضوح أمام المارة والسائقين على الطريق الغربي الخارج من لندن. واجهة بيضاء متناظرة، ونوافذ واسعة، وزخارف من البلاط الملون، وبرجان عند الطرفين، ومدخل مركزي يشبه بوابة معبد،
أعيدت صياغتها بلغة صناعية حديثة. تحول المبنى نفسه إلى إعلان ضخم للشركة.
وكان اسم هوفر مرئياً من الطريق، بينما منحت الأعمدة والألوان المصنع هيبة تتجاوز وظيفته اليومية.
وأطلقت عليه الصحافة البريطانية في ذلك الوقت وصف قصر الصناعة الحديث، في مقارنة مع مصانع أقدم وأكثر قتامة في شمال إنكلترا. كان ذلك جوهر المفارقة: رموز تستحضر حضارة عمرها آلاف السنين استُخدمت لتسويق منتج منزلي حديث، هو المكنسة الكهربائية.
لم يكن مبنى هوفر حالة منفردة. فقد استخدمت العمارة البريطانية التأثيرات المصرية على مدى أكثر من قرنين، وظهرت في المصانع ودور السينما والمتاجر والمقابر والمباني العامة.
وتصف هيئة إنكلترا التاريخية هذا الحضور بأنه تعبير عن افتتان طويل وعميق بمصر القديمة داخل الثقافة البريطانية.
من أبرز الأمثلة اللندنية في الفترة نفسها مصنع كاريراس للسجائر، المعروف اليوم باسم غريتر لندن هاوس، قرب كامدن، بواجهته التي تضم أعمدة مستوحاة من نبات البردي وأقراص شمس مجنحة وتماثيل قطط سوداء تشير إلى الإلهة باستيت.
كما ظهرت الزخارف المصرية على دور سينما عدة، إذ استُخدمت أعمدة اللوتس والبردي والبوابات الضخمة لمنح الجمهور شعوراً بأنه يدخل عالماً غامضاً وفخماً. وهكذا، أصبحت مصر القديمة لغة تجارية تستخدمها الشركات لمنح منتجاتها الحديثة مهابة الماضي.
توسع مصنع هوفر في منتصف الثلاثينيات، حتى بلغت مساحته نحو 254 ألف قدم مربعة. وفي ذروة نشاطه خلال ذلك العقد، عمل فيه نحو 1600 شخص ليلاً ونهاراً، وفق مجلس إيلينغ.
كما كانت الشركة تستقبل الزوار لمشاهدة عملية التصنيع، في وقت لم تكن فيه المصانع عادة أماكن مفتوحة للجمهور. وضم الموقع مرافق للتدريب والترفيه، في إطار نموذج صناعي اهتم ببيئة العمل ورفاه العاملين.
وبعد الحرب العالمية الثانية، ارتفع عدد الموظفين إلى نحو ثلاثة آلاف بحلول عام 1951، بين التصنيع والإدارة والمبيعات والهندسة. خلال الحرب العالمية الثانية، اضطر المبنى الذي صُمم لجذب الأنظار إلى الاختباء.
مُوّهت واجهته لحمايتها من الغارات الألمانية، واستخدمت منشآت المصنع في صناعة قطع للطائرات، مع استمرار محدود في إنتاج المكانس الكهربائية.
كما شكّل العمال وحدة خاصة بهم ضمن الحرس الداخلي البريطاني عام 1940. بعد الحرب، عاد المصنع إلى نشاطه، لكن أرباح الشركة تراجعت في سبعينيات القرن الماضي،
ووقعت إضرابات وسُرّح عمال، قبل أن يتوقف إنتاج المكانس الكهربائية في الموقع عام 1982.
أنقذت القيمة المعمارية المبنى من الهدم الكامل. فقد أُدرجت كتلته الأمامية الرئيسية عام 1980 ضمن المباني المحمية من الدرجة الثانية ذات الأهمية الاستثنائية (Grade II).
ويشمل التصنيف الرسمي الواجهة المطلة على ويسترن أفنيو، بما تحمله من زخارف مصرية وتفاصيل ملونة. وأعيد فتح الموقع في التسعينيات بوصفه متجراً كبيراً، بعد توقف المصنع.
يؤكد مجلس إيلينغ أن المبنى عاد إلى الاستخدام في تلك الفترة ليكون سوبرماركت، فيما توثق هيئة إنكلترا التاريخية وجود عناصر من الآرت ديكو المصري في الجهة الخلفية التي يشغلها اليوم متجر تيسكو.
وخلال الزيارة الميدانية، بدا التحول موزعاً بين جهتي الموقع: اسم هوفر يعلو الواجهة التاريخية المطلة على طريق إيه 40، بينما يظهر شعار تيسكو في الجهة الخلفية، وسط مواقف السيارات وعربات التسوق.
انتقل المكان بذلك من إنتاج الأجهزة التي تنظف البيوت إلى بيع السلع التي تملأها، من دون أن تتخلى واجهته عن هويتها الأولى.
شهدت الكتلة التاريخية تحولاً آخر بعد تطويرها وتحويلها إلى 66 شقة سكنية.
توضح مجلة آركيتكتشر توداي أن المشروع أعاد استخدام المبنى، الذي كان يضم مكاتب ومساحات تجارية، وحافظ على عناصر أصلية عدة، بينها السلالم الكبرى والدرابزين المعدني وأرضيات التيرازو ووحدات الإضاءة وتفاصيل الآرت ديكو الداخلية.
وأُصلت الواجهة الخرسانية البيضاء التي كانت تعاني من التشققات والتلف، وأضيفت تجهيزات لعزل الشقق عن ضجيج طريق إيه 40 والمتجر المجاور. وتضم الوحدات السكنية شققاً من غرفة أو غرفتين أو ثلاث غرف نوم، وفق الشركة المطورة.
يكشف المبنى كيف استقبلت بريطانيا آثار مصر القديمة وأعادت توظيفها. فبعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، انتقلت الرموز المصرية من وادي الملوك إلى واجهات المصانع ودور السينما والمتاجر، وتحولت إلى جزء من لغة الحداثة والإعلان في أوروبا.
وبعد أكثر من تسعين عاماً على افتتاح المبنى، لا يزال مدخله المصري الطابع أقوى عناصره حضوراً. مرّت أمامه أجيال من العمال، ثم المتسوقين وسكان الشقق، فيما بقيت زخارفه ثابتة على جانب الطريق.
وبين اسم هوفر المطل على "إيه 40" وشعار تيسكو في الجهة الخلفية، تقف قطعة من مصر المتخيلة في غرب لندن، شاهدة على زمن استطاع فيه اكتشاف أثري في وادي الملوك أن يغيّر هيئة مصنع للمكانس الكهربائية على بعد آلاف الكيلومترات.
كاتيا يوسف