فيلم "غزة 13"... يوميات عادية في زمن استثنائي
أفلامٌ كثيرة ومتنوّعة صُوّرت في غزة، في حرب الإبادة التي شنّها ولا يزال يشنّها الاحتلال الإسرائيلي عليها، راوحت بين أفلام طويلة وقصيرة، وروائية ووثائقية، يشترك معظمها في خاصية الاستعجال، ما جعلها تفقد الوعي السينمائي، وتقلّ فيها المنطلقات الجمالية المطلوبة.
لكن، من جهة أخرى، لديها قوة توثيق وصدقية معايشة، لأنها اختبرت الوضع عن قرب، وشهدت عليه، ما أكسبها قيمة إنسانية كبيرة.
المخرج حسام أبو دان تغلّب على حلقة الصناعة السينمائية، وتفاصيلها وتشعّباتها المحترفة، بإخراجه فيلماً رقيقاً وقوياً وجميلاً. التحدّي الأكبر أنه صوَّر التفاصيل كلها في غزة، والقصف مستمرّ، والتهجير دائم، والحصار قائم.
"غزة 13" (بالإنكليزية: Thirteen in Gaza) أول روائي طويل له، بعد مسار فني تمثّل بالمونتاج والتصوير والإنتاج التلفزيوني وإخراج وثائقيات،
آخرها "غزة... صوت الحياة والموت" (2024)، الذي نال تقديراً دولياً وإشادة جهات عديدة، كما يحصل مع "غزة 13" (2026، 77 د.)، الذي يسلك المنحى نفسه، بدءاً من نيله جائزة نيتباك في الدورة الـ51 (10 ـ 20 سبتمبر/أيلول 2026) لمهرجان تورونتو.
فيه، يرسم المخرج معالم جمالية دقيقة للغاية، مرتكزاً على سيناريو متماسك (خليل المزيّن)، ومنسوج بعناية فائقة، وبسيط وغير متكلّف، وواضح المعالم، ومتشابك مع الراهن المعاش.
لذا، تكاملت المعالجة بالمنطلقات نفسها: معالم واضحة، لا تذاكي فيها ولا إفراط في إظهار الوجع، ما سهّل التلقّي الموضوعي، وقوّى التواصل البصري والعاطفي. هذه مؤشرات تظهر بمشاهدة الدقائق الأولى.
"غزة 13" إعادة تدوير للأحداث والوقائع العادية، التي يُقرأ عنها في الصحف، وتُشاهَد يومياً في الإعلام. لكن طريقة تعاطي أبو دان (إخراجاً وكتابةً) معها جعلها مختلفة.
هذه بصمة سحرية تعكسها الموهبة، بتوظيف السهل الممتنع، إذ يعتقد المشاهد أنه يستطيع محاكاتها أو الإتيان بمثلها. لكن، عند امتلاكه الأدوات التقنية لتوظيفها، يعجز عن ذلك.
هذا الفرق تصنعه الموهبة. وهذه خاصية حسام أبو دان: تطويع العادي، ووضعه في إطار مختلف، مولِّداً مشاعر قوية، تعكسها الحسرة والخوف والغضب والعجز والضعف، وغيرها مما يتعاقب على المتلقّي،
تاركة إياه في حالة وهن عاطفي يصعب لملمته، إذ يتذكر كل التفاصيل والأحداث.
أكثر من هذا، يغذّي فيه منطلقات التأويل التي تقود إلى ما بعد الفيلم، والبحث عن بعض مصائر الشخصيات، وسط الركام والخيام والمنازل المدمّرة والمتداعية،
كحالة المُراهقة رغد (ماري زيارة)، التي تبلغ من العمر 13 عاماً، بعد أن باتت وحيدة وسط محيط مجروح وموبوء وكاره وحاقد.
الدليل على ذلك أن هذا المحيط حاول استغلالها، كما فعل خليل (غسان سالم)، الذي طوّع الحرب لصالحه، بمتجارته بالمعونات الدولية، والتلاعب بها، وإعادة بيعها في السوق السوداء، بهدف الربح.
كل هذا على حساب الجوعى والمحرومين والضحايا، الذين باتوا بين ليلة وضحاها في الحرب والخراب والدماء التي تغطي الفضاءات والأرض.
خليل نموذج واقعي لما يحدث في غزة، ويعكس بصورةٍ ما أطرافاً عديدين، يستغلون الظروف للربح والتكسّب، بعد أن ماتت ضمائرهم. ولانعدام ضميره، لم يرحم المُراهقة، التي لا تزال تلعب بين الركام مع أترابها، لتنسى ما حدث لعائلتها ووالدتها الحنونة، التي فقدتهما في الحرب، ولم يبقَ لها سوى والدها المُفلس والحزين (فراس المصري)، الذي اضطرّ إلى العمل عند خليل في مستودع مشبوه،
يحتوي على سلع ملطّخة بالدماء، ليوفر لنفسه ولابنته شيئاً يواجهان به جوع المخيم وبرده. أكثر من هذا، وجد نفسه مخيّراً بين الجوع والاحتياج، والموافقة على زواج ابنته المراهقة من خليل، فاقد المروءة.
يرصد حسام أبو دان في "غزة 13" أوجاع المدينة وآلامها. إنه رسام بارع، خَطّ مشاهد موجعة ودامية، يعيشها الفلسطينيون يومياً، بتنقّلهم من مخيم إلى آخر، وتزاحمهم على الحمّامات، وغوص أقدامهم في الأوحال والقذارة.
أكثر من هذا، يتعرّضون باستمرار لكل أشكال الاستفزاز والابتزاز من أبناء جلدتهم، الذين يتركون ندوباً أعمق وأكثر ألماً ممّا يخلفه العدو الإسرائيلي بترسانته العسكرية.
يطرح الفيلم أسئلة عن حماية الأطفال في زمن الصراع، ومعنى النمو في بيئة غير مستقرة، وآثارها الممتدة. بعيداً عن تصوير الدمار الذي استخدمه كثيرون ليكون سينماتوغرافيا أعمالهم وحتى شخصياتهم، يختار "غزة 13" التركيز على الإنسانية والصمود، بمعزل عن الإثارة.
مشاعر جيّاشة، ووقائع دامية، ومسارات مظلمة ذات التواءات عديدة، منطلقات أغنى بها حسام أبو دان فيلمه، بعد رصد دقيق لما يحدث في مدينته الفلسطينية الجريحة،
محوّلاً إياه إلى فيلم سينمائي مهمّ، بفضل المعالجة الإخراجية، والسيناريو المتناسق، والتمثيل المتقدّم لفراس المصري وغسان سالم وماري زيارة، الذين لم يحتاجوا إلى إدارة، ولا إقناع بتلبّس الحالات، لعيشهم تلك الأحداث والأهوال في غزة، فتوحّدوا مع أدوارهم وتفاصيلها بكل مقدرة، وجسدوها فعلياً وعملياً.
بذلك، أسهموا في رسم هذه اللوحة الفنية، التي نقلت جزءاً مما عاشه ويعيشه الغزاويون في تلك الرقعة الجغرافية، التي لا تزال تحترق بنيران المحتلّ إلى الآن.
يُشار إلى أن "غزة 13" هو أول فيلم روائي طويل يُصوَّر كاملاً في غزة منذ نحو 12 عاماً. وقد أفادت تقارير بأن قصفاً وقع بالقرب من موقع التصوير خلال اليوم الرابع، وأُصيب أحد أفراد الطاقم بجروح خطيرة.
عبد الكريم قادري