طقوس الحظ في كرة القدم... ما يحدث قبل صافرة البداية
لم يبدأ نصف نهائي كأس العالم بين الأرجنتين وإنكلترا مساء الأربعاء مع صافرة الحكم، بل قبلها بساعات طويلة، داخل آلاف المنازل، حيث كانت أسماء هاري كين وجود بيلينغهام تُكتب على قصاصات ورق وتُوضع في الثلاجات.
وفي أماكن أخرى، كان مشجعون يرفضون غسل القمصان التي ارتدوها في المباريات السابقة، ويتمسكون بالمقعد نفسه، والوجبة نفسها،
وحتى الأشخاص أنفسهم الذين شاهدو معهم اللقاءات الماضية، خشية أن يؤدي أي تغيير، مهما بدا بسيطاً، إلى كسر "الكابالا"؛ وهي طقوس الحظ التي تحولت في الأرجنتين إلى جزء من ثقافة كرة القدم.
وعندما قلب المنتخب الأرجنتيني النتيجة في الدقائق الأخيرة، وفاز 2-1 ليبلغ النهائي الثاني توالياً، لم يكن كثيرون مقتنعين بأن التأهل جاء بفضل تمريرتي ليونيل ميسي الحاسمتين أو هدفي إنزو فرنانديز ولاوتارو مارتينيز فقط، بل لأن "الكابالا" نجحت مرة أخرى.
لكن وراء هذه الخرافات قصة أكبر بكثير من كرة القدم. فبالنسبة إلى الأرجنتينيين، لم تكن مواجهة إنكلترا مجرد نصف نهائي في كأس العالم، بل محطة جديدة في علاقة معقدة تمتد من حرب جزر المالفيناس، مروراً بدييغو مارادونا و"يد الله"، وصولاً إلى ليونيل ميسي الذي اعترف بعد المباراة بأن هذا كان اللقاء الذي أراد المنتخب الفوز به أكثر من أي مواجهة أخرى في نصف النهائي.
قبل المباراة، نشرت وكالة رويترز تقريراً وصفت فيه مشهداً بدا أقرب إلى طقس جماعي منه إلى استعداد لمباراة كرة قدم. ففي الأرجنتين يؤمن كثيرون بأن بعض الطقوس الموروثة قادرة، ولو رمزياً، على التأثير في نتيجة المباراة.
إينيس موتري، وهي مشجعة في الثالثة عشرة من عمرها، شرحت الطقس الذي تلتزم به مع أصدقائها قبل كل لقاء. تكتب المجموعة اسم أخطر لاعب في المنتخب المنافس، إلى جانب اسم حارس مرماه، على ورقة واحدة، ثم تضعها داخل المجمد. "هذه المرة جمّدنا هاري كين"،
قالت الفتاة لـ"رويترز". الطالب خوان بابلو كالفو قرر بدوره "تجميد" جود بيلينغهام، لأنه يعتبره أخطر لاعبي إنكلترا،
فيما امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر لاعبي المنتخب الإنكليزي محاصرين داخل مكعبات ضخمة من الثلج، في استعارة ساخرة تهدف إلى "تجميد" حركتهم ومنعهم من التسجيل.
لكن "الكابالا" لا تتوقف عند الثلاجة. فبعض المشجعين يرفضون تغيير مكان جلوسهم منذ انطلاق البطولة، وآخرون يشاهدون كل مباراة مع الأشخاص أنفسهم فقط،
فيما يعتبر كثيرون أن غسل القميص الذي ارتدوه في مباراة انتهت بالفوز قد يجلب سوء الحظ في المباراة التالية. حتى مدرب المنتخب ليونيل سكالوني اعترف بأن لديه طقسه الخاص،
إذ يحرص على دخول أرض الملعب بقدمه اليمنى أولاً، ثم يرسم إشارة الصليب قبل كل مباراة.
قد تبدو هذه التفاصيل طريفة بالنسبة إلى غير الأرجنتينيين، لكنها جزء من إرث طويل يعود إلى المدرب الأسطوري كارلوس بيلاردو الذي قاد المنتخب إلى لقب كأس العالم عام 1986.
وتروي الحكايات أنه بعدما تعطلت حافلة المنتخب قبل إحدى المباريات واضطر اللاعبون إلى استقلال سيارات أجرة، ثم خرجوا فائزين، أصبح يفضّل التنقل بالطريقة نفسها كلما أمكن، مقتنعاً بأن الحظ اختار وسيلته المفضلة.
والإيمان بالحظ والماورائيات بالنسبة إلى المنتخب الأرجنتيني اتخذ طابعاً "رسمياً" في مباراته الأخيرة ضد إنكلترا، مع قرار الاتحاد الأرجنتيني للعبة اعتماد القميص الاحتياطي بالأزرق الداكن بدل القميص الرئيسي المعروف بالأبيض والأزرق السماوي. لماذا؟
لأن الأرجنتين، في لقاءاتها السابقة الأربعة مع الإنكليز في كأس العالم (1966 و1986 و1998 و2002) فازت عندما كان لاعبوها يلبسون القميص الاحتياطي بالأزرق الداكن (1986 و1998).
وتكرر الأمر في مباراة الأربعاء بالزي نفسه. وخسرت عندما كانوا يرتدون الزي الأساسي بالأبيض والأزرق السماوي في 1966 و2002. و
لم يتعاطَ الإعلام الإنكليزي في الأيام السابقة للمباراة مع قرار اعتماد القميص إلا بالسخرية من خرافات وماورائيات بلا قيمة مثلما صرّح وكتب كثر.
لكن الأرجنتين ليست وحدها. البرازيلي ماريو زاغالو، أول رجل يفوز بكأس العالم لاعباً ثم مدرباً، ظل طوال حياته يؤمن بأن الرقم 13 يجلب له الحظ، حتى بات يحيط نفسه به كلما استطاع.
أما الفرنسي ريمون دومينيك، فأثار موجة من السخرية عندما اعترف بأنه كان يستعين بعلم التنجيم عند اختيار تشكيلته، حتى إنه تجنب ضم بعض اللاعبين لأنهم ولدوا تحت برجي العقرب والأسد.
وفي فرنسا أيضاً، اعتاد المدافع لوران بلان تقبيل رأس حارس مرماه الأصلع فابيان بارتيز قبل كل مباراة، معتقداً أن هذه الحركة البسيطة تمنح المنتخب الحظ. الحارس الألماني مانويل نوير يلمس قائمَي مرماه قبل انطلاق أي مباراة.
أما أسطورة الكرة الهولندية يوهان كرويف، فكان ربما الأكثر غرابة. قبل كل مباراة، كان يلكم حارس مرماه في بطنه، ثم يعبر الملعب ويبصق قطعة العلكة التي يمضغها باتجاه مرمى المنافس.
وقال لاحقاً إنه لم يكن يشعر بأنه مستعد للمباراة قبل تنفيذ هذا الروتين بالكامل. وفي نهائي كأس أوروبا عام 1969، اكتشف قبل البداية أنه نسي علكته، وخسر حينها "أياكس" أمام "ميلان" بنتيجة 4-1.
وفي بعض الأحيان، لم تكن الطقوس وحدها كافية. ففي سيرته الذاتية، روى قائد المنتخب الأسترالي السابق جوني وارن أن منتخب بلاده لجأ إلى ساحر خلال تصفيات كأس العالم عام 1969 في الموزمبيق، بعدما أصبحت فرص التأهل شبه معدومة.
وبحسب الرواية، دفن الساحر عظاماً قرب مرمى المنافس لإلقاء "لعنة" عليه، وفازت أستراليا بالفعل. لكن عندما غادر المنتخب من دون دفع أجره، قرر الساحر الانتقام،
فألقى لعنة على منتخب "سوكروز"، قيل إنها لاحقته لعقود. وحكا وارن أنه عاد إلى الموزمبيق قبل مونديال 2006 لطلب رفع اللعنة.
وهناك، طلب الساحر الجديد ذبح دجاجة، ورش دمها على أرض الملعب، ثم دهن جسد وارن بطين الملعب نفسه. وبعد أشهر، تأهلت أستراليا إلى كأس العالم للمرة الأولى منذ 32 عاماً.
وعلى الرغم من غرابة هذه الحكايات، فإن علماء النفس لا ينظرون إليها باعتبارها مجرد أوهام. فالطقوس تمنح الرياضيين والمشجعين شعوراً بالسيطرة على حدث لا يمكن التحكم في تفاصيله،
وتخفف من التوتر وتعزز الثقة بالنفس، في ما يُعرف بـ"تأثير الدواء الوهمي" (Placebo Effect)، إذ قد ينعكس الإيمان بفاعلية طقس معين إيجاباً على الحالة الذهنية، حتى وإن لم يكن له أي تأثير حقيقي في مجريات المباراة.
وتنسجم هذه الفرضية مع دراسة أجراها باحثون من جامعة نورثمبريا البريطانية، ونشرتها دورية Journal of Sports Sciences في يوليو/تموز 2025،
وخلصت إلى أن الخرافات الرياضية لا تنبع من اعتقاد بقدرتها على تغيير النتائج بقدر ما تمثل وسيلة للتعامل مع الضغوط والقلق المصاحبين للمنافسات. كما أظهرت أن هذه الطقوس تؤدي وظائف مختلفة؛
فبعضها يهدف إلى استجلاب الحظ، وبعضها إلى تجنب الإصابة، أو تعزيز التركيز، أو الوصول إلى الحالة الذهنية المثلى قبل المنافسة،
فيما يتحول بعضها الآخر إلى جزء ثابت من روتين الرياضي وحياته اليومية، ويزداد التمسك بها كلما ارتفعت أهمية المباراة أو حجم الضغوط المحيطة بها.
وربما لهذا السبب، لن يكون كثير من الأرجنتينيين، بعد الفوز على إنكلترا، مستعدين للاعتراف بأن التأهل إلى النهائي تحقق بفضل كرة القدم وحدها. ففي نظرهم، بدأت المباراة تُحسم قبل ساعات من صافرة البداية... منذ اللحظة التي دخل فيها اسم هاري كين إلى الثلاجة.