أصالة نصري... صوت آخر يعود إلى دمشق
لم تكن عودة الفنانة السورية أصالة نصري إلى الغناء في دمشق، بعد غياب استمر نحو 15 عاماً، مجرد مناسبة فنية عابرة. فقد تحولت حفلتها، التي أقيمت مساء الخميس الماضي على خشبة مسرح صالة الفيحاء، إلى حدث ثقافي ووطني أثار مشاعر السوريين، وفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول صورة سورية الجديدة وحدود دور الدولة في رعاية الفن والثقافة.
جاءت عودة أصالة بعد سنوات طويلة غابت خلالها عن المسارح السورية، بسبب موقفها المعارض لنظام بشار الأسد منذ اندلاع الاحتجاجات عام 2011. وكانت آخر حفلاتها في سورية عام 2010،
قبل أن تصبح من الفنانين السوريين الذين أعلنوا تأييدهم الثورة، الأمر الذي جعل عودتها إلى دمشق تحمل بالنسبة إلى كثيرين معنى يتجاوز الغناء.
جرى استقبال أصالة بحفاوة جماهيرية ورسمية، وأطلقت على الحفل تسمية "عودة الأصالة". وبث التلفزيون السوري فعاليات الأمسية مباشرة، فيما شهدت الصالة حضور عدد من الفنانين والمثقفين والإعلاميين السوريين.
اختارت أصالة أن تبدأ وصلتها بأغنية وطنية، وسط تفاعل الجمهور، قبل أن تقدم مجموعة من أشهر أغانيها وأعمالها الجديدة. ولم تخفِ الفنانة تأثرها بالعودة، مؤكدة أنها كانت تحلم منذ سنوات بالوقوف مجدداً أمام جمهورها السوري، ومتمنية أن تأتي عودتها في مرحلة يسودها التشافي.
تحدثت أصالة عن دور الفن والموسيقى في تجاوز آثار السنوات الماضية، معتبرة أن التعافي لا يكتمل من دون احترام الفن والموسيقى. وعكست الأمسية ارتباط تجربتها الشخصية بالذاكرة السورية،
إذ عُرضت قبل صعودها إلى المسرح مشاهد من بداياتها الفنية ومن علاقتها بوالدها الموسيقي الراحل مصطفى نصري، إلى جانب مقاطع من الاحتجاجات السورية ومواقف سابقة لها مؤيدة للثورة.
كان لمصطفى نصري أثر مبكر ولافت في تكوين أصالة الفني، لتلتقي الحكاية الشخصية بالذاكرة السورية الأوسع. وبين صوت الابنة وإرث الأب، بدت دمشق كأنها تستعيد فصلاً من تاريخها الغنائي،
فيما حملت الأمسية أسئلة الفن والهوية والذاكرة إلى فضاء عام يتشكل من جديد.
لم يقتصر الحضور الرسمي على المشاركة، إذ كرم وزير الثقافة محمد ياسين صالح أصالة بدرع تحمل رموز المحافظات السورية. وقال إن عودتها تمثل، بحسب تعبيره، عودة كل سوري صادق وحر إلى وطنه،
مؤكداً أن أبواب وزارة الثقافة مفتوحة أمام مختلف ألوان الثقافة والإبداع.
وحملت رعاية الوزارة الحفل دلالة سياسية وثقافية إضافية، ما جعل الرعاية الرسمية للحفل تبدو وفق بعض المراقبين جزءاً من الصورة الثقافية التي تريد الدولة تقديمها، بعدما تحولت المناسبة إلى ساحة نقاش حول الجهة التي تحدد شكل المجال الثقافي في سورية الجديدة.
هنا، برز الطرف الآخر من السجال. فقد اعترض دعاة وشخصيات محافظة على الحفل، وتركز اعتراضهم خصوصاً على الغناء والموسيقى والاختلاط، وعلى منح الفعالية رعاية حكومية.
كما وقعت 62 شخصية بياناً دعا إلى مراجعة سياسات ترخيص الفعاليات العامة ووقف الرعاية الرسمية للأنشطة التي يرون أنها تتعارض مع هوية المجتمع وقيمه.
في المقابل، صدرت مواقف أعلنها مثقفون وفنانون حذرت من اختزال هوية دمشق أو سورية في تصور اجتماعي أو ديني واحد، معتبرة أن تاريخ المدينة الثقافي يعكس تنوعاً يسمح بتعدد الأنماط الفنية والاجتماعية.
وهكذا، تجاوز الخلاف مسألة إقامة حفلة غنائية ليصبح نقاشاً أوسع حول شكل الدولة والمجتمع وحدود النفوذ الديني في الحياة العامة.
أما شعبياً، فقد بدا التفاعل أكثر تنوعاً. فبينما رأى مؤيدون أن استقبال أصالة يمثل احتفاء بفنانة وقفت إلى جانب الثورة وعادت إلى بلدها بعد سنوات من الغياب، عبّر آخرون عن تحفظهم على حجم التكريم الرسمي.
وذهب بعض المنتقدين إلى أن احترام موقف أصالة السياسي لا يعني بالضرورة منحها احتفاءً يفوق ما حصل عليه سوريون آخرون شاركوا في الثورة أو تحملوا تبعاتها من خلال العمل الطبي والإغاثي والصحافي والإنساني.
يكشف هذا النقاش عن سؤال أعمق يتعلق بالذاكرة والموقف، وكيف يمكن لسورية الجديدة أن تكرّم الشخصيات العامة والفنية التي اتخذت مواقف سياسية، وفي الوقت نفسه تحفظ مكانة من دفعوا أثماناً مباشرة خلال سنوات الحرب والثورة؟
وهو سؤال لا يتعلق بأصالة وحدها، بل بطريقة بناء الذاكرة العامة وتحديد معايير التكريم والاحتفاء.
فنياً، حملت عودة أصالة أيضاً مشروعاً سورياً واضحاً، فسبقت الحفل بإطلاق ألبوم "من أصالة إلى سورية التي نحب" الذي يضم 14 أغنية من التراث السوري، خصصت كل واحدة منها لمحافظة سورية، مع تنويع في اللهجات والألوان الموسيقية والتوزيعات.
وبذلك، قدمت الفنانة عودتها بوصفها استعادة لجزء من الذاكرة الموسيقية السورية، وليس مجرد عودة إلى المسرح.
وبين الاحتفاء والانتقاد، تبدو حفلة أصالة في دمشق مرآة لنقاش أكبر تعيشه سورية الجديدة: أي صورة تريد البلاد أن تقدمها عن نفسها؟ وهل تكون الثقافة مساحة للتنوع والاختلاف، أم تخضع لمعايير أكثر تشدداً تحددها رؤى اجتماعية أو دينية بعينها؟
أثبتت الأمسية أن الفن في سورية لا يزال مرتبطاً بقوة بالذاكرة والسياسة والهوية. فصوت أصالة الذي عاد إلى دمشق بعد 15 عاماً لم يحمل أغاني فقط،
بل استعاد سنوات من الغياب والاختلاف والانقسام، ووضع أمام البلاد سؤالاً مفتوحاً حول كيفية بناء حياة ثقافية تتسع لتجاربهم المتعددة، وتحفظ في الوقت ذاته ذاكرة من دفعوا أثمان السنوات الماضية.
عدنان علي