عزوف المانحين وأزمة التمويل الإنساني في اليمن
تعد الأزمة الإنسانية في اليمن إحدى أشد الأزمات بروزا على مستوى العالم. فمع طول سنوات الصراع بين سلطة عدن وسلطة صنعاء،
تحول اليمن من ساحة استجابة إنسانية عاجلة تُحظى باهتمام وتضامن دوليين واسعين، إلى ملف يعاني من "إرهاق المانحين" والجمود السياسي.
فمنذ بداية الحرب، كان مسار التمويل الإنساني يتصاعد باستمرار حتى وصل إلى مرحلة الانكماش الحاد، بسبب الإجراءات والسياسات التي اتبعها طرفا الصراع وأدت إلى تقليص وتوقف عمل العديد من المنظمات الدولية وتراجع الدعم المالي من الجهات المانحة.
الدعم الدولي خلال 2015 - 2020
شهدت الأعوام الأولى للحرب تدفقاً مالياً وتجاوباً دولياً كبيراً مع خطط الاستجابة الإنسانية التي أطلقتها الأمم المتحدة، وبلغت ذروة التمويل المالي في عام (2018–2019)،
حيث وصلت التعهّدات والتمويلات الفعلية لمساعدة اليمن مستويات قياسية في ميزانية خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2019 نحو 4.2 مليار دولار أمريكي، وتجاوزت نسبة التغطية المالية آنذاك 80% من إجمالي الاحتياجات المحددة.
وأتسمت تلك المرحلة بتنوّع ودعم كبار المانحين، وتصدرت دول الخليج العربي، إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، قائمة المانحين الأكثر دعما لتوفير السلال الغذائية والرعاية الصحية والمساعدات النقدية.
كما شهدت المرحلة التوسع الميداني في برامج وأنشطة المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة (مثل برنامج الأغذية العالمي، اليونيسيف، ومنظمة الصحة العالمية وغيرها والمنظمات الدولية غير الحكومية في مختلف المحافظات،
مما ساهم في تفادي وقوع مجاعة شاملة وتوفير شبكة أمان اجتماعي طارئة. وتنوعت تدخلات المنظمات في برامج عديدة شملت الأمن الغذائي، والتعليم والصحة والمياه والإيواء وغيرها.
الإنكماش الحاد
بدأ منحنى التمويل بالتراجع التدريجي وصولاً إلى مستويات حرجة أدت إلى فجوات تمويلية واسعة، فقد اتخفضت نسبة تمويل خطط الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة في السنوات الأخيرة إلى ما دون 20% -30 % من الاحتياجات المطلوبة،
ففي عام 2026 قُدر حجم التمويل المطلوب لخطة الاستجابة الإنسانية 2.16 مليار دولار أمريكي، بينما بلغ إجمالي التمويل الملتزم به لصالح الخطة نحو 433.5 مليون دولار أمريكي، وبنسبة تغطية لم تتجاوز نحو 20% فقط من إجمالي الاحتياجات المحددة،
مما أجبر برنامج الأغذية العالمي والوكالات الأخرى على خفض الحصص الغذائية وتعليق العديد من برامج المساعدات النقدية والحماية.
كما أدى اندلاع أزمات إقليمية ودولية متلاحقة (مثل الحرب في أوكرانيا، حرب غزة، والأزمة في السودان) إلى إعادة توجيه الميزانيات والمساعدات الإنسانية الدولية نحو تلك المناطق، مما أضعف التغطية الإعلامية والاهتمام السياسي بالملف اليمني.
إضافة إلى بروز ما يسمى "إرهاق المانحين" والمطالبة بالتحول نحو التنمية المستدامة، حيث عبرت دول عدة عن تحول موقفها وعدم الاستمرار في الدعم الإغاثي المباشر دون تحقيق تقدم سياسي يحقق الاستقرار،
مع التأكيد على مطالبة طرفي الصراع بتحمل مسؤولياتهما التنموية والاقتصادية.
تصرفات أطراف الصراع
شكلت ممارسات وسلوكيات طرفي الصراع سبباً رئيساً في تأكل ثقة مجتمع المانحين ودفع العديد من المنظمات إلى تقليص أعمالها أو إغلاق مكاتبها، وتشير تقارير الأمم المتحدة أنه بالنسبة لسلطة عدن،
وعلى الرغم من انخراطها مع المجتمع الدولي، إلا أن هناك إجراءات وسياسات ساهمت في تعقيد البيئة التشغيلية للمساعدات الإنسانية، تشمل:
- تعدد الجهات المشرفة والمتدخلة في إجراءات تصاريح المرور والتنقل بين المحافظات الجنوبية والشرقية، وأيضا، الاضطرابات الأمنية وغياب الاستقرار المؤسسي الموحد في بعض المناطق الواقعة تحت نفوذها.
- إصرار البنك المركزي، عدن، على نقل العمليات المصرفية الخاصة بالمنظمات إلى عدن وتحديد آليات التحويلات المالية، مما أوجد ازدواجية معقدة ومخاطر امتثال مالية للمؤسسات الإغاثية.
- ضعف قدرة الحكومة على التكفل بتقديم الخدمات الأساسية الاجتماعية، مما زاد العبء كلياً على المنظمات بدون توفير شريك حكومي قوي وشفاف.
كما تبين تقارير الأمم المتحدة بالنسبة لسلطة صنعاء، أن القيود والإجراءات المفروضة في مناطق سيطرتها تعد العامل الأكثر تأثيراً في قرار المانحين بوقف أو تقليص التمويل، وتتمثل أبرز هذه القيود في:
- فرض الاشتراطات الصارمة والموافقات المسبقة عبر الجهات المسؤولة عن إدارة المساعدات، وإعاقة تنفيذ مسوح تقييم الاحتياجات وتحديد قوائم المستفيدين.
- فرض قيود مشددة على حرية تنقل الموظفين المحليين والدوليين العاملين في المجال الإنساني، مما أعاق الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.
- حملات الاعتقال واقتحام المكاتب، مما أدى إلى إعلان منظمات ووكالات دولية تعليق أنشطتها وإغلاق مكاتبها في صنعاء والإنتقال إلى عدن،
- هناك إدعاءات متكررة من المنظمات والمانحين بتسريب المساعدات، أو محاولة التأثير على آليات التوزيع، مما أثر سلباً على المبادئ الإنسانية (الاستقلالية والحياد).
التداعيات الإنسانية
أسفر تراجع التمويل وإغلاق مكاتب المنظمات عن تداعيات كارثية، فقد ارتفعت معدلات انعدام الأمن الغذائي الحاد وسوء التغذية بين الأطفال والأمهات،
فهناك نحو 12 مليون شخص من الفئات الأشد ضعفاً (من أصل 22.3 مليون يمني بحاجة للمساعدة والحماية)، وانهارت العديد من خدمات الرعاية الصحية الأولية ومشاريع توفير الماء النظيف والصالح للشرب في مناطق متعددة.
كما تفاقمت أعباء الفقر على الأسر التي كانت تعتمد كلياً على التحويلات النقدية والسلال الغذائية. إضافة إلى تراجع المساعدات النقدية والمأوى،
حيث يواجه نحو 5.2 مليون من النازحين واللاجئين انقطاع التحويلات النقدية متعددة الأغراض وتوقف صيانة وتأهيل الخيام والملاجئ المتهالكة.
فضلا عن فقدان سُبل المعيشة والوظائف المحلية، فقد أدى إغلاق المنظمات الدولية والمحلية إلى فقدان آلاف العاملين والمهندسين والمتخصصين اليمنيين لوظائفهم، مما زاد من الضغوط المعيشية على تلك الفئات وأسرهم.
نفاد لقاحات الأطفال
يشكل نفاد اللقاحات الروتينية للأطفال وإصابة سلاسل الإمداد الدوائي بالشلل، أحد أخطر مظاهر وانعكاسات الانكماش الحاد في التمويل الإنساني والنزاع المستمر بين أطراف الصراع.
وقد لعبت منظمة اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية لعقود دور الشريان الحيوي الشبه الوحيد في تأمين وتغطية البرنامج الوطني للمناعة وتوفير اللقاحات الأساسية للأطفال دون سن الخامسة (مثل لقاحات الشلل، الحصبة، الدفتيريا، السعال الديكي، والسل).
إن أزمة نفاد وتوقف اللقاحات الصحية للأطفال لم تعد مجرد مشكلة نقص في الإمدادات، بل أصبحت أزمة حماية وصحة عامة مركّبة ناتجة عن تقاطع انكماش التمويل الدولي الإنساني مع القيود والسياسات المفروضة على الأرض من قبل أطراف الصراع،
مما يضع جيلاً كاملاً من أطفال اليمن أمام مخاطر صحية دائمة وإعاقات كان يمكن تجنبها بجرعات تلقيح بسيطة.
وخلاصة الأمر، فإن استعادة ثقة المانحين، يتطلب من طرفي الصراع في عدن وصنعاء توفير مساحة عمل آمنة ومستقلة وإيقاف كافة الممارسات والقيود المفروضة على كوادر المنظمات. واحترام المبادئ الإنسانية في توزيع المساعدات،
ولا يتأتى ذلك إلا برفع يد كافة أطراف الصراع عن تحديد المستفيدين أو التدخل في المشاريع الإغاثية.
إضافة إلى تعزيز آليات المساءلة والرقابة الشفافة والمباشرة لإثبات وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين، والربط بين الإغاثة والتنمية من خلال دعم البنية التحتية والمشاريع التنموية طويلة الأجل لتقليل الاعتماد المباشر على السلال الغذائية الطارئة.
أ.د. مطهر عبدالعزيز العباسي
أستاذ اقتصاد في جامعة صنعاء