أقنعة الحرب
يبدو أن الحروب تظل تطارد البشر حتى بعد مرور سنوات على انتهائها. هذا ما طرأ على ذهني، فيما أقرأ خبر إجلاء آلاف الأشخاص من مدينة درسدن الألمانية قبل أيام،
بعد اكتشاف قنبلة بريطانية من بقايا الحرب العالمية الثانية، تزن 250 كيلو غراما، أثناء العمل على إعادة بناء جسر كارولا على نهر إلبه.
نجح خبراء تفكيك المتفجرات في إبطال القنبلة، وعادت الحياة إلى طبيعتها في درسدن حتى إشعار آخر، فهذه المدينة التي دُمرت تماما في فبراير/شباط 1945 يتكرر اكتشاف قنابل فيها من وقتٍ إلى آخر،
ففي الموقع نفسه تقريبا عُثِر على قنابل في يناير/كانون الثاني 2025 وأغسطس/آب 2025.
ولمدينة كولونيا نصيبها من المتفجرات الغافية أيضا، إذ أُجلي أكثر من عشرين ألف شخص منها في يونيو/حزيران 2025 بعد العثور على ثلاث قنابل أمريكية لم تنفجر من الحرب العالمية الثانية.
مثل هذه الوقائع المتكررة بعد عقود على انتهاء الحرب، تدلنا على أن الحروب لا تنتهي بانتهاء القتال، بل تظل حاضرة ومتغلغلة في بنية الأماكن،
على نحو ما نجد في كتابات الكاتب الألماني ف. ج. زيبالد، الذي نستشعر فيما نقرأ أعماله، أن الحرب العالمية الثانية لم تنته بعد، بل بقيت في الوجدان الجمعي،
وفي ذاكرة مَن شاركوا فيها ومَن نجوا منها ظاهريا، لكن هجرتهم الطمأنينة بعدها، فانتهى بهم الأمر إلى الانتحار أو الجنون.
لم يشهد زيبالد مجريات الحرب، إذ وُلِد قبل نهايتها بعام واحد، غير أنه نشأ محاطا بآثارها ممثلة في أطلال وخرائب مدن كانت عامرة قبلها.
ولأن والده كان جنديا نازيا، لم يبرأ هو قط من شعور راسخ بالذنب، كأنه مسؤول بالوراثة عن أهوال احتلت وعيه ولوَّنت رؤيته للعالم، إذ يخيم طيف الحرب على عوالمه الإبداعية ويحدد مصائر شخصياته،
فنرى بينهم مَن يبصر الخراب أينما ولى وجهه، وعادة ما ترتبط كلمة «مدينة» في وعي شخصياته بأكوام من الركام، وجدران محترقة وفجوات تنوب عن نوافذ كانت موجودة يوما،
فقد برع صاحب «أوسترليتز» في رصد جماليات الخراب والدمار، والتقطت عيناه الفضاءات والمنشآت المهجورة، ورأى حتى في أكثر التفاصيل عادية كوارث وشيكة الحلول. هذا الأثر المقيم للحروب، الملموس في أعمال زيبالد، جزء من تحول أوسع طرأ على نظرة الأدب للحرب عبر الزمن،
ففي الملاحم والقصائد القديمة تجلت باعتبارها ميدان البطولة ومعيار الشرف، حيث كانت ساحة للأبطال الفرديين القادرين على اجتراح المستحيل والمستحقين، أن تُدوَّن بطولاتهم وتُخلَّد. ثم قطعت البشرية أشواطًا هائلة تحول فيها الجنود إلى تروس في آلة عملاقة، وتضاءلت أدوارهم مع تطور أسلحة الدمار،
فصُوِّرت ساحات القتال في الروايات الحديثة كفضاءات للموت، وانتشرت أعمال أدبية مناهضة للحرب وفاضحة لآثارها المدمرة على المجتمعات والشعوب.
لكن الأدب العظيم لا يتوقف عند التنديد والشجب والمناهضة، بل يتعدى ذلك إلى التشريح والتحليل، ووضع كل ما يتصدى له تحت مجهر يعري تناقضاته ويبرز المضمر بين ثناياه، فيستحضر المسكوت عنه ويمنح صوتا لمن غُيِّبت أصواتهم، سواء تمثَّل هؤلاء في مدنيين قُتلوا تحت الأنقاض، أو دهستهم المدرعات، أو في جنود استحالوا ضحايا بدورهم.
ولعل مِن أشهر الروايات التي صورت الجنود كضحايا بعيدين كل البعد عن أبطال الملاحم القديمة، رواية الكاتب الألماني إريش ماريا ريمارك «لا جديد على الجبهة الغربية»، فأبطالها جنود صغار لا يسيرون على دروب المجد، بل يكتشفون عجزهم وجبنهم وتحولهم إلى قتلة في عتمة خنادق تُقصَف بلا رحمة،
فيما يحدسون بأن أعداءهم قد يكونون مثلهم مراهقين غادروا مقاعد الدراسة الثانوية، لتوّهم، كي يغدوا وقود حرب انخرطوا فيها مؤمنين بأنهم على الجانب الخيِّر منها، قبل إدراك أن لا منتصر حقيقيا في حرب مماثلة ولا خير يُرجَى من ورائها.
في روايته هذه يرثي ريمارك جيلا كاملا سيق للتورط في الحرب العالمية الأولى، ويعبر ببراعة عن الشيخوخة التي أنشبت مخالبها في أرواح أفراده.
ولأن للأدب، شأنه شأن الحرب، وجوها عديدة، لم يُختزَل الجنود في دور الضحايا التراجيديين، فظهرت روايات واجهت الحرب بالسخرية، وكشفت عبثيتها وأبرزت جانبها الهزلي.
وإحدى أهم هذه الروايات رواية «الجندي الطيب شفيك وما جرى له في الحرب العالمية» للروائي التشيكي ياروسلاف هاشيك الذي سخر من الحرب ومن الطبقية المستشرية والخطابة الفارغة والشعارات الرنانة وبيروقراطية الإمبراطورية النمساوية المجرية، عبر بطل يُضمِر حكمة متوارية خلف واجهة الحماقة، وينجو من مأزق عبثي ليقع في آخر أشد عبثية.
وقد توقف ميلان كونديرا، في كتابه «فن الرواية»، أمام «الجندي الطيب شفيك» متسائلا: ما الذي وقع للحرب وأهوالها كي تصبح موضوعًا للضحك؟
وخلص إلى أن الحرب عند هوميروس وتولستوي كان لها معنى معقول أما شفيك ورفاقه فيتوجهون إلى الجبهة، من دون معرفة الدافع لذلك، والصادم أنهم لا يولون الأمر اهتماما.
وإذا كان ياروسلاف هاشيك قد أُسِر من جانب الروس خلال الحرب العالمية الأولى،
فالروائي الأمريكي كورت فونيجوت أسره الألمان خلال الحرب العالمية الثانية في مدينة درسدن، وشهد على تسويتها بالأرض في جريمة حرب اعتبرها أفظع من ضرب هيروشيما بالقنبلة الذرية.
نجا فونيجوت لأنه كان محتجزا تحت الأرض، لكن تدمير درسدن رافقه لسنوات ودفعه إلى كتابة روايته «المسلخ رقم 5» المنشورة عام 1969،
وفيها يمزج الحقائق بالخيال العلمي والكوميديا السوداء بالتراجيديا، وينحاز إلى الضمير الإنساني بعيدا عن الانتماءات الهوياتية الضيقة. ومثل هاشيك وفونيجوت، شارك الروائي الأمريكي جوزيف هيلر في الحرب بدوره،
ونجح في إبراز جانبها الهزلي في روايته «الخدعة 22» المنشورة عام 1961، والتي عرى فيها آلة الحرب من داخلها عبر شخصيات مفرطة، في حماقة تضمر الحكمة أحيانا وتخاصمها في أحيان أخرى،
وعلى رأسها بطل الرواية يوساريان الذي أصبح من الرموز الثقافية للحركة المناهضة لحرب فيتنام، لأنه قاوم عنف الحرب على طريقته، وتمكن رغم هزليته من التفرقة بين التضحية بالنفس فداءً للوطن، والتضحية بها لمصلحة نخبة حاكمة.
وعن تجربة قراءة روايتَي «المسلخ رقم 5» و»الخدعة 22» في عام واحد وهو في الخامسة والعشرين، كتب سلمان رشدي أنه لم يكن قد خطر بباله حتى ذلك الوقت أن الروايات المناهضة للحرب يمكنها أن تكون فكاهية، من دون أن تفقد جديتها.
لكنه يميز بين الروايتين، فـ»الخدعة 22» فكاهية فكاهة تهريجية، ترى الحرب مجنونة وتعتبر الرغبة في الفرار من المعركة حالة التعقل الوحيدة.
أما «المسلخ رقم 5» فمختلفة، إذ تحفل بالكوميديا، ككل كتابات فونيجوت، لكنها لا ترى الحرب هزلية، بقدر ما تراها مأساة رهيبة، لدرجة أنه لا يمكن النظر في عينيها، إلا عبر قناع الكوميديا.
يصف رشدي فونيجوت بأنه كوميديان حزين الوجه. ومن وجهة نظره يشبه جوزيف هيلر شارلي شابلن، أما كورت فونيجوت فيشبه باستر كيتون، فنبرته تغلب عليها الكآبة، كما يليق برجل شهد الهول العظيم، ثم نجا ليحكي حكايته.
في النهاية، فإن ما يلفت النظر حقا، أن ثلاثة مِن أهم مَن سخروا من الحروب وفضحوا جنونها ولا معقوليتها في أعمالهم، خاضوا غمارها واكتووا بنارها في الواقع. وهو ما يدفع للتساؤل: هل نحن في حاجة لاختبار الحرب كي ندرك آثامها وحماقتها؟
منصورة عز الدين
كاتبة مصرية