هدف يسعى هانس غروندبرغ إلى تحقيقه في اليمن
أعتقد أن الخطورة في النزاعات المعقدة لا تكمن في ضجيج السلاح وحده، بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريف الصراع في الخطاب الدولي،
فحين يختزل انقلاب مسلح على الدولة إلى مجرد "تباين بين أطراف"، يتبدل موقع الحقيقة من كونه أساساً للحل إلى كونه تفصيلاً قابلاً للتأجيل.
وعليه، تبرز هنا إشكالية الإحاطات الأممية في شأن اليمن، هل نحن أمام توصيف موضوعي لأزمة ممتدة؟ أم أمام حياد إجرائي يساوي بين الدولة ومن انقلب عليها؟
هذا السؤال في تصوري لا يتصل بشخص بعينه بقدر ما يمس جوهر العملية السياسية ذاتها، ويضعنا أمام ضرورة إعادة التفكير في معنى الوساطة، وحدود الحياد، وشروط الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة.
دعوني أدخل في صلب الموضوع مباشرة وأقول: في إحاطته الأخيرة إلى مجلس الأمن خلال الـ12 من فبراير (شباط) 2026، قدم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ، صورة باتت مألوفة عن بلد مغلوب على أمره، أنهكته النزاعات حتى غدت جزءاً من يومياته،
تحدث الرجل عن تفاقم الصراعات بوصفه نتيجة طبيعية لأعوام من تآكل المؤسسات وتفكك السلطة وانحسار القواعد المتوقعة التي تنظم حياة الناس.
في محصلته العامة، يصعب إنكار وجاهة هذا التشخيص، فاليمنيون عاشوا بالفعل زمناً طويلاً في فضاء من عدم اليقين، إذ لم تعد الدولة إطاراً ضابطاً بل احتمالاً مؤجلاً.
بيد أن الإشكال في اعتقادي لا يكمن في توصيف الأعراض، بل في مقاربة الأسباب، فالصورة التي دأب غروندبرغ على تقديمها في إحاطاته المتعاقبة تظهر النزاع بوصفه حالة سيولة لزجة ممتدة بين "أطراف" متكافئة في المسؤولية والشرعية،
من دون تفكيك دقيق للفارق الجوهري بين سلطة شرعية معترف بها دولياً وميليشيات مسلحة انقلبت على الدولة بقوة السلاح في الـ21 من سبتمبر (أيلول) 2014، هنا تحديداً، تبدأ المسافة بين التحليل الواقعي والتحييد المربك.
لاحظوا معي من فضلكم وتأملوا: اعتاد الخطاب الأممي في صيغته الحالية، أن يتحدث عن "أطراف الصراع" كما لو أن الأمر يتعلق بتنازع سياسي تقليدي، لا بانقلاب عسكري مكتمل الأركان أطاح بمؤسسات الدولة وأدخل البلاد في طور من الاضطراب البنيوي.
هذا التماثل اللغوي، وإن بدا في تصوري منسجماً مع تقاليد الوساطة، ينتج أثراً معاكساً حين يسقط الفارق بين من يملك شرعية قانونية معترفاً بها إقليمياً ودولياً، وبين من أسس سلطته على الغلبة المسلحة خارج إطار الدولة.
في إحاطته الأخيرة، توجه غروندبرغ بقدر كبير من النصح والتقييم إلى ما يجري في مناطق الحكومة الشرعية، متحدثاً عن أهمية تحسين الخدمات، وتعزيز الاستقرار، وحماية المؤسسات من التسييس، وصون حرية الصحافة.
وأشار إلى لقائه في الرياض برئيس الوزراء المعين حديثاً شائع محسن وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، مثنياً على مؤشرات إيجابية كتحسن الكهرباء وصرف الرواتب،
لكنه حذر خلال الوقت نفسه من هشاشة الوضع ومن خطر تراجع المكاسب في حال تعثرت الإصلاحات أو تصاعدت التوترات.
في ذاته، لا غبار على الدعوة إلى الإصلاح وترسيخ الحكم الرشيد، غير أن الملاحظة الجوهرية، في مقالتي التحليلية هذه، تكمن في غياب خطاب مماثل، بالحدة نفسها والوضوح ذاته، تجاه المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات الحوثية، وهي مناطق تضم الكتلة السكانية الأكبر،
فلا حديث مكافئ عن طبيعة البنية السلطوية الباطشة هناك، ولا عن غياب المساءلة، ولا عن انتهاكات منهجية قامعة لحرية التعبير، ولا عن اقتصاد حرب مواز،
هذا الاختلال الواضح في زاوية النظر يثير، على نحو منطقي، تساؤلاً مشروعاً: هل يمارس الحياد هنا بوصفه مبدأً، أم يستخدم بوصفه قناعاً؟
أتصور أن الحياد في الفلسفة السياسية ليس قيمة مطلقة، بل أداة إجرائية تستخدم لضمان عدالة المسار، لكنه يفقد معناه حين يتجاهل البنية الأصلية للصراع،
فحين يكون أصل النزاع فعلاً انقلابياً مسلحاً أطاح بالدولة، فإن القفز فوق هذه الحقيقة تحت عنوان "التوازن" لا ينتج تسوية، بل يعيد في اعتقادي تعريف المشكلة بطريقة تفرغها من مضمونها.
بعبارة أخرى أدق وأوضح، لا يمكن لوسيط أن يكون فاعلاً إذا تعامل مع النتائج من دون تسمية السبب الأول.
من هذا المنطلق، كنت قد تساءلت خلال الـ17 من يونيو (حزيران) 2024 عبر حسابي على منصة "إكس" عما إذا كان عدم حياد المبعوث يمكن أن يسهم في الوصول إلى حل سياسي شامل وعادل ومستدام،
لم يكن السؤال، وقتذاك، إنكاراً لدور الوساطة، بل استفهاماً عن شروط نجاحها، كيف يمكن لوسيط أن يقود عملية سلام من دون أن يضع يده بوضوح على اللحظة التأسيسية للصراع، وعلى الفعل الذي أطلق سلسلة التداعيات اللاحقة؟
لقد أوضحت آنذاك أن الإصرار على صورة "الحياد المتخيل" قد يجعل من المبعوث جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل،
ففي إحاطته المؤرخة خلال الـ10 من يوليو (تموز) 2023، بدا لي أن ثمة مساواة ضمنية بين طرفي الصراع، على نحو يتعارض مع قرارات مجلس الأمن ذاتها،
وفي مقدمها قرار مجلس الأمن الدولي 2216، الذي دان الانقلاب الحوثي وطالب بالانسحاب من مؤسسات الدولة وتسليم السلاح، كيف يمكن تمثيل منظمة دولية ثم التغاضي عملياً عن مرجعيتها القانونية؟
إن ما يحدث في اليمن ليس صراعاً سياسياً عادياً بين رؤى متنافسة، بل تداعيات مباشرة لانقلاب مسلح على الدولة، وكل مقاربة لا تنطلق من هذه الحقيقة التأسيسية تظل في تصوري معلقة في الهواء،
فالتسوية العادلة، كما أرى، لا تبنى على مساواة شكلية، بل على اعتراف صريح بطبيعة الخلل، ومن دون ذلك، يصبح الحديث عن "بيئة مواتية" و"خفض التوترات" أشبه بمحاولة ترتيب النتائج قبل معالجة الجذر.
ولعل أحد أسباب استمرار هذه الصورة هو غياب رد فعل حكومي رسمي واضح وحازم إزاء الإحاطات غير المتوازنة،
فالدبلوماسية شأنها شأن السياسة، لا تعمل في فراغ، حين لا تجد السردية المقابلة من يصوغها ويدافع عنها بوضوح، تميل الرواية الأكثر حضوراً إلى التحول إلى حقيقة متداولة،
وقد واصل المبعوث، بطبيعة الحال ووفق ما هو موضح أعلاه، أداءه في السياق ذاته، ما دام لم يواجه اعتراضاً مؤسسياً يفرض إعادة النظر.
نحن الآن في أواخر الشهر الثاني من عام 2026، والصورة كما هي لم تتغير، السؤال لم يعد متعلقاً بشخص المبعوث وحده، بل بقدرة الشرعية ذاتها على إعادة تعريف موقعها في المشهد الدولي،
هل يملك رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، ومستشارو الرئيس بعددهم الذي يفوق عدد لاعبي فريق كرة قدم، الإرادة السياسية لصياغة خطاب قانوني ودبلوماسي متماسك يذكر العالم بأن أصل الأزمة انقلاب مسلح، لا خلافاً سياسياً متكافئاً؟
ولسائل أن يسأل باحثاً عن إجابة: هل هي دعوة صريحة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي لينظر في عدد مستشاريه ومدى فاعليتهم وربما تغيير عدد منهم؟
(لعله يتذكر الآن في حال قرأ هذه المقالة التحليلية كيف كان موقف معظمهم قبل وأثناء التمرد العسكري الذي قام به المجلس الانتقالي الجنوبي، وبعده).
إن تغيير الصورة لا يتم عبر التصعيد اللفظي، بل عبر بناء مقاربة مؤسسية دقيقة، تستند إلى القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وتقدم نفسها بوصفها مشروع دولة لا مجرد طرف في نزاع،
فالمعركة هنا ليست عسكرية فحسب، بل سردية أيضاً، ومن يخسر تعريف المشكلة، يخسر غالباً القدرة على توجيه حلها.
في نهاية المطاف، أرى أنه لا يمكن الوصول إلى حل سياسي شامل وعادل ومُستدام في اليمن ما لم يعترف بأن الدولة ليست طرفاً من أطراف الصراع، بل الإطار الذي يجب أن يستعاد، وأي حياد لا يميز بين الدولة والانقلاب عليها يتحول إلى حياد ضد فكرة الدولة ذاتها.
وهنا تحديداً، يكمن في اعتقادي التحدي الحقيقي أمام القيادة الشرعية، إما أن تعيد ضبط المعادلة على أساس قانوني وأخلاقي واضح، أو تظل أسيرة مقاربة تساوي بينها ومن انقلب عليها بقوة السلاح.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني