تكلفة الوطن: عندما تصبح الدروس الوطنية باهظة الثمن
مقدمة
في المشهد السياسي اليمني المعقد، تتردد عبارة النائب اليمني الحر أحمد سيف حاشد التي تحمل في طياتها الحكمة والمرارة معا: "لا يوجد طرف سياسي في اليمن يتعلم بكلفة أقل. كلهم يتعلمون بكلفة وطن".
هذه الكلمات ليست مجرد تعبير عن واقع مؤلم، بل هي تشخيص دقيق لأزمة التعلم السياسي في بلد دفع ثمن التجارب السياسية من لحمه ودمه واقتصاده ومستقبل أبنائه. ففي اليمن، لم تكن الدروس السياسية مجرد مناقشات أكاديمية أو تجارب انتخابية سلمية، بل كانت دوما مسارات معبدة بالمعاناة الوطنية.
التاريخ كمعلم قاس
عبر التاريخ اليمني الحديث، تعددت التجارب السياسية وتنوعت الأيديولوجيات، لكن القاسم المشترك كان ارتفاع فاتورة التعلم. منذ ثورة 26 سبتمبر 1962م في الشمال و14 أكتوبر 1963م في الجنوب، مرورا بحرب 1994م، وصولا إلى أحداث 2011 وما تلاها من حرب طاحنة منذ 2015 - في كل محطة من هذه المحطات، دفعت اليمن ثمنا باهظا لتجارب سياسية لم تنتج بعد ذلك الاستقرار المنشود.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تظل كلفة التعلم السياسي في اليمن بهذه الدرجة من الفداحة؟ الإجابة تكمن في عدة عوامل متشابكة، منها غياب الثقافة الديمقراطية الحقيقية التي تسمح بالتجربة والخطأ دون كوارث إنسانية، وعدم تفعيل الآليات السلمية لانتقال السلطة، والتدخلات الخارجية التي حوّلت اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
أطراف الصراع: دروس متكررة بكلفة متصاعدة
كل طرف سياسي يمني، بغض النظر عن انتمائه الأيديولوجي أو الجغرافي، له روايته وتبريراته، لكن الجميع يشتركون في شيء واحد: تعلموا دروسهم على حساب الوطن. الحوثيون الذين خاضوا حروبا متعددة منذ 2004م، تعلموا تقنيات القتال وأساليب الحكم، لكنهم تعلموا ذلك على حساب البنية التحتية التي دمرت، والأرواح التي فقدت، والاقتصاد الذي انهار.
الحكومة المعترف بها دوليا، مع شركائها في التحالف، تعلمت أيضا دروسا في التحالفات الدولية وأساليب إدارة الصراع، لكن ذلك جاء على حساب سيادة القرار الوطني واستقلاليته. المجلس الانتقالي تعلم أن صوته يمكن أن يكون مسموعا على الخريطة السياسية، لكن ذلك التعلم جاء عبر تمزق النسيج الاجتماعي ومحاولة تفكيك الوحدة التي تحققت عام 1990م.
أما الحراك السلمي والمجتمع المدني، فقد تعلم أن التغيير السلمي قد يتحول إلى مسارات عنف لا يسيطر عليها، وأن المطالب الإصلاحية يمكن أن تُختطف لتصبح ذرائع لصراعات أوسع.
ثمن الدروس: حساب الخسائر الوطنية
كلفة هذه الدروس لا تُحسب بالعملة المحلية فحسب، بل بوحدات إنسانية واجتماعية واقتصادية:
الخسائر البشرية:
وفقاً للأمم المتحدة، تسببت الحرب منذ 2015م بمقتل وجرح مئات الآلاف، وتشريد الملايين داخليا وخارجيا. كل رقم من هذه الأرقام يمثل حياة إنسان كانت ضحية لدروس يتعلمها السياسيون.
الخسائر الاقتصادية:
تدهور الريال اليمني إلى مستويات غير مسبوقة، وانكمش الاقتصاد بأكثر من 50%، وفقدت البلاد سنوات من التنمية كان يمكن أن تحقق قفزة نوعية في حياة اليمنيين.
الخسائر الاجتماعية:
تمزق النسيج الاجتماعي الذي كان يمثل نموذجا للتعايش في المنطقة، وتفكك المؤسسات التعليمية والصحية، وانتشار الأمراض والأوبئة، وتفاقم الجوع حتى وصل إلى مستويات وصفها المسؤولون الدوليون بـ"الأسوأ في العالم".
خسارة الثقة:
ربما تكون خسارة الثقة بين المواطن والسلطة، وبين مكونات المجتمع اليمني نفسها، من أعلى الكلف التي سيدفعها اليمن لسنوات قادمة، حتى بعد انتهاء الصراع العسكري.
لماذا لا نتعلم إلا بالطريقة الصعبة؟
هناك عدة أسباب تجعل الدروس السياسية في اليمن باهظة الثمن إلى هذا الحد:
أولاً: غياب المؤسساتية والقانون كمرجعية للصراع، مما يحول الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية.
ثانياً: تحول اليمن إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية، حيث تقدم الأطراف الخارجية الدعم العسكري والمالي الذي يطيل أمد الصراع ويرفع كلفته.
ثالثاً: ثقافة "الفوز الكامل" وعدم القبول بالشراكة أو الخسارة السلمية، مما يلغي إمكانية التوصل إلى حلول وسطى.
رابعاً: اقتصاد الحرب الذي يخلق مصالح فئوية تستفيد من استمرار الصراع، وتقاوم أي محاولة للسلام الحقيقي.
دروس من تاريخ الآخرين: هل هناك بديل؟
التاريخ العالمي يقدم نماذج لدول تعلمت دروسها السياسية بكلفة أقل. جنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري تعلمت دروس المصالحة عبر "لجنة الحقيقة والمصالحة" بدلا من الحروب الأهلية. دول أوروبا التي دمرت نفسها في حربين عالميتين تعلمت أخيرا أن التعاون والاندماج أفضل من الصراع.
في العالم العربي نفسه، هناك تجارب مثل تونس التي استطاعت - رغم كل الصعوبات - أن تنتقل ديمقراطيا عبر حوار وطني، رغم أن كلفة ذلك كانت عالية أيضا، لكنها تبقى أقل بكثير من كلفة الحروب الأهلية.
نحو ثقافة سياسية جديدة: كيف نقلل كلفة التعلم؟
لتحويل المسار وتخفيض كلفة الدروس السياسية المستقبلية، لا بد من:
1. بناء مؤسسات وطنية قوية ومستقلة تكون قادرة على إدارة الخلافات سياسيا وقانونيا.
2. إعادة تأهيل النظام التعليمي لتعزيز قيم الحوار والتسامح والمواطنة المتساوية.
3. تطوير آليات للعدالة الانتقالية تسمح بالمحاسبة دون انتقام، وبالمصالحة دون إفلات من العقاب.
4. إشراك الشباب والنساء في العملية السياسية، فهم غالبا الأقل تشددا والأكثر استعدادا لتبني حلول إبداعية.
5. بناء اقتصاد منتج يقلل من إغراءات اقتصاد الحرب.
6. بناء جيش وطني حر يكون صمام أمان لليمن والحفاظ على وحدته واستقلاله ويمنع تمرد أو انقلاب أي حزب أو جماعة.
الخاتمة: هل آن الأوان لتعلم دروس الماضي؟
العبارة التي بدأنا بها "كلهم يتعلمون بكلفة وطن" تحمل في طياتها دعوة ملحة للتغيير. فاليمن بلد غني بتاريخه وثقافته وموارده البشرية، لكنه ظل يرزح تحت وطأة دروس يتعلمها السياسيون على حسابه.
الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب شجاعة الاعتراف بأن الطرق القديمة في ممارسة السياسة لم تنتج إلا الدمار، وأن المستقبل يحتاج إلى نموذج جديد يكون الوطن فيه هو المستفيد الأول والأخير من أي تجربة سياسية.
الدرس الأهم الذي يجب أن يتعلمه جميع الأطراف السياسية في اليمن اليوم هو أن استمرار التعلم بالطريقة الحالية يعني دفع كلفة قد تكون هذه المرة أكبر من القدرة على التحمل. فالدروس القادمة، إذا استمرت بنفس المنطق، قد لا تترك يمناً نتعلم عليه.
الوطن ليس مختبرا للتجارب، ولا ساحة للصراعات، ولا رهينة في يد السياسيين. الوطن هو الإطار الجامع الذي يجب أن يحمي كل أبنائه، ويضمن مستقبلا تتعلم فيه الأجيال القادمة دروس السياسة في قاعات الدراسة والممارسة الديمقراطية السلمية، وليس في ساحات القتال ومخيمات النازحين.
الكلفة التي دفعها اليمن حتى الآن كافية لأن تكون آخر كلفة يدفعها هذا الشعب الصامد. فلنكن أذكياء بما فيه الكفاية لنتعلم أخيرا الدرس الأهم: أن الوطن أغلى من أي طرف، وأعلى من أي مصلحة، وأبقى من أي صراع.
أ. فؤاد محمد