علي سالم البيض وجذوة الوحدة التي انطفأت
رحل علي سالم البيض، آخر رؤساء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، المعروفة باسم اليمن الجنوبي، أحد صانعي الوحدة اليمنية، وربما صانعها الرئيسي، بفضل صدق إيمانه بفكرة الوحدة اليمنية، التي تشهد عليها تنازلاته العديدة. كان مشهد خطابه الحماسي الشهير في ميدان السبعين في صنعاء بعد إعلان الوحدة (مايو/ أيار 1990)، وهو يهتف بأن الوحدة باقية إلى الأبد، كرّرها ثلاثاً، يعبّر بقوة عن طبيعة شخصيته المندفعة والصادقة، حتى تماهى كلياً مع حماسة الجماهير وصدقها.
انقلب البيض على الوحدة التي هتف لها بحماسة، وضحّى لأجلها، وتعرض لمضايقاتٍ كثيرة بسببها، ما دفعه إلى تبنّي الانفصال سريعاً في 21 مايو/ أيار 1994. رغم هذا لا يتذكّره الكثيرون إلا مقروناً بالوحدة، متجاوزين شعوره بالخيبة، وتراجعه عن الوحدة بقية حياته. ربما كان صدقه شفيعه الدائم، وكذلك مسيرته السياسية التي تعبّر بجلاء على صعود أحلام اليمنيين ثم هبوطها. وعملياً لم يتبق من إرثه السياسي سوى الوحدة التي تبرّأ منها لاحقاً.
كانت الوحدة اليمنية فكرة جوهرية في نضالات اليمنيين، منذ بدايات القرن العشرين، وظهور فكرة تأسيس دولة قومية حديثة، مرتبطة بصعود أيديولوجيا القومية العربية. تشكّلت الوحدة في أذهان اليمنيين ضمن تصوّرات من يمكن اعتباره مؤسّس القومية اليمنية، أبي محمد الحسن الهمداني، الذي ألف كتباً مؤسّسة، مثل كتابه "صفة جزيرة العرب" الذي وثق أخبار الممالك اليمنية القديمة، ورسم حدود إقليم اليمن في القرن العاشر الميلادي.
يستند اليمنيون إلى إرث حضاري، فيه قدرٌ كبير من التداخل والمشتركات الاجتماعية والثقافية، وإن غلبت مراحل الانقسام السياسي مراحل الوحدة، لكن الوحدة، في نظر من ناضلوا لأجلها من قيادات وسياسيين يمنيين، كانت احتياجاً مستقبليّاً لاستكمال الاستقلال والتقدّم، وليس مجرّد سردية تاريخية.
كانت الوحدة مرتبطة بالأفكار التقدمية التحديثية التي تسعى إلى كسر العزلة في الشمال، وترى في الجنوب متنفّساً ضرورياً للانفتاح على العالم، بينما كان الجنوب غارقاً في الانقسام ويستعمره البريطانيون. وباستثناء عدن، كانت المحميّات تغرق في التخلف.
كانت الوحدة حينها فكرة ضرورية لوحدة الجنوب أولاً، ولمقاومة الاستعمار، استناداً إلى امتداده الحضاري والجغرافي في الشمال...
لا عجب، إذن، أن نرى صعود فكرة الانفصال مرتبطاً بالغرق في الماضي والتبعية للخارج أو العزلة، والأهم بالتشرذم الهوياتي وظهور مختلف أنواع العصبيات.
كان علي سالم البيض ابن مرحلة النضال اليمني ضد الاستعمار التي حلمت بدولة وطنية مستقلة وقوية، وكانت الوحدة في قلب كل هذه التطلّعات، كان حينها فدائيّاً ضمن الجبهة القومية التي ناضلت ضد الاستعمار،
وشغل مواقع مهمة في دولة الجنوب المستقلة، مثل تقلّده وزارة الدفاع. نجا من مذبحة الرفاق في حرب 1986، ليصعد إلى الأمانة العامة للحزب الاشتراكي (أعلى منصب سياسي في دولة الجنوب حينها).
وفي أثناء زيارة الرئيس علي عبد الله صالح لحضور احتفالات الاستقلال في الجنوب، جرى توقيع اتفاقية الوحدة اليمنية في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1989، لكي تتحد الدولتان بالفعل في 22 مايو/ أيار 1990.
بينما ذهب الرئيس صالح إلى الجنوب للتقدّم بمشروع وحدة فيدرالية أو كونفدرالية، فاجأه البيض بطلب الوحدة الاندماجية، وهذا ما جرى.
يصعب تفسير دوافع حماس البيض، هل مرتبط بمدى إيمانه بالوحدة التي لم يتصوّرها إلا مركزية اندماجية، وهذا كان شكل الدولة القوية كما افترضها سياسيو ذاك الجيل، أم هو مرتبط بمخاوفه من تجدّد الصراع الداخلي؟
لم تكن الوحدة اليمنية مجرّد ردة فعل لانهيار الاتحاد السوفييتي بحكم أن اليمن الجنوبي كان الدولة الماركسية العربية الوحيدة، بل كانت نتيجة أحلام وتضحياتٍ طويلة، وكان انهيار المعسكر الشيوعي مجرّد محفّز أخير لفكرة قديمة.
رغم هذا، تمّت الوحدة بدون ترتيبات حقيقية، لا دستور نهائياً ولا جيش موحداً، بل جرى توزيع وحدات الجيشين بين الشطرين. اعتمدت الوحدة على سردية بسيطة، تفترض بداهة الوحدة اليمنية أمراً قدرياً ليس سياسيّاً ولا يحتاج لبذل أي جهد.
الحماس الجماهيري واندفاع السياسيين، حسُنت نياتهم أم لا، أمران لا يدومان، فوقائع السياسة في بلد صعب مثل اليمن أمر مختلف.
حاول الطرفان تجاوز خلافاتهما الأيديولوجية بتبنّي الديمقراطية والتعدّدية الحزبية، لكن الإرث السلطوي لكل منهما، لم يكن بالأمر السهل تجاوزه.
بدأت خلافات شريكي الوحدة تظهر وتتصاعد. وعلى خلفية الصراع الأيديولوجي بين الإسلاميين والاشتراكيين، بدأ الحزب الاشتراكي يتعرّض لحملات تشكيك عقائدي، وجرى اغتيال عشرات من كوادره.
تعاظم الشعور لدى علي سالم البيض بالخيانة والغدر تجاه شريكه علي عبد الله صالح، الذي كانت تحرّكه رغبته، وقدرته أيضاً، لكي يزيحه من المشهد ضمن نزعة سلطوية صريحة.
استثمر صالح جيداً في انقسامات الجنوب، فهو استقبل الطرف الجنوبي المهزوم في عام 1986، وكذا نجح في توحيد صفوفه متجاوزاً الانقسامات العديدة.
بينما لم يحاول البيض استثمار الانقسامات الشمالية التي ظهرت ضمن مواقف معلنة لبعض أبرز المشايخ القبليين الشماليين، الذين كانوا أقرب له،
ولم يحاول الاستفادة من حراك الشارع في المدن الشمالية من إضراباتٍ وتظاهراتٍ كانت تستهدف صالح بدرجة أساسية، بل اتجه نظره إلى خارج اليمن، نحو السعودية التي لم تكن مرتاحة للوحدة منذ لحظة تأسيسها.
لم يكن ينقص البيض الصدق أو الإخلاص أو الحماس العاطفي الحقيقي تجاه القضايا التي يؤمن بها، لكنه افتقد دوماً الدهاء والحنكة والحذر، وأيضاً الصبر، وكلها صفات ضرورية للقيادي السياسي، خصوصاً في المنعطفات التاريخية الكبرى.
لهذا، وبالاندفاع والحماس نفسيهما اتجه البيض نحو فكرة الانفصال، وحفّزها أن شريكه صالح اختار الحرب، لكي يفرض وحدة الطرف الواحد وإزاحة شريكه.
دخلت قوات حكومة صنعاء مدينة عدن في يوم 7 يوليو/ تموز 1994، مدعومة بقوات جنوبية انهزمت عام 1986، ضمن واقعة تاريخية تجسّد كل تعقيدات اليمن وقسوته على أبنائه الحالمين.
فرض الوحدة بالقوة والتراجع عن طابعها السلمي الطوعي كان طعنة حقيقية لكل أحلام اليمنيين، أحالت فكرة الوحدة اليمنية من حلم يطمح إليه اليمنيون للتقدّم نحو المستقبل إلى مشروع سلطوي، بينما أوجدت شعوراً متعاظماً لدى الجنوبيين بأنهم لا ينتمون للدولة الجديدة،
هكذا حافظت الدولة على وحدتها سياسياً، لكن الاندماج الاجتماعي فشل كلياً، ولهذا نتائجه الخطيرة والصعبة الماثلة.
لا مبالغة في القول إن الوحدة اليمنية عام 1990 كانت أهم فرصة أضاعها اليمنيون في تاريخهم الحديث، كانت لديهم دولة تمتلك كل مقوّمات الانطلاق نحو مستقبل أفضل.
أعقب إعلانها نشاط سياسي استثنائي، منطلقه الإيمان بالمقدّرات الهائلة للفرصة العظيمة، ضمن أجواء من الحرية والحماسة الوطنية التي شهدتها البلاد، وكان من الممكن أن ينتج عنها وضع سياسي واقتصادي أفضل بكثير مما كان يعيشه الشطران، لكنها بالفعل أخفقت بسبب ضيق أفق القيادات السياسية.
لم تؤدِّ الوحدة شمالاً أو جنوباً إلى تحسين أوضاع الناس، مع فارق وقْع هذا على الجنوب تحديداً، وهذا لم يكن خطأ خيار الوحدة، بل خطأ تطبيقها الذي شابه الارتجال والحماس العاطفي،
فقد تصوّر اليمنيون أن الوحدة بديهية وهدف نهائي، وليس خياراً سياسيّاً يهدف إلى تحقيق طموحاتهم المشروعة في مستقبل أفضل، لأنها المسار السياسي الذي ينجح في تحشيد كل قدرات اليمن وإمكاناته بلداً وشعباً.
يرحل علي سالم البيض مذكّراً كثيرين ممن عاشوا اللحظة بمدى صدق (وقوة) الحماس الجماهيري المتطلع إلى المستقبل لحظة إعلان الوحدة، بشكلٍ لا مثيل له في تاريخ اليمنيين.
كما يؤكد أن الحماس لم يكن ينقص اليمنيين يوماً، حتى عندما يتّجه بعضهم إلى الانفصال خياراً سياسيّاً الآن، لكن اليمنيين ينقصهم دوماً الكثير من الواقعية التي تتطلّب قراءة تاريخهم من دون العيش في أسْر سرديات رومانسية أو صراعية قطعية،
وينظرون إلى متطلبات واقعهم الصعب الذي يحتاج إدارة ذكية لتنوعهم واحتياجاتهم الاقتصادية والتنموية والسياسية، لكي يتمكّنوا من التطلّع إلى مستقبلهم المشرق والممكن جداً، لو توفرت قيادة سياسية واعية تجرّدت من ثارات الماضي،
ولم تنفصل عن معطيات الواقع المعقّدة، واضعة المستقبل صوب عينيها.
ميساء شجاع الدين
كاتبة يمنية