المجلس الرئاسي اليمني وإشكالية التمثيل
في مساره السياسي المضطرب، واجه المجلس الرئاسي ، وعلى مدى تأسيسه، جُملة من الارتدادات غيّرت طبيعة التمثيل في بُنيته الهرمية.
وفي هذا السياق، تفتح التحولات العسكرية التي شهدتها اليمن أخيراً التكهنات حيال الصيغة المستقبلية للمجلس الرئاسي، إذ تهيئ التحوّلات الجذرية الحالية الظروف لفرص هيكلة السلطة ضرورة مُلحّة لمعالجة جزء من مكامن فشلها المُزمن.
بوصفها تداعيات باتت نمطية مسّت تعيينات السلطة، تعرّض المجلس الرئاسي لتصدّعات مُتعاقبة ناشئة عن دورات الإزاحة العسكرية البينية، وكذلك مفاعيل الصراع مع جماعة الحوثي،
وفي حين استندت مبادئ تأسيس المجلس من منطلق أنه سلطة تحالفية شكلها الرُّعاة على مبدئية تثبيت التمثيل السياسي، لا على أساس تحالفي، وإنما استيعابي للكتل المستبعدة من أطر الشرعية التقليدية، وبشكل مركزي أطياف ، من المجلس الانتقالي الجنوبي والسلفية الجنوبية المُقاتلة إلى المؤتمر الشعبي العام،
مقابل ضم حزب التجمع اليمني للإصلاح والمكونات القبلية في مأرب لترويكا السلطة، بحيث أدّى هذا إلى تأطيرها بقواعد تمثيل التكتلات المشروط بتعيين نواب للرئيس من قياداتها باعتبارهم ممثلين في المقام الأول،
وإذا كانت نتائج معركة حضرموت مطلع العام الحالي، شكّلت أول تحوّل بنيوي مسّ صيغة السلطة الهرمية، وذلك بعد إزاحة "الانتقالي" من المجلس الرئاسي، بوصفه تكتلاً يمثل جنوب اليمن، فإن طبيعة السلطة ظلت على حالها، من حيث تسوية مسألة التمثيل، أي تصعيد نواب من دائرة الطرف الذي جرت إزاحته،
مقابل تركز السلطة بيد رئيس المجلس، بموازاة بروز تمفصل لافت مسّ منظومة السلطة، تمثل بانفكاك جزئي للحكومة المعترف بها دولياً عن السلطة الهرمية ساهم بتمايز دورها،
إلا أن تحولات المشهد العسكري الحالي أوجدت واقعاً جديداً، يتجاوز تفتيت كتلة عسكرية مهمّة كانت متضمنة في المجلس الرئاسي إلى تقويض مبدأ التكتلات السياسية- العسكرية، وتلاشي دورها الوظيفي الذي ضمن لها استحقاقات التمثيل وامتيازات الهيمنة، فضلاً عن تشذّر البيئة السياسية بأطيافها وزعاماتها.
من نواحٍ عديدة، شكلت أحداث سبتمبر الماضي، أي ما سمّيت "معركة الساحل الغربي" نقطة تحوّل جوهرية تتعدّى أبعاد الصراع مع جماعة الحوثي إلى مجال تعيينات سلطة المجلس الرئاسي وتمثيلاتها،
فباعتبار أن التشظّي السلطوي يستلزم تقييم الأحداث من حيث انعكاسها على الفاعلين المحليين وأطر السلطة،
ففي هذا السياق، مثلت هزيمة التشكيلات العسكرية التي يقودها العميد طارق عبد الله صالح، الجناح العسكري للمؤتمر الشعبي العام في معركة حاسمة مع جماعة الحوثي انتفاء للشرط الأخير للصيغة التي تأسّس بموجبها المجلس الرئاسي
من جهة أخرى، كون هذه التداعيات مست أهم كتلة شمالية صعدتها الحرب، إذ شكل الجناح العسكري للمؤتمر بقيادة العميد طارق كتلة صلبة في بنية المجلس الرئاسي، جذّره ثقل المؤتمر السياسي والمجتمعي، بما في ذلك إرث الزعيم المؤسس، الرئيس علي عبد الله صالح، إلى جانب طبيعة كتلته العسكرية من حيث تعدّد تشكيلاتها وقوامها البشري وترسانتها الضخمة،
وكذلك مأسسة سلطة نفوذ استراتيجية في الساحل الغربي، بيد أن أحداث سبتمبر الماضي شكّلت قلباً رأسياً لهذا الواقع.
وإذا كانت النتيجة الأولى تمثلت بسيطرة الجماعة على مساحاتٍ شاسعة في غرب اليمن، مقابل تضاؤل خريطة سيطرة المجلس الرئاسي، فضلاً عن انكشاف معاقلها التقليدية من مدينة تعز إلى العاصمة المؤقتة عدن ووضعها تحت الضغط العسكري للجماعة، فإن ارتدادات معركة الساحل كانت أكثر كلفةً على المؤتمر،
فإلى جانب فقدان منطقة نفوذه الوحيدة، بما يتضمّنه هذا حرمانها من موارد أساسية متنوعة، شكلت رئة اقتصادية لتعضيد سلطة المؤتمر سياسياً ومجتمعياً، يعني تقويض كتلته العسكرية، على اختلاف ألويتها، افتقار "المؤتمر" إلى ذراعه العسكري.
وفي موازاة هذا، فإنه وبتقويض هذه الكتلة تنتفي شروط استمراريته (طارق) نائباً في المجلس الرئاسي، وممثلاً لـ"المؤتمر".
ومع صعوبة الجزم بترابط مصير الزعامات ومكوناتهم بما تستتبعه حدود العلائقية وتداعياتها المختلفة، الأكيد أن "المؤتمر" تعرّض لخسارة فادحة لم يفق منها بعد، وبالطبع طارق صالح.
وإذا كان انتقاء التمثيل مشروطاً، بتقديرات الرعاة، وموثوقية الولاء، فإنه ومع استبعاد مسألة عودة الإمارات إلى الساحة اليمنية، بيد أنه وفي حال عودتها قد تُضمن وكيلها الجنوبي، أي المجلس الانتقالي في أي تفاهماتٍ مع السعودية، من منطلق أولوية جنوب اليمن في حساباتها السياسية مقارنة بالتمسك بزعيم شمالي مهزوم، خاصة مع حضور أجنحة المؤتمر الأخرى في أطر سلطة المجلس الرئاسي، ما يجعل المراهنة على جواد خاسر قضية خاسرة أيضاً.
عسكرياً أيضاً، شكل الواقع الميداني لحظة اختبار مفصلية لمبدأ التكتلات السياسية- العسكرية التي تُدار وفقها سلطة المجلس الرئاسي، ومع كونه نتاجاً طبيعياً لقواعد التمثيل، بما يشمله من ترسيم المحاصصة السياسية من أعلى إلى أسفل، أي من السلطة الهرمية إلى مستوياتها المختلفة، فإن استثمار الثقل السياسي، وبالطبع النفوذ الجغرافي لترسيم معادلة القوة، يختلف عن خوض معركة مفتوحة مع جماعة الحوثي،
فإذا كانت الاستراتيجية العسكرية التقليدية للمجلس الرئاسي تتركّز على تجزئة جبهات المواجهة، أي قيام كل تكتل سياسي- عسكري بصد اختراقاتها في المناطق التي تخضع لها،
فإن انتقال الحرب إلى مستوى شمولي شكّل لحظة انكشافٍ لهذه المكوّنات، من حيث أدواتها في التعاطي مع الوضع العسكري، وكذلك جدارتها العسكرية،
فإلى جانب دورها المحوري في تفتيت الجبهات وتقويض أي إطار عسكري موحّد يدير العمليات القتالية ضد الجماعة، لم تكن النتيجة فقط هزيمة لمكوّن سياسي يتحمّل مسؤولية الفشل وتبعاته، بل فرض نمطٍ قتاليٍّ من مواجهات دورية، وانسحابات وتقدّمات، أي غياب ضبط لبلورة رؤية استراتيجية شاملة حتى في حدها الأدنى،
فضلاً عن توليد واقع استنزافي يتمثل بالضغط على جبهات وتوقف جبهات أخرى، ما يعني مضاعفة الكلفة البشرية، إذ أثبتت مسارات المعارك ضعف هذه التكتلات وإخفاقها في إدارة الحرب ضد الجماعة، وأنها عملياً مجرّد قوى نفوذ وجباية لا أكثر،
إذ تتنوّع اختلالاتها من المستوى البنيوي إلى الوظيفي، من إدارة العمليات العسكرية إلى الجاهزية وتعبئة الموارد. فضلاً، وهو الأخطر، عن أن إدارة الحرب وفق خطاب سياسي حزبي يستعدي الشركاء، ويشكك في النيات،
ومن ثم يولّد توتّرات بينية تصبّ في صالح الجماعة، وربما تمثل الحرب في مدينة تعز مثالاً نموذجياً لهذه التبعات،
فمع تأكيد تضافرية المقاومة المدنية مع التنظيمات القتالية بهدف صدّ تقدمات الجماعة وتأمين المدينة، فإن نتائج عقد من تسييس المؤسّسية العسكرية التي تشكلت في الحرب وتفريغها من حزب الإصلاح تتبدّى نتائجها الآن،
فإذا تجاوزنا تسليم اللواء الرابع (أبو بكر الجبولي)، الموالي للإصلاح لمناطق الحجرية للجماعة وما ترتب عليه من تشديد ضغطها على المدخل الغربي لتعز، فإن هذا اللواء الذي لم يتعرض للمساءلة بعد، بدأ عملياً بانسحاباتٍ مفاجئةٍ من مواقع استراتيجية في منطقة طور الباحة بالتماسّ مع مدينة لحج،
فضلاً عن استمرار إدارة الإصلاح للمعارك بمنطق حزبي وتجريم شركائه، وهو ما يقوّض أسس بلورة معركة وطنية،
كما أن تصدر مكون سياسي في هذه المعركة قد يجعله في مواجهة ضغوط الجماعة بدفعه إلى المساومة، أو تحميله مسؤولية الهزائم العسكرية.
وفي سياق آخر، أثبتت المعارك في جبهات أخرى مفاعيل القوة السلفية المقاتلة، بيد أن محاولة تحييدها أو استثمارها كحالة السلفية الجنوبية يدفع بكارثة عسكرية لا يمكن التكهّن بها، ومن ثم تؤكد هذه المعطيات استمرار فشل التكتلات السياسية-العسكرية في إدارة الحرب، ليس جرّاء قصورها الذاتي فقط،
بل أيضاً لأن أسطورة قوتها وثقلها التي تسند استحقاقات تمثيلها في الرئاسي وهيمنتها وامتيازاتها قد تآكلت في الواقع.
في المحصلة، حصر اختلالات سلطة المجلس الرئاسي في مظهر واحد لا يكشف عمق الإشكالات التي تمسّ منظومته بمستوياتها المختلفة، لكن حين تتحول الصيغة السياسية للسلطة إلى أداة وظيفية تجذّر الأخطاء يستلزم ذلك تغييرها،
وإذا كانت الجولة الحالية من الحرب قد كشفت الاختلالات العميقة في بنية الرئاسي من قواعد التمثيل إلى مبدأ التكتلات السياسية- العسكرية، فهذا يستدعي تغيير صيغة السلطة،
ومع أن أي تغيير يظل مشروطاً بإرادة الرعاة (السعودية)، وكذلك كيفية تعاطيها مع الدور الإماراتي مستقبلاً،
فالأكيد هنا أن إدارة حرب حقيقية ضد الجماعة وكذلك ترتيب تمظهرات السلطة وتحسين قدرتها على إدارة الدولة تقتضي إعادة هيكلة السلطة جذرياً، من إلغاء الهيئات المساندة للمجلس والمتضخّمة كهيئة التشاور والمصالحة، إلى مركزة السلطة، أو على الأقل استيعاب هذه التحوّلات لتنعكس في تمثلاتها.
عدا ذلك، استمرار ترويكا تعدّد الأقطاب، وإن باتوا هامشيين، تعني بقاء أصل المشكلة، فضلاً عن تجذير تشوهاتها.
* كاتبة وناشطة يمنية