اليمن ومجلس التعاون الخليجي.. هل اقتربت لحظة الانضمام؟
أعاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي ، رشاد محمد العليمي، فتح ملف انضمام بلاده إلى مجلس التعاون الخليجي، داعياً إلى إدماجها بصورة شاملة، في المنظومة الخليجية.
جاء ذلك خلال جلسة حوارية في ميونخ نظمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (14 فبراير 2026)،
لكن هذه التصريحات سبقها تأكيد العليمي خلال أول اجتماع للحكومة الجديدة في الرياض (12 فبراير 2026)، أن "الظرف الراهن مواتٍ جداً لتعزيز الشراكة مع السعودية، بما يحقق حلم الشعب اليمني بالانضمام إلى مجلس التعاون".
الحديث عن الانضمام لمجلس التعاون ليس جديداً، فمنذ تأسيسه عام 1981 ظل اليمن خارج عضويته رغم انضمامه لاحقاً إلى بعض الهيئات الخليجية المتخصصة في مجالات التعليم والصحة والرياضة، ما أبقى العلاقة في إطار "الارتباط الجزئي" دون العضوية الكاملة.
بوابة الرياض
وخلال الجلسة الحوارية في ميونخ، أقر العليمي بأن الظروف الراهنة قد لا تكون مشجعة لاعتماد العضوية الكاملة في مجلس التعاون، لكنه طرح مسار "اندماج تدريجي" عبر ما سماه "البوابة السعودية"، في إشارة إلى مركزية الرياض في صياغة العلاقة بين اليمن ودول المجلس.
كما ربط العليمي أيضاً، خلال ترؤسه أول اجتماع للحكومة الجديدة في الرياض، بين "إصلاح الأداء الداخلي وتعزيز الشراكة مع المملكة"، معتبراً أن "الطريق إلى المنظومة الخليجية يبدأ من توحيد الجهود الحكومية وبناء مؤسسات قادرة على التعافي".
رهان الدولة اليمنية على السعودية ليس جديداً؛ فمنذ إطلاق عملية عاصفة الحزم عام 2015، تحولت العلاقة إلى شراكة أمنية مباشرة، تعمقت لاحقاً عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومقترحات خارطة الطريق التي تقودها الرياض، يضاف لذلك مبادرات خليجية عديدة لإسناد اليمن سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
كما تأتي دعوة العليمي في سياق تصعيد أمني شهدته جبهات عدة، وتوترات مرتبطة بالهجمات الحوثية سابقاً على منشآت حيوية في السعودية والإمارات، ما رسّخ قناعة خليجية بأن "يمناً غير مستقر سيظل مصدر تهديد مباشر".
مسار العلاقة
لا بد من الإشارة إلى أن العلاقة بين اليمن والخليج تتجاوز الجغرافيا، فملايين اليمنيين عملوا لعقود في دول المجلس وتحويلاتهم شكلت رافعة اقتصادية مهمة لبلادهم، فيما مثّلت السوق اليمنية امتداداً تجارياً طبيعياً للعمق الخليجي.
سياسياً، شكلت المبادرة الخليجية عام 2011 محطة مفصلية جنّبت البلاد حرباً أهلية في حينه، قبل أن يطيح انقلاب الحوثيين بالمسار الانتقالي، لتعود دول الخليج لاعباً رئيسياً في مساعي التسوية.
كما أن التطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة عززت المخاوف الأمنية لدى السعودية وسلطنة عُمان، ودفعت نحو مراجعة أساليب التعامل مع الملف اليمني.
اقتصادياً، تظهر الفجوة الواسعة بين اليمن ودول المجلس من حيث الناتج المحلي والبنية التحتية والاستقرار النقدي، أن أي اندماج مستقبلي يظل مشروطاً بخطة إعادة إعمار شاملة، شبيهة بما يطرح كـ"خطة مارشال خليجية".
في المقابل، تلقي التباينات في مقاربات بعض الملفات، لا سيما بين الرياض وأبوظبي بشأن الجنوب، بظلالها على أي تصور لعضوية اليمن، خصوصاً مع استمرار الانقسام الداخلي.
أما داخلياً، فإن الاندماج يتطلب إصلاحات عميقة تشمل توحيد المؤسسات المالية، وضبط السلاح خارج الدولة، وتحسين بيئة الاستثمار وتعزيز الشفافية، وهي تحديات لا تزال قائمة في ظل أزمة الرواتب والانكماش الاقتصادي.
رؤية خليجية
ولطالما تعاملت دول مجلس التعاون مع اليمن بوصفه جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الإقليمي الخليجي، حيث يرتبط استقراره مباشرة بأمن الحدود والممرات البحرية وحماية مصالح المنطقة الاستراتيجية.
وبالتزامن مع طرح العليمي، أكد الأمين العام المساعد في مجلس التعاون، عبد العزيز العويشق، أن اليمن جزء أساسي من منظور مجلس التعاون للأمن الإقليمي
لافتاً إلى أن هناك العديد من القرارات التي اتخذت من قبل قادة مجلس التعاون والمجلس الأعلى تصب في هذا المجال، منها العمل على إدماج اقتصاد اليمن مع اقتصادات الخليج.
وأشار العويشق، في تصريحات لقناة "الإخبارية" السعودية (السبت 14 فبراير 2026)، إلى أنه "منذ العام 2006 تم تبني خطة لمدة 20 عاماً لتحقيق هذا الاندماج،
كما جرى في 2002 توقيع اتفاقية صنعاء لمواءمة القوانين اليمنية مع القوانين الخليجية في المجالات الاقتصادية وهو ما حدث بالفعل، لكن انقلاب الحوثيين سبب تأخر الاندماج".
وتابع قائلاً:
- عناصر الاندماج أربعة: السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي.
- الفرصة الآن مواتية لاستكمال الشراكة وعناصر الشراكة الاستراتيجية، والعمل معاً لإيجاد حل سياسي لاستعادة صنعاء.
- الشراكة الاستراتيجية لا تتطلب أن تكون النظم السياسية واحدة.
- الاندماج الاقتصادي قرار تم اتخاذه، بمعنى التكامل الاقتصادي والشراكة الاستراتيجية.
- لكن الاندماج السياسي له معطيات أخرى، ويتطلب حلاً سياسياً ومعرفة نظام الحكم المستقبلي في اليمن.
- الأهمية الاستراتيجية لليمن لا يغلب عليها أي دولة أخرى في الواقع، فهي مهمة لدول مجلس التعاون أكثر من أي دولة أخرى.
- اليمن جزء أساسي من الجزيرة العربية وجزء طبيعي للأمن الإقليمي سواء للمملكة العربية السعودية أو لمجلس التعاون ككل.
صيغة شراكة
التطورات الأمنية التي شهدها اليمن والمنطقة، منذ عام 2014، أظهرت أن أمن اليمن ودول الجوار، وفي مقدمتها دول الخليج، بات مترابطاً إلى حد بعيد، ما يجعل بناء صيغة متوازنة للعلاقة بين صنعاء ومجلس التعاون، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، ضرورة لضمان استقرار المنطقة، بحسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، ناصر الطويل.
الطويل أوضح، أن "الكلفة التي تحملتها دول الخليج العربي، وفي مقدمتها السعودية، تشير إلى أن أي مسار آخر غير مسار دمج اليمن اقتصادياً في مجلس التعاون الخليجي، ستكون كلفته أكبر بكثير من كلفة الدمج".
وتابع قائلاً:
- صانع القرار الخليجي، وفي المقدمة السعودي، أدرك أن ترك اليمن يمضي وحيداً في مواجهة التحديات الكبيرة والمهولة، ستكون تكلفته في جانب الأمن والاستقرار على المنطقة كبيرة جداً.
- اليمن بحاجة لحلحلة أزماته الاقتصادية، وهذا لن يكون إلا من خلال دول مجلس التعاون، في ظل تراجع اهتمام الأطراف الدولية وانشغالها بقضايا وأزمات أخرى في العالم.
- اليمن لا يمثل أولوية للقوى الكبرى، بقدر ما يمثل أولوية قصوى لدول مجلس التعاون الخليجي، وفي المقدمة السعودية.
- ما شهده اليمن طيلة العقد الماضي، يؤكد أنه لا أمن لليمن ولا للسعودية ولا لدول الخليج إلا بترتيب وضع ما في إطار مجلس التعاون، أو أن يكون هناك صيغة ما للشراكة والتكامل الاقتصادي.
- تصريحات العليمي تشير إلى الاهتمام السعودي الكبير باليمن، وتدخله المباشر لإعادة ترتيب أوضاع اليمن السياسية والاقتصادية العسكرية.
- لكن الانقسامات بين بعض دول الخليج (في إشارة إلى الخلاف السعودي الإماراتي) ربما تعرقل ترتيب علاقة اليمن بمجلس التعاون في المدى المنظور.
- لكن الحضور الكبير للسعودية في المجلس والمنطقة والعالم، سيوفر قوة دفع كبيرة لمسار الشراكة بين اليمن ودول الخليج.
- إذا استمر الزخم السعودي في الاهتمام بحل الأزمة اليمنية والدفع نحو ترتيبات داخلية وخارجية لذلك، فمن المرجح أن تحقق هذا الجهود تقدماً ملموساً في نهاية المطاف.
- وجود المملكة وحضورها المباشر في الملفات اليمنية الساخنة، وفي المقدمة الجنوب، سيساهم دون شك في ترتيب الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية بإشرافها.
- هذا سيوفر بعض المتطلبات لشراكة ما، بين اليمن ومجلس التعاون الخليجي.
- من المتوقع أن مسار الانضمام أو ترتيب صيغة ما من العلاقة بين اليمن ودول المجلس، سيكون طويلاً.
- التحديات الكبيرة التي يواجهها اليمن، ستجعل من الصعوبة إحداث دمج مباشر مع مجلس التعاون الخليجي.
- يتطلب الحل معالجة الأزمات الراهنة التي يعيشها اليمن، والعمل على إصلاح المعضلات الهيكلية والبنيوية، خصوصاً في الجانبين الاقتصادي والأمني، وإطلاق مسار تفاوضي منظم بين اليمن ومجلس التعاون الخليجي.
- في المجمل، لا يمكن تحقيق أمن مستدام لليمن أو للمنطقة دون صياغة إطار واضح للعلاقة بينه وبين ودول المجلس.
- هذه الصيغة ينبغي أن تركز على معالجة الاختلالات الاقتصادية، باعتبارها المحرك الأهم للاضطرابات ودورات العنف التي شهدها اليمن خلال السنوات الماضية.