معارك استنزاف تعيد رسم جبهات الساحل الغربي لليمن
الرأي الثالث
أعاد تجدد الاشتباكات العنيفة في محيط مضيق باب المندب، مطلع الشهر الحالي، جبهة الساحل الغربي لليمن إلى واجهة الأحداث العسكرية، وسط اتساع رقعة المعارك بين القوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين، باتجاه المرتفعات الجبلية الاستراتيجية والمناطق الحدودية الرابطة بين محافظات تعز ولحج وعدن.
وتكشف المعطيات الميدانية المسجلة حتى الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي أن جولات القتال المتعاقبة منذ التصعيد الذي بدأ في يوليو/ تموز الماضي، بعد أربع سنوات من هدنة عام 2022، لم تسفر عن حسم نهائي لصالح أي من الطرفين.
لم يُؤدِّ استيلاء جماعة الحوثيين، في سبتمبر/أيلول الماضي، على مدينة المخا المطلة على البحر الأحمر، ومناطق ساحلية غربي اليمن، ولا الهجمات المضادة واسترداد القوات الحكومية مرتفعات جبلية ومواقع استراتيجية حاكمة خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلى إرساء واقع عسكري مستقر أو خط إمداد آمن لأي من الطرفين.
سُجلت أبرز التطورات الميدانية في الثاني من نوفمبر الحالي، مع استئناف القتال في جبهة باب المندب بمشاركة فاعلة من "ألوية العمالقة الجنوبية" الموالية للحكومة، والتي ترافقت مع تحركات عسكرية واسعة في مديرية المضاربة ورأس العارة غربي لحج جنوبي البلاد.
وأعلنت قوات العمالقة تمكنها من استعادة مواقع حيوية أبرزها جبل صفان وقرن الشمايّة في لحج، إلى جانب استمرار المعارك المحتدمة في منطقتي المجزعة وزريقة الشام على الحدود بين محافظتي لحج وتعز، إلى جانب رصد تحركات ميدانية مكثفة باتجاه معسكر العمري الواقع شمال منطقة ذوباب بمحافظة تعز جنوب غربي البلاد.
وفي السياق نفسه، نفت قيادة القوات بصورة قاطعة الأنباء والتقارير التي تحدثت عن انسحاب وحداتها من ذوباب وكهبوب (لحج) والخط الساحلي، مؤكدة استمرار تمركزها وانتشارها لتأمين الشريط البحري.
وتؤكد هذه التطورات عودة الاشتباك المباشر إلى محيط باب المندب، بعد أسابيع قليلة من إعلان القوات الحكومية استعادة مواقع رئيسية في المنطقة ضمن عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "فجر اليمن" مطلع أكتوبر الماضي.
وعلى الصعيد الاستراتيجي والجغرافي، امتد نطاق التصعيد ليشمل مديرية الوازعية غرب تعز، بالتزامن مع تصعيد حوثي ملحوظ في مديرية المقاطرة شمال لحج، في محاولة واضحة لفتح مسارات ضغط تكتيكية جديدة على القوات الحكومية وإرباك انتشارها العسكري على خطوط التماس.
ونتيجة لهذه التحولات، انتقل مركز ثقل المواجهات من السهل الساحلي المنبسط إلى المرتفعات الجبلية الوعرة وطرق الإمداد الحيوية الرابطة بين الساحل الغربي لليمن والعمق الداخلي.
وبدأت الجبهة، وفقاً لهذه المعطيات، تتخذ ملامح "حرب استنزاف" متعددة المحاور، تتداخل فيها الاشتباكات المباشرة مع عمليات التسلل وزرع الكمائن وحرب الألغام،
بينما يعجز الطرفان عن تحويل المكاسب الموضعية السريعة إلى سيطرة عسكرية دائمة ومستقرة على كامل المنطقة الممتدة من مدينة المخا مروراً بمضيق باب المندب وصولاً إلى السلاسل الجبلية المتصلة بها.
جذور التحول الميداني وسيطرة المضيق
بدأت التحولات الميدانية في الساحل الغربي لليمن مطلع سبتمبر/أيلول الماضي بهجوم حوثي واسع أدى إلى السيطرة على المخا ومينائها والاقتراب من باب المندب، ما منح الجماعة ورقة ضغط جيوسياسية على الملاحة الدولية.
لكن القوات الحكومية ومسانديها (ألوية العمالقة، درع الوطن، وقبائل الصبيحة) شنّت هجوماً مضاداً في 17 سبتمبر، استعادت خلاله مرتفعات كهبوب الاستراتيجية وأوقفت التقدم الحوثي.
وتواصلت العمليات في أكتوبر باستعادة ذوباب ومطارها في الخامس من ذلك الشهر، ثم جزيرة ميون بالكامل في العاشر منه، ما مكّن القوات الحكومية من تثبيت حضورها في المواقع الحاكمة لمضيق باب المندب.
بالمقابل كررت الجماعة الشهر الماضي أنها تُحكم سيطرتها على المكتسبات التي حققتها في الساحل الغربي لليمن ومنطقة مضيق باب المندب.
الطبيعة الجغرافية الوعرة للطرق الداخلية والتضاريس المتصلة بمديريات الوازعية وموزع في الجزئين الغربي والجنوب الغربي من محافظة تعز، توفر للحوثيين قدرة تكتيكية على التسلل وشنّ هجمات مباغتة من مواقع قريبة، حتى من دون الحاجة لانتشار برّي مباشر على شريط الساحل الغربي لليمن.
علاوة على ذلك، فإن خيارات الاستهداف البحري للحوثيين تعتمد بالأساس على الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، والألغام البحرية، إلى جانب منصات المراقبة الساحلية، بدلاً من الوجود العسكري المتصل.
على الجانب الآخر، تُكثف تشكيلات "العمالقة" وقوات "درع الوطن" والقوات الحكومية حضورها في مرتفعات كهبوب ومناطق المضاربة ورأس العارة والوازعية لتأمين خطوط الدفاع وحظر أي محاولات اختراق من قِبل الحوثيين، ما يُبقي مكاسب ساحلية للحوثيين مكشوفة ما لم يتوفر لها عمق بري يؤمن خطوط الإمداد والمواقع الدفاعية.
النطاقات الجغرافية الثلاثة للمواجهات
تتوزع المواجهات الميدانية الحالية على ثلاثة نطاقات جغرافية رئيسية، يتمثل النطاق الأول في محور باب المندب وكهبوب وذوباب
حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المرتفعات التي استعادت السيطرة عليها ومنع الحوثيين من اختراقها أو الالتفاف عليها باتجاه الساحل،
وقد عادت الاشتباكات العنيفة لتشتعل في هذا المحور مطلع نوفمبر الحالي. ويبرز النطاق الثاني في محور الوازعية والمضاربة ورأس العارة، الذي يشهد مواجهات متواصلة منذ شهر سبتمبر
وتتركز خصوصاً في المناطق الجبلية الوعرة الواقعة بين جنوب شرق الوازعية وشمال المضاربة بوصفها امتداداً ميدانياً حيوياً لمعركة المرتفعات وطرق الإمداد.
يشكل محور المقاطرة، شمال لحج، النطاق الثالث والأكثر سخونة خلال الأيام الأخيرة، إثر تقدّم الحوثيين في بعض المواقع ومحاولتهم التوسع جنوباً باتجاه طور الباحة لتهديد الطريق الحيوي الرابط بين تعز وعدن جنوباً، ومحاولة الالتفاف على جبال كهبوب.
وفي أحدث التطورات، أعلنت الفرقة الأولى في قوات "درع الوطن"، في الخامس من نوفمبر، أن قواتها حققت تقدماً في جبهة المقاطرة، وسيطرت على مواقع استراتيجية، بمشاركة الطيران المسيّر والحربي.
وفي تعز، أعلن الناطق باسم القوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي، في اليوم نفسه، السيطرة على منطقة صنمات في تعز، ومواصلة استهداف تحركات الحوثيين وتعزيزاتهم وإحباط محاولات تسلل في محاور أخرى.
كما أعلنت القوات الحكومية اليمنية تحقيق تقدم ميداني، الخميس، في جبهات محافظة الجوف، شمال غربي اليمن.
وكانت قوات العمالقة ودرع الوطن، وفق تقارير ميدانية نُشرت في الرابع من نوفمبر الحالي، قد سيطرت على مواقع في جبل السبعة رقود بمنطقة معبق في المقاطرة بعد مواجهات مع الحوثيين،
فيما تحدثت مصادر عسكرية عن استعادة مواقع أخرى في جبل عرف المشرف على أجزاء من طريق عدن- التربة عبر طور الباحة.
كما شهدت منطقتا الزريقة والمجزعة اشتباكات متواصلة، بالتزامن مع تصدي القوات الحكومية لمحاولات تسلل للحوثيين باتجاه طور الباحة.
من الساحل الغربي لليمن إلى العمق الداخلي
يرتبط الجمود النسبي في جبهة الساحل الغربي لليمن بمجموعة من العوامل الجغرافية والعسكرية والسياسية، في مقدمتها طبيعة الأرض التي تحوّلت إلى عنصر حاسم في تحديد اتجاه المعارك.
فالمناطق الممتدة من الوازعية إلى كهبوب تتخللها سلاسل جبلية ووديان وطرق وعرة، تمنح القوات المتمركزة في المرتفعات أفضلية دفاعية، وتجعل تقدم القوات المهاجمة مكلفاً.
كما أن استعادة المرتفعات لا تعني بالضرورة تأمين المناطق الواقعة أسفلها، إذ يتطلب ذلك تمشيط الوديان والطرق الفرعية والقرى والممرات التي يمكن استخدامها للتسلل أو نصب الكمائن.
يضاف إلى ذلك تعدد التشكيلات العسكرية المشاركة في المعركة، بين "العمالقة" و"درع الوطن" ومحاور الجيش والمقاومة الشعبية وقوات المقاومة الوطنية، وما يرافق اختلاف البنية التنظيمية والقيادية من تحديات.
كذلك لا يمكن إغفال أن الحوثيين لا يخوضون معركة دفاعية ثابتة فقط، بل يعتمدون على تغيير اتجاه الضغط وفتح جبهات متزامنة، بما يفرض على القوات الحكومية توزيع قواتها بين الساحل الغربي لليمن وتعز ولحج ومحاور أخرى.
تمثل الألغام والعبوات الناسفة أحد أبرز العوائق أمام تقدم القوات الحكومية في الوازعية ومحيطها، خصوصاً في المناطق التي شهدت انسحابات وتبدلاً سريعاً في السيطرة خلال الأسابيع الماضية.
فالألغام تؤدي دوراً في تعطيل الحركة وإبطاء عمليات التمشيط، فضلاً عن الحاجة إلى فرق هندسية متخصصة لفتح المسارات وتأمينها.
وتزداد خطورة هذا العامل في المناطق الجبلية والوديان والطرق الترابية التي يصعب الالتفاف حولها. يتيح ذلك للحوثيين تعويض جانب من الفارق في القوة النارية، عبر تحويل المناطق التي ينسحبون منها إلى مساحات تهدد القوات التي تحاول التقدم أو تثبيت مواقعها.
تكتيكات التسلل وضغط المرتفعات
في موازاة المواجهات المباشرة، اتجه الحوثيون إلى تكثيف محاولات التسلل عبر المسارات الجبلية والوديان، خصوصاً في المناطق المحيطة بباب المندب والمقاطرة والمضاربة، بدلاً من خوض مواجهات واسعة ومكلفة في المواقع المكشوفة.
يفرض ذلك على القوات المدافعة توسيع نطاق الحماية والتمشيط، ويزيد كلفة الاحتفاظ بالمواقع الجديدة.
في هذا الصدد، أكد المحلل العسكري اليمني فؤاد الحاج، أن استراتيجية الحوثيين الراهنة تعتمد على تفكيك المشهد إلى مستويين متكاملين؛ تكتيكي قريب المدى، واستراتيجي واسع الأثر".
وأوضح أن "الهدف التكتيكي المباشر للجماعة يتمثل في نقل مركز ثقل العمليات العسكرية من سهل الساحل الغربي لليمن المكشوف إلى التضاريس الجبلية الوعرة، بغرض استنزاف القوات الحكومية وتشتيت تركيزها الميداني وإرباك انتشارها العسكري".
وأضاف أن "الجماعة تلجأ في هذا الإطار إلى فرض معادلة ميدانية جديدة تعتمد على تكتيكات مركبة،
تبدأ بمحاولات التسلل المستمرة عبر الوديان، وتكثيف القصف بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على المواقع الخلفية، ولا تنتهي عند الاعتماد المكثف على شبكات الألغام والعبوات الناسفة ونشر القناصة في الممرات الحاكمة".
أما على الصعيد الاستراتيجي، فبيّن الحاج أن "نقل المواجهات نحو الشريط الجبلي الممتد في المقاطرة وشمال لحج يهدف إلى التأسيس لمسارين متوازيين يُعيدان التوازن لصالح الحوثيين".
يكمن المسار الأول، وفق تقديره، في خلق "خطوط ضغط خلفية تتيح الالتفاف الميداني على جبال كهبوب الاستراتيجية وتطويق القوات المتمركزة فيها من دون الحاجة لمواجهتها جبهوياً من الساحل،
بينما يتمثل المسار الثاني، وهو الأشد خطورة، في فتح ثغرة تقدم حقيقية تتجه جنوباً نحو العاصمة المؤقتة عدن".
ولفت إلى أن الحوثيين يستغلون بذلك وجودهم في مرتفعات المقاطرة الذي وضعهم "على مسافة لا تتجاوز 80 كيلومتراً تقريباً عن أطراف عدن (العاصمة المؤقتة)، ما يمنحهم ورقة تهديد واستنزاف دائمة للشريان الحيوي الرابط بين تعز ولحج وعدن".
فخر العزب
صحافي يمني