كيف تمكن الحوثيون من السيطرة على الساحل الغربي ولماذا لم يوقف تقدمهم؟
الرأي الثالث
قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن التقدم السريع للحوثيين في الساحل الغربي وسيطرتهم على مدينة المخا ومواقع استراتيجية قرب مضيق باب المندب، رغم أنه فاجأ كثيرين، كان يمكن توقعه في ضوء التحذيرات المتكررة من تنامي قدراتهم العسكرية وضعف القوات الحكومية وانقسامها.
وذكرت الصحيفة، في تقرير شارك في إعداده فيفيان نيريم وسعيد البطاطي وشعيب الموساوي، أن قائدًا عسكريًا في القوات التابعة للحكومة اليمنية، الفريق طارق صالح، وجّه نداءات لطلب المساعدة في الأسابيع التي سبقت الهجوم الحوثي على الساحل المطل على البحر الأحمر.
وكان واضحًا بالنسبة إليه أن الحوثيين يسعون للسيطرة على المنطقة الخاضعة لقواته للوصول إلى باب المندب، أحد أهم الممرات المائية في العالم.
وبحسب ثلاثة مسؤولين يمنيين، حاول صالح تحذير حلفائه في السعودية والولايات المتحدة، لكن أحدًا لم يكن قادرًا أو راغبًا في وقف الحوثيين عندما بدأوا تحركهم. وانتهى الهجوم بسيطرة الجماعة على المخا ومواقع ساحلية استراتيجية
في تطور أعاد إشعال الحرب اليمنية ورفع مخاطرها إلى مستوى إقليمي ودولي، نظرًا إلى أهمية باب المندب لحركة التجارة والطاقة العالمية.
تحذيرات لم تلقَ استجابة
واستند تقرير “نيويورك تايمز” إلى مقابلات مع أكثر من 15 شخصًا شاركوا في القتال أو اطلعوا على مجرياته، بينهم جنود وضباط يمنيون ومسؤولون في الحكومة المعترف بها دوليًا ومسؤولون أمريكيون وآخرون حوثيون.
وتظهر روايات هؤلاء أن انتصار الحوثيين لم يكن مفاجئًا تمامًا، إذ حذرت أجهزة الاستخبارات والجيش الأمريكيان، على مدى أشهر، السعودية من تجدد التهديد الذي تمثله الجماعة، وحثّا المسؤولين السعوديين على توحيد القوات المتعددة التابعة للحكومة اليمنية، وفق مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين.
وفي الفترة التي سبقت سقوط مواقع قواته، تواصل صالح مع مسؤولين سعوديين وأمريكيين طالبًا مزيدًا من الدعم لصد الحوثيين، بحسب مسؤول حكومي يمني وضابطين عسكريين يمنيين رفيعي المستوى.
وقال مسؤولون أمريكيون، حاليون وسابقون، إن الولايات المتحدة عرضت تقديم مساعدة في التخطيط والاستخبارات، بما في ذلك معلومات عن تحركات القوات الحوثية، لكنها أوضحت أن مساعدتها لن تشمل شن غارات جوية.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا بشأن قدرة أي حملة عسكرية خارجية على كبح الحوثيين، الذين قال مسؤولهم السياسي محمد البخيتي إن انتصارهم جاء نتيجة سنوات من تطوير قدراتهم العسكرية.
ووصف البخيتي قتال الجماعة بأنه يهدف إلى «تحرير اليمن من الاحتلال»، واتهم خصومها بأنهم “مرتزقة” للسعودية.
ليلة الانهيار
وفي مقابلات مع الصحيفة، ألقى جنديان من القوات الحكومية اليمنية بالمسؤولية عن الهزيمة على قادتهما. وقال أحدهما إن انهيار القوات بدأ بعد غروب شمس التاسع من أيلول/سبتمبر، عندما كان متمركزًا مع جنود آخرين خارج مدينة المخا.
وأضاف أن الجنود تلقوا تقارير عن تقدم مقاتلين حوثيين من عدة اتجاهات، قبل أن تنقطع الاتصالات فجأة، ما عزلهم عن الوحدات الأخرى. ثم سمعوا صرخات رفاقهم وهم يهتفون: “تراجعوا! تراجعوا! تراجعوا! الحوثيون هنا بالفعل”، قبل أن يفروا من مواقعهم.
ويرى محللون أن الحوثيين استغلوا فترة الهدوء التي أعقبت هدنة عام 2022 لتعزيز قوتهم العسكرية وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، فضلًا عن توسيع ترسانتهم.
في المقابل، لم تتخذ الحكومة اليمنية خطوات مماثلة، وأصبحت، بحسب التقرير، أكثر ضعفًا وتفككًا، في ظل اعتمادها على السعودية والإمارات اللتين كانتا في كثير من الأحيان على خلاف بشأن كيفية إدارة الفصائل اليمنية.
وقال غريغوري جونسن، الزميل غير المقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن: “الحكومة اليمنية كيان وهمي في هذه المرحلة، فهم يقضون وقتًا في الاقتتال فيما بينهم أكثر مما يقضونه في قتال الحوثيين”.
صراع الرعاة
كان الفريق طارق صالح أحد أبرز اللاعبين داخل القوات المناهضة للحوثيين. وبصفته ابن شقيق الرئيس السابق علي عبد الله صالح، كوّن على مدى السنوات الماضية شبكة من الخصوم والحلفاء، بعدما تنقل بين تحالفات مختلفة، قبل أن ينضم إلى الحكومة اليمنية.
وفي مدينة المخا، وبدعم إماراتي، شكّل صالح فصيلًا مسلحًا خاصًا به، قوامه عشرات الآلاف من المقاتلين، وأصبح هذا الفصيل حاجزًا أمام تقدم الحوثيين جنوبًا باتجاه باب المندب.
ومع تغير موازين النفوذ بين السعودية والإمارات، وجد صالح نفسه أمام راعٍ جديد هو السعودية، في وقت كانت فيه الفصائل التابعة للحكومة تعاني أصلًا من الانقسام.
وفي الأشهر التي سبقت الهجوم، تصاعدت التوترات مجددًا. واتهم الحوثيون السعودية وحلفاءها اليمنيين بالتحضير لهجوم ضدهم، بينما كانت الجماعة، في المقابل، تعد خططها الخاصة سرًا.
الهجوم على المخا
وبدأ الحوثيون في التاسع من آب/أغسطس شن هجمات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيرة على مدينة المخا، ما ألحق أضرارًا بالميناء وسعى إلى قطع خط الإمداد البحري للمدينة، وفق ضابطين عسكريين يمنيين.
ثم، في الثالث من أيلول/سبتمبر، بدأوا هجومًا بريًا واسع النطاق.
وقالت قوات صالح إن الحوثيين أرسلوا نحو 80 ألف مقاتل إلى المعركة، مدعومين بمستشارين إيرانيين. ولم تتمكن “نيويورك تايمز” من التحقق من هذه المزاعم، بينما نفى البخيتي وجود دعم إيراني.
وصمدت القوات الحكومية لفترة في وجه الهجوم، وخاضت معارك في الجبال المطلة على المخا، لكن الحوثيين تمكنوا في نهاية المطاف من التقدم عبر هجمات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيرة والقصف المدفعي.
وفي مساء التاسع من أيلول/سبتمبر وحتى صباح اليوم التالي، انهارت القوات الحكومية وتراجعت بسرعة وبصورة غير منظمة وسط الفوضى والارتباك.
وسيطر الحوثيون على معسكر عسكري رئيسي عند سفوح الجبال شرق المخا، ما ترك القوات الحكومية في السهل الساحلي مكشوفة.
وبدلًا من إعادة تنظيم صفوفها، انسحبت القوات الحكومية باتجاه عدن، تاركة الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك مواقع وجزر استراتيجية داخل منطقة باب المندب، أمام تقدم الحوثيين.
وكانت “نيويورك تايمز” قد أفادت في تقارير لاحقة بسيطرة الحوثيين على المخا ثم جزيرة بريم الواقعة داخل المضيق.
وفي غضون ليلة واحدة، خسرت الحكومة اليمنية مساحة من الأراضي تقدر بنحو 1800 ميل مربع.
وقالت جماعة صالح إن ما لا يقل عن 500 من مقاتليها قتلوا وأصيب أكثر من 1500، بينما لم تتوفر حصيلة للضحايا في صفوف الحوثيين.
إلى الرياض
وبعد وقت قصير من سقوط المخا، غادر صالح وعدد من رفاقه جوًا إلى العاصمة السعودية الرياض، بحسب مسؤول حكومي يمني وضابطين عسكريين، حيث أقاموا في أحد الفنادق.
وقال ضابط مقرب من صالح للصحيفة إن التركيز ينصب حاليًا على إعادة تجميع القوات وعلاج الجرحى، مضيفًا أنه سيُجرى في نهاية المطاف تحقيق لمعرفة أسباب الإخفاقات التي أدت إلى انهيار الجبهة.
وفي اليمن، تشتت جنود صالح، بينما علق بعضهم خارج عدن بعدما منعهم مقاتلون من فصائل أخرى، يفترض أنهم حلفاء لهم، من دخول المدينة، وفق الضابط المقرب من صالح وجندي آخر.
وقال الجندي، في اتصال هاتفي من مخيم مؤقت، إنهم أمضوا أيامًا من دون طعام.
ومع اتساع رقعة القتال، أعلن رئيس الحكومة اليمنية رشاد العليمي شن “حرب شاملة” ضد الحوثيين، مؤكدًا أن هدف الحكومة هو استعادة الأراضي التي سيطرت عليها الجماعة خلال السنوات الماضية.
ويثير التقدم الحوثي نحو باب المندب مخاوف تتجاوز حدود الحرب اليمنية، إذ يقع المضيق عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويشكل ممرًا حيويًا للتجارة العالمية وشحنات الطاقة.
كما أن أهميته ازدادت بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ما دفع السعودية إلى زيادة اعتمادها على طرق تصدير النفط عبر البحر الأحمر.