لماذا طالت المفاوضات بشأن التبادل الثالث للأسرى والمحتجزين؟
كان من المقرر أن تنتهي جولة المفاوضات بشأن ملف المحتجزين الجارية حاليًا في العاصمة الأردنية في 19 شباط/فبراير
إلا أن هذه الجولة، التي انطلقت في الخامس منه، لم يصدر عنها خلال المدة التي تجاوزت الشهرين، أي إعلان يوضح ما يجري.
وهذه الجولة لعلها باتت أطول جولات التفاوض زمنًا في هذا الملف الإنساني المعقد، منذ توقيع اتفاق ستوكهولم عام 2018.
خلال بيان اختتام زيارته لعدن، الخميس، قال المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ، إنه استعرض مع المسؤولين في عدن، «آخر مستجدات المفاوضات الجارية بشأن المحتجزين على خلفية النزاع».
تناقش المفاوضات الجارية إمكانات تنفيذ ما انتهت إليه جولة «مسقط 2»، التي انعقدت خلال الفترة 9-23 كانون الأول/ديسمبر الماضي برئاسة مشتركة من المبعوث الأممي الخاص لليمن، واللجنة الدولية للصليب الأحمر
وأفضت إلى اتفاق ينص على الإفراج عن 1700 أسير للحوثيين و1200 أسير للحكومة، بمن فيهم السياسي محمد قحطان المعتقل لدى الحوثيين منذ عام 2015.
وهي الصفقة التي يأمل المتابعون التوصل إلى آلية مزمّنة لتنفيذها خلال هذه المفاوضات؛ لتشهد البلاد تنفيذ صفقة تبادل ثالثة بين طرفي الصراع للأسرى والمحتجزين والمختطفين بما في ذلك جثامين، وفي حال تنفيذها ستكون أكبر صفقة تبادل ينفذها الطرفان.
وتستهدف محادثات الجولة الراهنة من جولات التفاوض للجنة الإشرافية على ملف المحتجزين، وهي الجولة الحادية عشرة في هذا الملف، الاتفاق على كشوفات الأسماء
بالإضافة إلى ما يتعلق بتزمين تنفيذ الصفقة؛ لكن يبقى الأهم في المحادثات هو الاتفاق على كشوفات الأسماء، في ظل ما تمثله من إشكالية مصدرها عدم اعتراف طرف ما بأسماء ما، وإنكار وجودها في سجونه، وإدراج أحد الطرفين لأسماء يرفض الطرف الآخر التعامل معها كأسرى ومحتجزين أو مختطفين على ذمة الأحداث، علاوة على تعدد سلطات أحد الأطراف
وبالتالي تعدد السجون، والأهم هو عدم التوصل إلى كشوفات دقيقة متفق عليها للأسرى والمحتجزين والمختطفين من قبل الطرفين؛ بما فيها تحديد هُوياتهم وأماكن احتجازهم؛ فهذه المعلومات غير متوفرة كقاعدة معلوماتية لكل جولات التفاوض، وهو ما يفترض أنه قد تم حسمه.
من جانب آخر، ما زال الاستغلال السياسي قائمًا لهذا الملف، باعتباره ورقة مساومة وضغط لانتزاع مكاسب، بينما هو ملف إنساني خالص.
وكانت كشوفات الأسماء هي أبرز العوامل التي أعاقت تنفيذ اتفاق ستوكهولم الموقع بين الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًا وحركة الحوثي .
الكل مقابل الكل
وكانت مفاوضات السويد قد انتهت في 13 كانون الأول/ديسمبر 2018 باتفاق شمل: اتفاق وقف إطلاق نار في مدينة الحديدة وموانئ الحديدة، إعلان تفاهم حول مدينة تعز، وآلية تبادل الأسرى والمحتجزين.
وبموجبه «اتفق التحالف العربي والحكومة اليمنيّة من جهة وحركة الحوثي من جهة أخرى على إجراء عمليات لتبادل جميع الأسرى والمعتقلين والمفقودين والمحتجزين تعسفيًا والمخفيين قسريًا والموضوعين تحت الإقامة الجبرية، واعتبار ملف الأسرى إنسانيًا لا يخضع للحسابات السياسية»، واشتمل الاتفاق على آلية التنفيذ.
إلا أنه حتى اليوم تعثر تنفيذ ذلك الاتفاق، الذي قضى على «إطلاق سراح جميع الأسرى والمعتقلين والمفقودين والمحتجزين تعسفيًا والمخفيين قسريًا والموضوعين تحت الإقامة الجبرية على ذمة الأحداث لدى جميع الأطراف بدون أي استثناءات أو شروط، وذلك بهدف حل القضية بشكل كامل ونهائي» بمعنى (الكل مقابل الكل).
كذلك اشتمل الاتفاق: «لا يحق لأي طرف الامتناع عن تسليم أي شخص تم أسره أو اعتقاله أو احتجازه أو القبض عليه على ذمة الأحداث لأي سبب، وتلتزم جميع الأطراف بذلك».
وتم توقيع آلية تنفيذية للاتفاق تتكون من عشرة بنود، بما فيها «يجري تنفيذ ما اتفق عليه بعد التوقيع على الكشوفات النهائية خلال مدة لا تزيد عن عشرة أيام».
حتى اليوم، وقد مضى على الاتفاق أكثر من سبع سنوات، لم يخرج إلى حيز التنفيذ، متمثلًا في إطلاق سراح جميع الأسرى والمحتجزين.
وفي كل جولات المفاوضات، التي تلت اتفاق ستوكهولم عام 2018، لم يتم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه حينها.
ووفقًا لمصادر، فإن عدد أسرى الطرفين حتى عام 2018، والمعترف به من الطرفين، وصل إلى أكثر من 15 ألف أسير ومحتجز.
فيما يتعلق بأسباب عدم تنفيذ الاتفاق، فإن الطرفين يتبادلان الاتهامات وتحميل الآخر مسؤولية ذلك؛
فالحوثيون يعزون عدم تنفيذ الاتفاق إلى ما اعتبروه «عجز الطرف الآخر عن ذلك بسبب رفض بعض الأطراف منهم للاتفاق، وعدم اعترافهم به نظراً للتباينات والاختلافات الموجودة بينهم، ولم تستطع قيادة المرتزقة إقناعهم».
والحكومة تحمل الحوثيين المسؤولية باعتبارهم غير جادين في التنفيذ، ويستغلون الملف لتحقيق أهداف سياسية.
ثلاث جولات
عُقدت ثلاث جولات في محاولة لتنفيذ اتفاق ستوكهولم كاملًا بشأن الأسرى؛ لكنها تعثرت في التوصل إلى تنفيذ الاتفاق. حينها اقترحت الأمم المتحدة على الطرفين تنفيذ الاتفاق على مراحل بدلاً من محاولات غير مجدية في تنفيذه دفعةً واحدة، وهو ما وافق عليه الطرفان.
عقب الجولة الرابعة من المفاوضات، شهد منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2020 تبادل الجانبين أول صفقة تبادل رسمية بواقع 1056 أسيرًا ومعتقلا؛ وما زالت تلك الصفقة هي أكبر صفقة تبادل تم تنفيذها بناء على الاتفاق بين الجانبين حتى الآن.
ولم تنته مفاوضات الجولتين الخامسة والسادسة إلى أي نتائج أفضت إلى اتفاق، إلا إن مفاوضات الجولة السابعة في بيرن السويسرية في آذار/مارس 2023، وخاصة عقب نجاح الوساطة الصينية في توقيع اتفاق تقارب سعودي إيراني حينها،
قد نجحت في التوصل إلى اتفاق على الإفراج عن 887 أسيرًا ومعتقلًا، كان للحكومة 181 أسيرًا ومعتقلًا، منهم قادة عسكريون وأربعة صحافيين محكوم عليهم بالإعدام، و16 سعوديا، و3 سودانيين، مقابل إطلاق 706 أسرى للحوثيين.
وهي الصفقة التي تم تنفيذها خلال نيسان/أبريل من العام عينه.
على الرغم مما شابها من نكوص عن اتفاقات سابقة، إلا أنها اُعتبرت خطوة متقدمة، وخاصة في ظل التعثر الذي شاب الجولتين اللاحقتين، وهما الجولة الثامنة التي استضافتها العاصمة الأردنية عمّان خلال حزيران/يونيو 2023، ولم تنته إلى اتفاق،
وكذلك الحال مع الجولة التاسعة، التي استضافتها العاصمة العُمانية مسقط خلال 30 حزيران/يونيو – 6 تموز/يوليو 2024، وانتهت ما تُعرف بجولة «مسقط 1» بدون اتفاق.
منذئذ، وعلى مدى أكثر من عام، تعثرت جهود الأمم المتحدة باتجاه استئناف المفاوضات في هذا الملف من خلال جولة عاشرة؛ لأسباب تبادل الطرفان الاتهامات بشأنها.
لكن الجهود الأممية، ومعها جهود إقليمية، استطاعت جمع الطرفين في جولة جديدة من المفاوضات،
وهذه المرة كانت في مسقط أيضا، والتي استضافت الجولة العاشرة خلال الفترة 9-23 كانون الأول/ديسمبر 2025، أو ما تُعرف بـ «مسقط2»، والتي استطاع المتفاوضون الخروج خلالها باتفاق على الإفراج عن 2900 أسير ومحتجز من الطرفين.
وفي تاريخ 26 كانون الثاني/يناير الماضي اتهمت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًا، بالتأخر عن تقديم قوائم الأسرى خلال الموعد المحدد بموجب اتفاق مسقط الأخير، الذي ينص على أن يتم تبادل القوائم خلال 27 كانون الثاني/يناير.
وسبق أن قال رئيس اللجنة الوطنية للأسرى التابعة للحوثيين، عبد القادر المرتضى، في تدوينة بتاريخ 23 كانون الثاني/يناير، إن «موعد تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مسقط هو في27 كانون الثاني/يناير، لكن للأسف لم تُحسم حتى الآن كشوفات الأسرى والمعتقلين الذين سيشملهم الاتفاق، والموضوع يحتاج إلى وقت أطول للانتهاء منه».
ونتيجة تعثر ذلك تم الترتيب الأممي لعقد جولة مفاوضات حادية عشرة تستضيفها حاليًا العاصمة الأردنية؛ وهي الجولة التي بدأت في الخامس من شباط/فبرايرالماضي.
لن يُغلق ملف الأسرى والمحتجزين إلا وقد صار الطرفان عازمين على المضي قدمًا باتجاه إغلاق ملف الحرب، والذهاب باليمن نحو السلام. وبالتالي فهذا الملف يتطلب استشعارًا عاليًا للمسؤولية الإنسانية والوطنية يتجاوز اخضاع هذا الملف للحسابات السياسية؛ إذ من المؤسف أن الأسرى يمنيون والمتفاوضون كذلك.
وشهد اليمن صفقات تبادل عديدة للأسرى والجثامين من خلال وسطاء محليين، فيما تم الإفراج عن أسرى بمبادرات من طرف واحد.
أحمد الأغبري