تحت ضغط الهجمات.. هل تنخرط دول الخليج في الحرب؟
الرأي الثالث - وكالات
بين ليلة وضحاها، وجدت دول الخليج نفسها في قلب معركة مفتوحة، بعدما تحولت سماء المنطقة إلى مسرح للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، في مشهد غير مسبوق من حيث الحجم والكثافة.
المطارات والمصافي والموانئ، وحتى المناطق السكنية، دخلت دائرة الاستهداف، لتتحول الجغرافيا الخليجية إلى ساحة حرب، قد تؤدي إلى نتائج كارثية في حال استمرت واتسعت وازدادت عنفاً.
سارعت دول مجلس التعاون إلى تفعيل منظومات الدفاع الجوي، وإغلاق أجوائها جزئياً، وتعزيز التنسيق العسكري المشترك، فيما تحركت دبلوماسياً عبر استدعاء السفراء وعقد اجتماع وزاري استثنائي لتوحيد الموقف.
وفي خضم هذا التصعيد غير المسبوق، تجد حكومات الخليج نفسها أمام تحدٍّ مصيري؛ إما الاكتفاء بالدفاع الحازم وضبط النفس المدروس حفاظاً على استقرار الداخل وأمن الطاقة، أو الانتقال إلى مستوى ردّ قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية أوسع لا يمكن التحكم بمآلاتها.
تصعيد خطير
وفق بيانات رسمية، اعترضت دول الخليج خلال اليومين الأولين أكثر من 1500 صاروخ وطائرة مسيّرة، في أكبر اختبار عملي لمنظومات الدفاع الجوي الخليجية منذ عقود.
كما أعلنت الإمارات أنه منذ بدء الهجوم رُصد 174 صاروخاً باليستياً باتجاه أراضيها، دُمّر 161 منها وسقط 13 في البحر،
كما تم رصد 689 طائرة مسيّرة، أُسقط 645 منها، فيما سقطت 44 داخل أراضي الدولة، ما أسفر عن 3 وفيات و68 إصابة بسيطة، وفق بيان وزارة الدفاع الإماراتية.
قطر، من جانبها، أعلنت تعرضها لأكثر من 100 صاروخ وعشرات المسيّرات، مؤكدة إسقاط العديد منها، إضافة إلى إسقاط طائرتين من طراز "سو-24"، فيما شاركت قواتها الجوية والبحرية في عمليات الاعتراض، بحسب بيان وزارة الدفاع.
في حين قالت الكويت إنها تعاملت مع 178 صاروخاً باليستياً و384 طائرة مسيرة في مختلف أجواء البلاد منذ بداية "العدوان الإيراني"،
في حين اعترضت السعودية عشرات المقذوفات، بعضها استهدف قاعدة الأمير سلطان الجوية، ومحيط مصفاة رأس تنورة، والسفارة الأمريكية بالرياض.
كما تلقت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بلاغات عن رسائل تتعلق بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما أكده الحرس الثوري أيضاً، بالتزامن مع استهداف وإغراق ناقلات وسفن قبالة سواحل المنطقة، ما يرفع منسوب القلق بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
مواقف محسوبة
رغم حجم الضربات، بقي الرد الخليجي حتى الآن في إطار الدفاع الحازم دون إعلان انتقال إلى رد هجومي مباشر، بيان الاجتماع الاستثنائي الخمسين للمجلس الوزاري لمجلس التعاون أكد احتفاظ الدول بحقها القانوني في الرد وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة وقف التصعيد والتمسك بالحوار.
المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، قال في مقابلة مع "CNN" إن الضربات الإيرانية "لا يمكن أن تمر دون رد"، مؤكداً أن توقيت وطريقة الرد بيد القيادة القطرية.
وأشار إلى أن الدوحة اختارت سابقاً السلام عندما كانت هناك فرصة اتفاق، "لكن هذا لا يمكن أن يحدث في كل مرة"، وهو ما يعكس تحولاً في المزاج الرسمي من التهدئة المطلقة إلى الردع المشروط.
وكالة "فرانس برس" نقلت عن مصدر مقرّب من الحكومة السعودية أن المملكة قد ترد عسكرياً في حال ثبوت تنفيذ هجوم إيراني "منسّق" على منشآتها النفطية، في إشارة واضحة إلى حساسية قطاع الطاقة وحدود الصبر الاستراتيجي.
في المقابل، نقلت وسائل إعلام أمريكية عن الرئيس، دونالد ترامب، قوله إنه لا يعتقد أن دول الخليج بحاجة إلى الانضمام إلى الولايات المتحدة في ضرب إيران، رغم تعرض بعضها لهجمات، في محاولة لاحتواء توسع دائرة الحرب.
كما استدعت السعودية وقطر والكويت سفراء إيران لديها للاحتجاج، فيما أعلنت الإمارات إغلاق سفارتها في طهران وسحب بعثتها الدبلوماسية، في خطوة تصعيدية دبلوماسياً تعكس حجم التوتر.
كلفة باهظة
موقع الخليج، بقدر أهميته في معادلات الأمن والطاقة العالميين، يتحول في أوقات الحرب إلى عبء استراتيجي ثقيل. فالمنطقة مصدر رئيسي لما يقارب ثلث صادرات النفط المنقولة بحراً في العالم، ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من الإمدادات العالمية.
ويعني أي انزلاق إلى مواجهة مفتوحة تهديداً مباشراً لأسواق الطاقة، وارتفاعاً في كلفة التأمين البحري، واحتمال إعادة تسعير المخاطر في المنطقة بأكملها،
وحذرت تقارير اقتصادية غربية من أن تصنيف الخليج "منطقة حرب" قد يرفع أقساط التأمين بنسبة كبيرة ويضغط على سلاسل الإمداد.
سياسياً، برزت أصوات تحذر من الانجرار للحرب، فدعا الشيخ حمد بن جاسم بن جبر، رئيس وزراء قطر الأسبق، على منصة "إكس"، إلى تجنب المواجهة المباشرة مع إيران.
واعتبر الشيخ حمد أن الاشتباك المباشر سيستنزف موارد الطرفين ويتيح لقوى أخرى التحكم بمسار المنطقة، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة موقف خليجي موحد رادع.
أما الخبير الأمني اللواء البحري المتقاعد سويد العبكل، فرأى، في تدوينة على منصة "إكس"، أن ما يجري "اختبار لصلابة الخليج من الداخل"، محذراً من تحول المواجهة إلى "حرب أعصاب" تستهدف المزاج العام والثقة الداخلية،
مؤكداً أن ضبط النفس ليس ضعفاً بل قوة دولة تملك قرارها.
الاحتواء التدريجي
ويرى الدكتور محمد العريمي، الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، أنه بإمكان دول الخليج الاستمرار في سياسة الردع الدفاعي مدة معتبرة ما دام أن الهجمات تبقى ضمن مستوى يمكن احتواؤه عبر أنظمة الدفاع الجوي وتعزيز الأمن البحري والتنسيق الاستخباراتي مع الحلفاء.
إلا أن العريمي، يرى أن هذه السياسة "تصبح أكثر هشاشة إذا تحولت الضربات إلى نمط متكرر يستهدف منشآت استراتيجية أو يتسبب في خسائر بشرية كبيرة"،
مبيناً أن بعض هذه الدول، قد تضطر إلى تنفيذ ردود محدودة ومدروسة لفرض معادلة ردع جديدة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
واستطرد العريمي قائلاً:
يمكن لمجلس التعاون لدول الخليج العربية تحقيق التوازن عبر تثبيت مبدأين متوازيين وحدة الموقف السياسي والأمني من جهة واحتفاظ كل دولة بحقها السيادي في الرد إذا تعرضت لتهديد مباشر من جهة أخرى.
يتحقق ذلك من خلال التنسيق المسبق وتبادل المعلومات وتحديد أطر واضحة للرد الجماعي عند وقوع هجمات كبرى، مع ترك هامش للتحرك الوطني عند الضرورة، وحدة الموقف تمنح قوة ردع أكبر بينما السيادة الوطنية تضمن سرعة القرار عند الطوارئ.
السيناريو الأكثر ترجيحاً إذا استمرت الضربات المتبادلة هو الاحتواء التدريجي المدعوم بجهود دبلوماسية وضغوط دولية لمنع توسع المواجهة خاصة نظراً لحساسية أسواق الطاقة وممرات الملاحة أما التصعيد الإقليمي الأوسع فيظل احتمالاً قائماً إذا وقعت خسائر بشرية كبيرة أو استُهدِف قطاع الطاقة بشكل منسق ومباشر.
انخراط الخليج الكامل سيبقى مرتبطاً بمدى تحول التهديد إلى خطر وجودي مباشر، بينما تجنب التصعيد يعتمد على استمرار قنوات الوساطة وفاعلية الردع الدفاعي وارتفاع كلفة الحرب على جميع الأطراف.
الاستنزاف المحسوب
وقريب من ذلك يرى الأكاديمي المختص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج والشرق الأوسط، عبد الله باعبود، أن دول الخليج يمكن أن تستمر في الردع الدفاعي ما بقيت الهجمات تحت سقف "الاستنزاف المحسوب"، ولم تتحول إلى ضربات واسعة تُحدث خسائر بشرية كبيرة أو تشلّ قطاع الطاقة أو أي قطاع حيوي.
وأضاف، أن "فلسفة الخليج تقليدياً تقوم على احتواء التهديد لا توسيعه، لأن أي انتقال إلى رد هجومي مباشر قد يفتح باب تصعيد لا يمكن ضبطه، ويحوّل أراضيه إلى ساحة حرب مفتوحة وهذا ما تحاول دول الخليج تجنبه.
ومن وجهة نظر الأكاديمي باعبود، فإن موازنة الموقف الجماعي مع القرار السيادي، يكمن في صيغة مزدوجة:
- موقف سياسي وأمني خليجي موحّد في الإدانة والدفاع المشترك، مع ترك هامش سيادي لكل دولة في تحديد طبيعة الرد ضمن إطار تشاوري، وحدة الخطاب ضرورية للردع، لكن خصوصية القرار الوطني تظل قائمة إذا ارتفعت كلفة الهجمات.
- السيناريو الأكثر ترجيحاً هو احتواء تدريجي بضبط الإيقاع، لأن كلفة التصعيد الإقليمي الشامل ستكون باهظة على الجميع، خصوصاً على أسواق الطاقة والملاحة.
- أما ما قد يدفع الخليج للانخراط الكامل فهو في حالة ما كانت هناك خسائر بشرية كبيرة ومتكررة، ضربات منسقة تعطل صادرات الطاقة، فشل قنوات الوساطة، أو ضغط قوي ومباشر من التحالفات الأمنية في ظل استمرار العدوان عليها.
- وفي المقابل، ما يدفعه لتجنب الانخراط هو إدراكه أن حرباً شاملة تعني خسارة استراتيجية حتى لو تحققت مكاسب تكتيكية.