الوظائف بمواجهة الخوارزمية... هل يعيد الذكاء الاصطناعي توزيع العمل لا تدميره؟
لم يكن ينقص الأسواق سوى تقرير يتنبأ بـ"قيامة الوظائف" حتى تتسارع موجات البيع في البورصات. فخلال الأيام الماضية، انتشر تقرير مثير يتخيّل مستقبلاً يُحدث فيه الذكاء الاصطناعي صدمة عنيفة في سوق العمل تقود إلى ركود عميق، وربما أزمة مالية.
وسرعان ما تفاعل المستثمرون مع السيناريو الكارثي، وكأن الانهيار بات مسألة وقت.
تاريخ الاقتصاد الحديث يقدّم إجابة مغايرة، وفقاً لتقرير أوردته وول ستريت جورنال اليوم الجمعة، مشيرة إلى أن التكنولوجيا، بطبيعتها، تتيح إنتاج سلع وخدمات أكثر وبجودة أعلى وبعدد ساعات عمل أقل.
وعلى المدى الطويل، يجعل ذلك الاقتصادات أكثر ثراءً. قبل قرن ونصف القرن، كان جزء كبير من القوة العاملة الأميركية يعمل في الزراعة،
بينما اليوم يُنتج الغذاء بكميات تفوق أضعاف الماضي بعدد أقل بكثير من المزارعين. وكذلك الأمر في الصناعة، حيث تصنع المصانع منتجات أكثر مما كانت تفعل في سبعينيات القرن الماضي، رغم تقلّص عدد العمال.
صحيح أن كل موجة تكنولوجية تسلب بعض الأفراد وظائفهم، خصوصاً أولئك الذين يمكن استبدال مهاراتهم بسهولة. لكن الخسائر عادة ما تُعوض عبر ثلاث آليات مترابطة:
أولاً، تعزّز التكنولوجيا إنتاجية شريحة من العاملين وترفع أجورهم.
ثانياً، تخلق قطاعات وأنشطة جديدة لم تكن موجودة.
ثالثاً، تخفّض الأسعار، ما يزيد القدرة الشرائية للمستهلكين ويولّد طلباً إضافياً على سلع وخدمات أخرى، وبالتالي وظائف جديدة.
لهذا السبب، لم تؤدِ الطفرات التكنولوجية السابقة، بمفردها، إلى رفع معدلات البطالة على مستوى الاقتصاد ككل في الولايات المتحدة.
مع ذلك، يجادل المتشائمون بأن هذه المرة مختلفة. فالذكاء الاصطناعي، في رأيهم، لا يستبدل مهارة محددة، بل ينافس الإنسان في العمل المعرفي عامة.
وفي هذا السياق، تنقل الصحيفة ما كتبه المستثمر في مجال الذكاء الاصطناعي مات شومر (Matt Shumer) من أن هذه التقنية "ليست بديلاً عن مهارة بعينها، بل بديل عام للعمل الذهني"، مشيراً إلى أنها تتحسن باستمرار في أي مجال يُعاد التدريب عليه. أما شركة الأبحاث سيتريني (Citrini Research) فقد نشرت تصوّراً تخيلياً لعام 2028 رأت فيه أن عنقوداً واحداً من معالجات الرسوميات قادر على إنجاز ما يعادل عمل آلاف الموظفين المكتبيين، واصفة ذلك بأنه أقرب إلى "جائحة اقتصادية" منه إلى معجزة إنتاجية.
غير أن البيانات المتاحة حتى الآن لا تعكس هذا الانقلاب الجذري. هنا، تنسب الصحيفة إلى تحليل أجراه الخبير الاقتصادي جيمس بيسن (James Bessen) استناداً إلى بيانات وزارة العمل الأميركية، أن عدد مطوّري البرمجيات زاد بنحو 5% في يناير/ كانون الثاني، مقارنة بالعام السابق، وهي وتيرة تتماشى مع الاتجاه التاريخي الممتد لعقود. أما مبرمجو الحاسوب، فانخفض عددهم بشكل طفيف،
لكن هذا التراجع يعود إلى مسار طويل الأمد سبق ظهور تشات جي بي تي (ChatGPT) أواخر عام 2022. وحتى الأجور لم تُظهر مؤشرات على ضغط واسع، إذ ارتفع الفارق في دخل خريجي علوم الحاسوب الشباب مقارنة بغيرهم خلال السنوات الأخيرة، ما يوحي باستمرار الطلب القوي على مهاراتهم.
كما أن إنفاق الشركات على البرمجيات سجّل نمواً لافتاً، ما يشير إلى أن انخفاض كلفة الأداء بفضل الذكاء الاصطناعي يحفّز الطلب بدلاً من كبحه. وبحسب الصحيفة، فإن هذه الديناميكية ليست جديدة. ففي القرن التاسع عشر، لم تُنهِ آلات النسيج وظائف القطاع، بل وسّعت إنتاجه. وفي ثمانينيات القرن الماضي، لم تؤدِ أجهزة الصراف الآلي إلى اختفاء موظفي البنوك، بل أعادت توزيع مهامهم.
ومع انتشار برامج الجداول الإلكترونية مثل لوتس (Lotus 1-2-3) وإكسل (Microsoft Excel)، تراجع عدد مدخلي الدفاتر، لكن عدد المحاسبين والمحللين الماليين ارتفع بفضل الأدوات الجديدة. وحتى بعد إطلاق غوغل ترانسلايت (Google Translate)، ازداد عدد الوظائف المرتبطة بالمترجمين في الولايات المتحدة على مدى السنوات اللاحقة.
يبقى أن المخاطر لا تختفي تماماً. فلو دخل الاقتصاد في ركود لأسباب أخرى، قد تستغل الشركات الظرف لتسريع خفض الوظائف عبر الأتمتة. كما أن تضخم الاستثمارات في مراكز البيانات مقارنة بالعائدات الفعلية قد يخلق فقاعة تنفجر لاحقاً، على غرار ما حدث بعد انفجار فقاعة الإنترنت مطلع الألفية. غير أن هذا السيناريو يرتبط بدورات الاستثمار والأسواق، لا بانهيار شامل ودائم لسوق العمل بفعل التكنولوجيا وحدها، حسب ما تستنتج الصحيفة نفسها.