"شبابيك" محمد منير... أغانٍ تهبّ من نافذة فُتحت قبل 45 عاماً
حين صدر ألبوم "شبابيك" في أكتوبر/تشرين الأول 1981، كان محمد منير لا يزال مطرباً شاباً يبحث عن موقعه في مشهد غنائي بدأت قواعده تتغير، مع اتساع سوق الكاسيت وظهور أجيال جديدة من الشعراء والملحنين والموسيقيين.
جاء الألبوم ثالثاً في مسيرته، بعد "علموني عينيكِ" و"بنتولد"، جامعاً أسماء ستمنحه لاحقاً مكانته الخاصة في الأغنية المصرية، من أحمد منيب ويحيى خليل وبليغ حمدي، إلى عبد الرحيم منصور ومجدي نجيب وفؤاد حداد.
في الذكرى الخامسة والأربعين على صدوره، تبدو أهمية الألبوم أكبر من كونه محطة مبكرة في مسيرة منير؛
فقد كان من الأعمال التي كشفت عن اتجاه يروج له صوت قادم من الجنوب، وشعر خارج القوالب المألوفة، وموسيقى تفتح الباب أمام الجاز والروك من دون أن تتخلى عن جذورها المصرية.
صادف مشروع منير أو صادفته لحظة بدأت فيها الأغنية المصرية تفقد حكم اللون الواحد، لتتعدد في صورة أصوات وتجارب تبحث عن لغة موسيقية أخرى، وكان منير ممن استفادوا من هذه اللحظة وأكثرهم مساهمة في تشكيلها.
لم يكن القديم قد انتهى تماماً، لكن الجديد كان قد بدأ في الظهور.
ففي نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، دخلت الأغنية المصرية مرحلة انتقال واكبت الانفتاح الاقتصادي، وتغير تركيبة الجمهور الاجتماعية، موازاةً مع اختفاء أباطرة الغناء المصري من الصورة، كلها عوامل فتحت المجال أمام أصوات وتجارب وألوان موسيقية أكثر تنوعاً.
وفي حالة منير، لم يكن الاختلاف في صوته وحده، بل في صورته أيضاً.
فالمغني الأسمر البشرة ظهر بهيئة ابتعدت عن الصورة التي اعتادها الجمهور للنجم الغنائي آنذاك. وهو ما تحدث عنه لاحقاً بمرارة كسبب في تأخير حضوره فنياً مقارنة ببعض أبناء جيله.
وربما دفعه هذا الشعور إلى البحث عن مساحة لا ينافسه فيها الآخرون، ووقع عليها في منطقة تتقاطع فيها الأغنية الشعبية مع الشعر الحديث، وهوية النوبة مع هوى العاصمة، والموسيقى المحلية مع تأثيرات الجاز والروك، وكان دليله في بلوغها جماعة من الشعراء والملحنين رأوا فيه صوتاً صالحاً لأغنية أخرى.
كان هاني شنودة أول من أسرَّ إلى منير أن مساحة الأغنية الاجتماعية والسياسية أكثر ملاءمة لصوته من مثيلتها التجارية الخفيفة التي سيستقبلها آخرون من جيله، ليقدم للملك ألبومين هما: "علموني عينيكِ" و"بنتولد"، ويحققا حينذاك نجاحاً مهد الوصول إلى جمهور أوسع.
هذه المقدمات هي التي أفسحت المجال واسعاً أمام ألبوم "شبابيك" لأن يكون واحداً من الأعلى مبيعاً في تاريخ الكاسيت، بعدما ضم ثماني أغان كتبها الشعراء الكبار عبد الرحيم منصور ومجدي نجيب وفؤاد حداد وشوقي حجاب، ولحن معظمها أحمد منيب، إلى جانب بليغ حمدي وحسين جاسر ويحيى خليل.
خمسة ألحان حملت اسم منيب: "الليلة يا سمرة" و"شبابيك"، و"شجر الليمون"، و"ع المدينة"، و"يا زماني"، ليطعّم منيب، في هذه الأعمال، الأغنية المصرية الحديثة بعناصر من الموسيقى النوبية في صيغة ابتعدت بها عن الإطار الفولكلوري.
ثم جاء دور يحيى خليل العائد من الولايات المتحدة بخبرة الجاز والروك، ليغير طريقة سماع هذه الألحان، من خلال أعضاء فرقته الذين كانوا شركاء في صناعة الأغاني.
ويظهر ذلك بوضوح في "الكون كله بيدور"، إذ تضع المقدمة الموسيقية المستمع داخل عالم الأغنية؛ الجيتار والدرامز يحددان الإيقاع والحركة، ثم يدخل منير إلى بناء موسيقي اكتملت ملامحه بالفعل.
وهي طريقة جاءت مختلفة عن الصيغة الشائعة وقتها، التي يتقدم فيها المطرب لتقتفي الآلات آثار صوته.
الأمر نفسه يتكرر في "شبابيك"، فلحن منيب ذو الطابع النوبي، أعادت الفرقة تقديمه من خلال منح الآلات الموسيقية حضوراً أكبر.
يبدأ الدرامز في ضخ نبض واضح ومستمر للأغنية، ثم تتبعه بقية الآلات في جمل قصيرة، بحيث يصبح صوت منير جزءاً من حركة الفرقة لا صوتاً منفرداً تكتفي الآلات بمرافقته.
ومن هذه الزاوية أيضاً، تبدو "أشكي لمين" مثالاً مهماً، فالأغنية التي لحنها بليغ حمدي، انطلقت بطبيعة الحال من تقاليد اللحن المصري التي كان فيها صوت المطرب هو مركز الأغنية، فغيرت فرقة يحيى خليل طريقة تقديمها من دون أن تغير جوهرها.
ظل لحن بليغ واضحاً في الجملة الغنائية وفي إحساسه الشرقي، لكن الدرامز والغيتار والكيبورد وهبوا الأغنية مزاجاً مختلفاً، وازنت فيه الآلات الموسيقية وصوت منير.
ما ميز "شبابيك" كذلك أن كلمات أبرز أغانيه لم تُكتب خصيصاً ليغنيها منير، فجاءت تعبيراً صادقاً عن حالات وتجارب عاشها شعرائه، وكان أغلبها بطبيعة الحال سابقاً على المشروع الغنائي.
فالأغنية التي حملت اسم الألبوم "شبابيك"، كتبها مجدي نجيب من وحي تجربته في الاعتقال السياسي.
لذلك تبدو أبلغ من أن تكون مجرد استعارة عن الحب؛ لتعبر في طبقة من طبقاتها عن شخص يقف خلف نافذة، يبصر العالم ولا يستطيع وصله، والأمر نفسه في "الليلة يا سمرة" التي كتبها فؤاد حداد بسجن الواحات في مطلع الستينيات.
وفي الليلة نفسها، لحنها زميلهما في الزنزانة أحمد منيب، وغناها رابعهما المطرب محمد حمام بين رفاقه في السجن. وبعد عقدين تقريباً، وصلت الأغنية إلى محمد منير ليضمها إلى ألبومه.
ومن تلك الزاوية، كذلك يمكن قراءة "شجر الليمون"، التي كتبها منصور في إسقاط على القضية الفلسطينية؛
فشجر الليمون يصور الفلسطيني المرابط على أرضه، لكنه يتعرض لما يجعل البقاء باهظ الثمن: "كم عام ومواسم عدوا... وشجر الليمون دبلان على أرضه".
أما "ع المدينة"؛ فلحن مأخوذ من ثيمة الأغنية النوبية التراثية "إسكاليلو"، وهي مادة موسيقية تنتمي إلى الذاكرة التي جاء منها منيب ومنير.
وحين سمعه عبد الرحيم منصور كتب له نصاً جديداً: "لفوا بينا قالوا لينا.. قالوا بينا ع المدينة...". لتتحدث الأغنية بلسان شاعرها الآتي من دندرة بقنا ومغنيها المهاجر من أسوان وغيرهم من الذين دُفعوا إلى الانتقال إلى المدينة، بعدما قيل لهم إنها ستكون مكاناً أفضل.
وهناك يكتشفون أن ما كان مألوفاً في حياتهم الأولى لم يعد موجوداً: "لما جينا والتقينا.. كل شيء فيها ناسينا".
ليقدم هذا العمل وغيره من أغاني الألبوم شعراً له قيمة خارج الغناء التجاري، وألحاناً تستند إلى أكثر من تقليد موسيقي، وفرقةً شاركت في بناء عالم الأغنية، وصوتاً يملك هوية واضحة من دون أن ينغلق على لون واحد.
وإلى جانب صوت منير والكلمات والألحان والتوزيع، امتد التميز إلى المكان الذي جرى فيه إعداد المشروع الغنائي، لينسجم مع رومانسية غلفت حكاية الألبوم.
فالبروفات، التي استمرت عاماً كاملاً، جرت في مبنى ملحق بكنيسة بميدان الإسماعيلية في مصر الجديدة، وفره أبونا عجمي للموسيقيين والفرق التي تحتاج إلى مكان للتدريب.
هناك اجتمع منير ومنيب وخليل وفتحي سلامة وعزيز الناصر ومايكل كوكيز، فاتسع الوقت للتجريب، وللاحتكاك المباشر بين موسيقيين انتموا إلى خلفيات مختلفة، لإعداد عمل سيصنف لاحقاً واحداً من أهم الأعمال الغنائية في القارة الأفريقية خلال القرن العشرين.
مثّل "شبابيك" أرضاً جمعت منيب وبليغ حمدي ويحيى خليل، من دون أن يضطر أحدهم إلى التخلي عن جذوره، ومنها انطلق شعراء مثل فؤاد حداد ومجدي نجيب وعبد الرحيم منصور إلى جمهور أكبر، وعليها حقق مطرب نوبي الملامح حلمه في أن يصبح واحداً من أكثر الأصوات تعبيراً عن المدينة.
محمد السيد الطناوي