"حرب الناقلات"... الكابوس الذي يخشى العالم تكراره في الخليج
تذكّر الحرب الدائرة في المنطقة بكابوس عرفته أسواق الطاقة العالمية إبان الحرب العراقية الإيرانية، 1980-1988، حين أصبحت ناقلات الطاقة في المنطقة هدفاً للأعمال العدائية بين الجانبين، ما أدى إلى إصابة 200 منها.
خلال تلك السنوات، زرعت قوات البلدين ألغاماً في مضيق هرمز وفي الخليج، وأطلقت صواريخ "إكزوسيت" الفرنسية و"سيلكوورم" الصينية على الناقلات العابرة.
واضطرت السفن الكويتية إلى رفع العلم الأميركي، ما استدعى نشر 35 سفينة حربية أميركية لمرافقة الشحنات. ومع ذلك استمر تدفق النفط، لكن بقدر كبير من الخسائر التي كان ضحاياها مدنيين في أحيان كثيرة.
ورغم أن الصراع الحالي لا يزال في بدايته، فإن المراقبين العسكريين والأسواق المالية يحبسون أنفاسهم تجاه ما سيحمله التصعيد مستقبلاً، إذا قدّر لهذه الحرب أن تستمر لأسابيع أو شهور عديدة، وليس لثماني سنوات كما حدث بين العراق وإيران.
وتوحي التقييمات الراهنة بأنّ كل الأطراف لا تستبعد تكرار كابوس "حرب الناقلات"، فقد أغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز أمام ناقلات الطاقة، حتى لو لم تعلن ذلك، رسمياً،
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداد بلاده لتوفير سفن حربية لمرافقة الناقلات في مياه هرمز والخليج لضمان سلامتها، مذكراً بما فعلته واشنطن في ثمانينيات القرن الماضي، لكن تلك التعهدات والتهديدات تؤكد ولا تنفي أن الأخطر لم يأتِ بعد.
فمنذ شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما على إيران السبت الماضي، أُصيبت ست ناقلات على الأقل في الخليج، ما أدى إلى توقف شبه كامل لحركة الملاحة عبر المضيق.
كذلك استهدفت إيران بنى تحتية للطاقة في قطر والسعودية. وارتفعت أسعار النفط بشكل حاد. فمضيق هرمز هو نقطة الاختناق العالمية للنفط والغاز، إذ يمر عبره ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً وخمس صادرات الغاز الطبيعي المُسال.
وعود ترامب
لكن تعهد الرئيس الأميركي بتأمين الحماية لناقلات الطاقة لن يكون قيد التنفيذ في الوقت الراهن، فالولايات المتحدة وإسرائيل لا تزالان منشغلتين بالحرب الهجومية على إيران.
ومن الصعب مقارنة وضع واشنطن في الحرب الراهنة بدورها الحمائي في حماية الناقلات خلال الثمانينيات، إذ إنّ القوات الأميركية طرف في الحرب الراهنة بسفنها وطائراتها، بينما لم تكن كذلك في الحرب العراقية – الإيرانية.
ورغم التأثير الإيجابي المؤقت الذي تركته تصريحات ترامب في أسواق الطاقة، فإن محللين عسكريين تحدثوا إلى "فاينانشال تايمز" استبعدوا أن تدخل تلك التعهدات موضع التنفيذ قبل أسبوعين إن حدث.
ونقلت الصحيفة عن جون ميلر، القائد السابق للأسطول الأميركي الخامس، أن لدى الولايات المتحدة على الأرجح ما يكفي من السفن في المنطقة لبدء المرافقة، لكنها ستواجه "صواريخ مضادة للسفن وطائرات مسيّرة وزوارق سريعة صغيرة"
إضافة إلى أي ألغام قد تزرعها إيران. ويضيف ميلر أنّ القوانين الأميركية لا تسمح أيضاً للسفن الحربية بمرافقة سفن لا ترفع العلم الأميركي أو لا يملكها أميركيون أو لا يعمل عليها طاقم أميركي، في حين أن السفن ذات الصلات الرسمية بالولايات المتحدة نادرة في الخليج، حيث تتوجه معظم إمدادات الطاقة من المنطقة إلى آسيا والصين بالأساس وبدرجة أقل إلى أوروبا.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد قرر توسيع مهمة قوته البحرية "اسبيدس" التي تضم ثلاث سفن من فرنسا وإيطاليا واليونان مكلفة حماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، لتشمل مضيق هرمز، بعدما أكد الاتحاد منذ اليوم الأول للحرب تزايد عمليات التشويش والاستهداف للسفن التجارية في المنطقة.
القوة الإيرانية
ترامب الذي تبدي إدارته تخبطاً في تحديد مسار الحرب أو أهدافها، أكّد في أكثر من تصريح أن العسكرية الأميركية - الإٍسرائيلية قد قضت على سلاح البحرية الإيرانية.
ورغم أنه لا ينبغي التهوين من تلك التصريحات، فإن قدرات إيران على تعطيل الملاحة في الممرّ المائي الحيوي لا تتطلب انخراطاً في حرب بحرية، بل تتطلب أدوات يعتبرها المحللون متاحة لطهران بوفرة مثل:
- الزوارق المسيّرة، وهي تضرب هيكل السفن عند خط الماء "كي تتسبب بأقصى قدر من تسرب المياه"، وغالباً ما تستهدفها من الخلف، ما يؤدي إلى غمر غرفة المحركات وغرق السفينة.
- الزوارق الهجومية السريعة المسلحة بصواريخ وقذائف قصيرة المدى.
- الألغام البحرية، حيث تمتلك إيران مخزوناً كبيراً منها يراوح بين ألغام روسية قديمة تعمل بالملامسة وأجهزة تعمل بالدفع الصاروخي.
- الصواريخ المضادة للسفن، إذ تمتلك إيران صواريخ صينية مضادة للسفن من طراز C-802.
غياب التأمين
حتى الآن، أُصيبت ست سفن في المنطقة، وأعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته عن هجوم واحد على الأقل. لكن التأثير كان رادعاً لشركات الشحن ومستأجري السفن. وتشير تقارير ملاحية إلى اكتظاظ الممر المائي بحوالى 700 ناقلة غير قادرة على مغادرة مياه المنطقة.
تزايد حجم المخاطر دفع شركات التأمين إلى إلغاء بوالص التأمين ضدّ الحروب، كذلك وسّع سوق التأمين البحري في لندن الثلاثاء نطاق المناطق عالية المخاطر ليشمل البحرين وجيبوتي والكويت وعُمان وقطر، ما قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
وقالت منصة "أرغوس" المتخصصة في لندن يوم الأربعاء إن أسعار استئجار ناقلات النفط الخارجة من الخليج ارتفعت إلى مستويات قياسية، إذ زادت كلفة استئجار ناقلة من طراز "سويزماكس" بأكثر من الضعف.
وارتفع مؤشر "أرغوس" لناقلات النفط الخام، وهو مؤشر مركب لتكاليف الاستئجار عبر 15 من أهم طرق تجارة النفط في العالم، إلى 10.39 دولارات/ برميل يوم الثلاثاء، وهو أعلى مستوى منذ بدء بيانات المؤشر عام 2010.
كذلك ارتفع المؤشر نفسه للناقلات العملاقة جداً (VLCC) على خط ساحل الخليج الأميركي - الصين، شاملاً رسوم ميناء التحميل، إلى 29.55 مليون دولار للرحلة الواحدة، أي ما يعادل 14.19 دولاراً/برميل، وهو مستوى قياسي، بعد أن حجزت شركة مقرها تايلاند ناقلة للتحميل في إبريل/ نيسان من ساحل الخليج الأميركي مع خيار تفريغ الشحنة في الصين عند مستوى مماثل.
وتضمّن العقد رسوم التأخير عند 310 آلاف دولار يومياً، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 86 ألف دولار يومياً خلال العام الماضي.
تنطلق المعادلة العسكرية الإيرانية من أنّه "إذا لم نصدّر نفطنا، فلا نفط سيُصدر من المنطقة"، لكن هذه المعادلة أيضاً لها قيودها؛ فإيران تحتاج مداخيل الطاقة، لكي تواصل حملتها العسكرية، وفي نهاية المطاف سيتعين مرور النفط من مياه الخليج وهرمز،
لكن السؤال هو: متى وكيف؟