قبيل الأذان… أطفال يمنيون يتحولون إلى "شبكة توصيل" بين الأكواخ
تتنوع العادات الرمضانية في اليمن بتنوع تضاريس البلاد، بين الجبال والسهول والسواحل والأرياف والحواضر. بين المدن المكتظة والقرى المعزولة، يشكلها تنوعه الثقافي والاجتماعي في هذا الشهر،
وهو ما أضفى على وجبة الإفطار طقوساً تجسد اللحظة الأكثر حضوراً للهوية المحلية التي تعكس مكونات المائدة وأسلوب إعدادها وطريقة تناولها خصوصية كل منطقة.
وفي إحدى القرى الساحلية النائية بمديرية ميدي شمال غربي البلاد، حيث تمتد الكثبان الرملية ومنازل السكان المحليين المبنية من أكواخ الطين وسعف النخيل،
تبدو ملامح رمضان مختلفة، لكنها تمنح أهلها حميمية ودفئاً وجدانياً خاصاً، حيث لا تقاس المائدة بما تحتويه من أصناف، بل بما تحمله من روح المشاركة والتكافل الاجتماعي بين السكان على رغم ضيق ذات اليد في واحدة من أفقر المحافظات اليمنية.
أزقة الجود من القليل
قبيل دقائق من أذان المغرب تتحول الأزقة الرملية الضيقة إلى ما يشبه "شبكة توصيل" بشرية يقودها الأطفال. يتنقلون برشاقة بين الأكواخ حاملين في سواعدهم السمر النحيلة أطباق الطعام،
كل واحد بعثه أهله بما جادوا به، أولهم يحمل إبريق عصير، وآخر طبقاً من السمبوسة، وثالث حفنة من التمر، بينما يحمل غيرهم قطعاً من البطيخ أو أطباقاً بسيطة من الخضراوات أو خبز "اللحوح" المحلي الصنع المكون من خليط من الذرة كوجبة لا يستغنى عنها في رمضان.
لا تبدو هذه الحركة فوضوية، بل أشبه بطقس يومي منتظم يعرف الجميع أدواره فيه من دون اتفاق مسبق، فالأسر المتوسطة الحال والأخرى المحدودة الدخل تشترك جميعها في إعداد مائدة واحدة، إذ يذوب الفارق الاقتصادي أمام روح التراحم التي يوقظها الشهر الكريم.
وعند اكتمال وصول الأطباق التي جادت بها البيوت الدافئة، تجتمع القرية حول مأدبة جماعية على الأرض، تضم كبار السن والشباب والأطفال، والغريب وعابر السبيل، مائدة لا يملكها أحد بعينه، بل هي ملك للجميع تجسد معاني رمضان وطقوس التراحم والصفح.
يقول حسن مصبح، أحد أبناء مديرية ميدي الساحلية، إن شهر رمضان يمثل مناسبة سنوية جامعة لأهالي المنطقة، موضحاً أن "الناس قد يفترقون طوال 11 شهراً،
لكنهم يجتمعون في هذا الشهر المبارك حول مائدة إفطار واحدة، يلتقي فيها القريب والبعيد والجيران والأصدقاء في أجواء يسودها التراحم والتكاتف".
مائدة الجميع
وعلى رغم ما تمر به البلاد من وضع اقتصادي وإنساني صعب، يؤكد أن هذه المائدة الجماعية لا تميز بين غني وفقير، إذ "يتشارك كل بما يتوافر لديه، قليلاً كان أم كثيراً، لتصبح المائدة للجميع من دون فرق بين كبير وصغير أو قريب وبعيد".
وأشار مصبح إلى أن هذا التقليد متوارث عبر الأجيال في عدد من قرى ميدي، حيث تجتمع كل قرية أو حي على مائدة مشتركة "يتقاسمها الجميع، سواء من يملك الطعام أو من لا يملك، في صورة تعكس روح التآلف والتكافل التي يرسخها الشهر الكريم".
ويقول "هذا هو شهر رمضان المبارك هنا في مديرية ميدي، حيث يجتمع الناس على مائدة واحدة. يفترق الناس طوال 11 شهراً،
ثم يأتي شهر رمضان المبارك، المناسبة الغالية على قلوبنا، والروح الإيمانية التي يجدها الإنسان فيها، ليجتمع الناس هنا على مائدة الإفطار، ويلتقي الغريب والبعيد والأصدقاء والجيران".
نشوة الصغار الخالدة
وحتى يجسد هذا الشهر معاني التراحم والخير والتكاتف والتآلف، يرى مصبح أنه لا بد من أن يجتمع الناس كافة، "من لديه طعام ومن لا يملك إلا القليل، يجتمع الجميع هنا على مائدة واحدة".
كانت نشوة السرور والفرح تعلو وجوه الأطفال وهم يحملون أطباق الطعام إلى ملتقى المائدة العامة، كما يفعل صادق عبده ابن الـ12 سنة، الذي قال إنه ينتظر هذا الموعد كل يوم بترقب وفرح،
ليتشارك مع الكبار حمل ما تجود به أسرته من وجبات رمضانية، وهي طقوس يتمنى أن تطول بها الأيام التي تمثل له وأقرانه "أجمل أيام السنة" حد تعبيرهم.
يقول الآباء إن هذه العادة، علاوة على كونها سلوكاً غرضه تفقد الجار وبقاء روح التواصل الاجتماعي وروابط التكافل الوثيق بين أهل الحي،
فهي عادة تؤصل لدى النشء خصال البذل والعطاء وحسن الجوار والصلات الأهلية وغرس قيم العطف على العابرين والضعاف،
ولهذا لم يكن الجود بالقليل من الطعام للجار وتبادله في الوعاء نفسه غرضاً مادياً، بل مثالاً حياً للهوية الرمضانية التي تحدت فردانية العصر ومدنيته المادية الطاغية.
هشام الشبيلي
صحافي ومصور يمني