كيف وجدتَ دمشق؟
يسألونكَ. ولكن عن أي دمشق يتحدثون؟
دمشق اليوم، أم دمشق التي لم أرَها منذ أكثر من خمسين عاماً؟
سؤال يمزّق القلب. كيف لي أن أرى دمشق التي لم أعد أراها، تلك التي كنتُ ممنوعاً من رؤيتها منذ عقود؟
وكيف لدمشق التي أراها الآن أن تبعث في نفسي دمشق التي لم تعد مرئية؟
هذه المحادثة المربكة تكشف، على الرغم من بساطتها، علاقة الكائن المعقّدة بالمكان.
أنا في دمشق، الآن، فعلاً.. وأنا لست فيها، أيضاً. أنا في مدينة أخرى كان اسمها: دمشق.
وهي، الآن، تراني بصورة ترعبني، تهزّ مشاعري: صورة الكائن الذي أضاع مكانه، ووجدَه من جديد، غير أنه لم يجد فيه الفضاء الذي يبحث عنه:
فضاء الرغبة الحميمة في أن يحضن الكائن المكان بمن فيه. الرغبة هي التي تخلق الأمكنة التي نحبها، ونظل نبحث عنها، من دون أن نعثر عليها.
لكن الرغبة، هي الأخرى، مثل المدن، تتبدّل. وهي التي تلحّ علينا من أجل أن «نبدع» باستمرار مدناً جديدة تُعوّض الأخرى التي فقدناها إلى الأبد.
المدُن، هي الأخرى، كائنات حية: تولد، وتنمو، وتهترئ، حتى لا أقول تموت. لكن هذه الحال الطبيعية جداً لا تهمّني أنا الكائن المتيّم بدمشق. أريدها أن تظل كما كانت،
مع أنني أنا نفسي صرتُ كائناً آخر! لكن الرغبة في أن تستعيد ما لم تعد استعادته ممكنة لا تُقاوَم.
أن تبحث عن مدينتك الأولى هو أن تبحث عن صباك، عن عنفوان الشباب الأول، عن معنى الوجود المبهم الذي كان يسكن قلبك، عن الجهْل الخلاّق الذي دفعك لتطير مع الريح تاركاً خلفك كل شيء ممّا تحب وتكره،
عن الرحيل الذي كان حلماً فردوسيّاً قبل أن تمارسه، وقد قمتَ به، حاملاً مكانك الذي تبحث اليوم عنه.
لماذا تريد الآن أن تعود أدراجك إلى المكان الذي أخذته معك عندما رحلت؟ مكانك كان معك طيلة هذه السنوات،
فلماذا تبحث عنه في فضاء كنتَ قد فرّغته أنت نفسك من جوهره؟
تريد دمشق؟ أنظر الآن حولك، وقُلْ أين هي؟
ولكن لا تقل لي هي في القلب. القلب لا يتّسع لمكانين. هي الآن في عينيك، ولكنها ليست هي دمشق التي تبحث عنها. إنها أخرى غيرها لا تشبهها أبداً.
كما أنك أنت نفسك لم تعد تشبه الكائن الذي كنتَه من قبل، ذلك الكائن الذي احتضنتْه تلك «الدمشق» الأولى!
الآن، أنت وهي كائنان غريبان يلتقيان، من جديد، بعد أن تفارقا، من دون أن يعرف أحدهما الآخر، لكنهما لا يجهلان بعضهما،
أيضاً. ستسألني: وما معنى المعرفة في هذه الحال؟
لكن زحام المدينة المستجدة، وضجيجها، لا يسمحان لي بالإجابة.
أُخرجْ قليلاً من نفسك. المدينة التي تراها الآن هي ربيبة الأولى، ولكَ أن تحبها كما كنت تحب تلك التي تبحث عنها، وإلاّ ستعيش يتيماً، إلى الأبد. الحب رغبة، وليس منْحة مبذولة.
لا تخْشَ هذه المدينة المستجدة، إذن، وإنما انعدام الرغبة لديك. الرغبة هي التي تخلق الأمكنة والمعاني، وهي التي تجعل منهما أساطير يصعب الانفكاك منها.
أنت تعرف أن الابتعاد عن المكان يزيده شوقاً، ويُعظِّم مرائيه. أنظر! أنظر الآن تحت قدميك، واستخرج المدفون في أعماقك من الآهات.
المدينة التي تحبّها لم تفْنَ، هي الآن بين عينيك، ولكنك لم تعد ترى ما كنت تراه.
وما همّ. عليك أن تعود من نأيكَ لترى ما تريد أن تراه، أو لتتعوّد على رؤية ما لا تريد. من قبل مارستَ «كتابة المكان بعيداً عنه»،
واليوم تدرك أن الكتابة عنه ونحن فيه أمر مختلف جداً.
أمر يتعلّق بالضوء والبشر والتراب والماء، بالاشجار اليابسة والطرقات المكسّرة والأخاديد، بالزحام والضجيج واللباس وكيفية السير في الطرقات.
كل شيء يختلف عندما نكون في المكان الذي نحبه. حتى حبّنا له يتغيّر، وقد يتحوّل إلى عاطفة أخرى لم نكن نتصوّر أننا جديرون بها.
ماذا يعني ذلك، كله، غير أن للمكان وجوها لا حصر لها، وأن مشاعرنا العتيدة نحو الأمكنة والكائنات ليست أكثر من هُباب.
خليل النعيمي
كاتب سوري