وصية علي عنتر للأجيال- ولماذا لا يكفي حلّ المجلس الانتقالي!!
ما قام به المجلس الانتقالي وإعلامه، وكل من دعم توجهه في وطننا، لم يكن مشروع انفصال كما يزعمون او تمرد او انقلاب يمني على الشرعية مثل سلطة صنعاء،
بل كان مشروعاً لتدميرٍ ممنهجٍ للقيم اليمنية والعربية والإسلامية، ولتفكيك الجغرافية والتاريخ وروابط الأخوة التي تجمع أبناء الشعب اليمني يصعب على الاجيال أعادة اليمن بعدها لمسارها.
في تاريخ اليمن لم يُسجّل يوماً أن استُهدف حتى الأطفال في مدارسهم لفرض هوية غريبة عليهم. وشهدنا جميعاً كيف جرى التعامل مع النازحين — وهم من أكثر فئات شعبنا ضعفاً، شأنهم شأن ٩٥٪ من اليمنيين — حين نُقلوا في شاحنات إلى المحافظات الشمالية كما تُنقل المواشي، في انتهاكٍ صارخٍ للكرامة الإنسانية التي تصونها كل شعوب الأرض.
كما كان يُؤخذ الفقراء من الأسواق إلى وجهاتٍ مجهولة، فلا يعودون، وتظلّ أسرهم تبحث عن أبنائها وأزواجها المفقودين. وترافق ذلك مع انتهاكات وجرائم ومعتقلات جعلت الناس يشعرون وكأن البلاد عادت إلى عصور الإقطاع والظلم.
والأسوأ أنّ بعض المتعلمين انساقوا وراء هذا المسار، مرددين شعاراتٍ مضللة تزعم أن الفقراء سرقوا ثروات غيرهم! لكن الأيام ستكشف ملفات النهب والفساد، وستُظهر كيف أسهم المجلس الانتقالي في تدمير اليمن لعقودٍ، من خلال الخطف والاعتقالات، وبالتنسيق مع الإمارات في اغتيال أكثر من سبعةٍ وعشرين من شيوخ المساجد الذين رفضوا طمس الهوية اليمنية.
لقد تجاوز الانتقالي حدود التمرد على الأخلاق والقيم، فمزّق النسيج الاجتماعي، وعمّق الكراهية بين أبناء الوطن الواحد. حتى الأخلاق اليمنية، التي كانت مضرب المثل قبل الوحدة، أصبحت اليوم مهددة بالانقسام والضياع.
أذكر هنا حدثاً عميق الدلالة: فقد جمعنا سفير جمهورية اليمن الديمقراطية في برلين — شماليين وجنوبيين — في لقاء واحد، فكنّا إخوة لا يشوبنا تمييز، ولا يعلو بيننا سوى صوت اليمن الواحد. اليوم، نحن بحاجة إلى وعيٍ وطني صلب يعيد لليمن وحدته الأخلاقية والإنسانية.
فحلّ المجلس الانتقالي وحده لا يكفي؛ بل يجب محاسبة قياداته وإخضاعهم لمحاكمة عادلة على ما ارتكبوه، لأن معالجة آثار ما زرعوه من فتن ودمار تحتاج إلى عقدٍ ونصف من العمل المخلص.
ولو كانت هناك دولة معادية لليمن، لما استطاعت أن تفتك به كما فعل الانتقالي وأعوانه.
وهنا، ونحن نستعرض ما آلت إليه حال البلاد، يحسن أن نستحضر صوتاً من الذاكرة الوطنية الحيّة، صوت المناضل الراحل علي عنتر، الذي وقف أمام طلاب كلية التربية والتكنولوجيا بجامعة عدن، يخاطبهم من قلب التجربة والتاريخ
قائلاً: "لقد عانى آباؤكم من المآسي والويلات ما لم تعانوه أنتم. لقد نالنا في الشمال والجنوب ظلم الإمامة واستبداد الاستعمار، فُرض علينا التشطير والجهل والتخلّف، حتى صار التعليم حكراً على أبناء الميسورين،
بينما كنا نخزن حبّ القمح والذرة لسبع سنوات، لا لأننا نملك فائضاً منها، ولكن خوفاً من أن يأتي يوم لا نجد فيه ما نسدّ به الرمق."
وأضاف " يجب أن تعي الأجيال القادمة أن آباءهم وأجدادهم قد جسّدوا الوحدة الوطنية بأسمى معانيها، وأنّ ما لحق بهم من ظلمٍ وقهرٍ لم يزدهم إلا تلاحماً وإصراراً على البقاء معاً. فعندما كانت تنفد حبوبنا في الضالع،
كنّا نذهب إلى إب لنأتي بالذرة والقمح، لا إلى أستراليا ولا إلى غيرها، لأننا كنّا نؤمن إيماناً راسخاً بأن اليمن واحد، ومعاناته واحدة، وتاريخه واحد."
واستطرد مؤكداً "لقد كنّا نعطف على بعضنا البعض في الأزمات والشدائد، رغم أن خيرات البلاد وإمكاناتها كانت آنذاك حكراً على فئةٍ مستبدّة جمعت بين ظلم الإمامة واستعباد الاستعمار." وتساءل علي عنتر في محاضرته قائلاً: "ومن أنقذ هذا الوطن؟
أليست الثورة اليمنية — سبتمبر وأكتوبر — هي التي حررته من الاستبداد والإمامة والاستعمار؟ ومن سيُنقذ هذا الشعب اليوم من التشطير والتجزئة وموروثاتها؟
إنها الثورة ذاتها، روحها، ومبادؤها التي يجب أن تبقى حيّة فينا. فقد أراد أولئك الطغاة أن يشطّروا اليمن لا إلى قسمين فحسب، بل إلى مناطق متنافرة وقرى متباعدة، ليصبح ابن المسيمير غريباً في بلاد الحواشب، وصاحب العوالق يشعر أنه في غير وطنه متى غادر منطقته.
لقد أرادوا تمزيقنا قريةً قرية، ولو لم ننتفض حينها لتغيير تلك الحالة لأصبحت حياتنا هدراً بلا قيمة."
تلك الكلمات لم تكن مجرد حديثٍ للطلبة في قاعة جامعية تحديداً عام 1983، أي قبل 3 سنوات على استشهاده في أحداث يناير 1986، بل كانت وصية وطنية للأجيال القادمة،
نداءً أخلاقياً وتاريخياً بأن وحدة اليمن ليست شعاراً سياسياً، بل عهد دمٍ وكفاحٍ ومعاناةٍ مشتركة.
ولذلك فقد طالب من سيطرحون هذا التساؤل أو يشككون في واحدية الثورة اليمنية "سبتمبر وأكتوبر" بأن يحسنوا قراءة التاريخ جيداً لكي يعرفوا أن من صنع ثورة 26 سبتمبر و14 أكتوبر وحقق الاستقلال في الـ 30 من نوفمبر عام 1967 هم مناضلون من كل مناطق اليمن شمالاً وجنوباً.
اليوم، ونحن نعيش مرحلةً يتجدد فيها التشطير بأشكالٍ جديدة، يبقى صوت علي عنتر صادقاً في وجدان كل يمني: لا خلاص لليمن إلا بوحدته، ولا كرامة لشعبه إلا بعودته إلى قيم الثورة والوطنية والإنسانية الجامعة.