تعز تتجهز لشبح الحصار الشامل: تشكيلات شعبية لمواجهة الحوثيين
الرأي الثالث
على وقع التطورات العسكرية المتسارعة في جبهات الساحل الغربي، تدق محافظة تعز جنوب غربي اليمن، ناقوس الخطر، إذ تلوح في الأفق بوادر مرحلة بالغة الخطورة ترخي بظلالها الثقيلة على المشهد العام وسط تصاعد غير مسبوق في حالة التوجس والقلق الشعبي والرسمي.
فالتهديدات المستمرة بفرض حصار مطبق لم تعد مجرد تكهنات عسكرية عابرة أو تحليلات تحتمل الشك، بل تحوّلت إلى واقع ملموس تترجمه الاعتداءات المتكررة والمتصاعدة على جبهات المدينة الشرقية والغربية، وصولاً إلى جبهات الريف الممتدة من الأحكوم والصلو إلى جبل حبشي والوازعية ومقبنة.
وتتجسد هذه المخاوف اليوم على الأرض عبر تصعيد ميداني متسارع؛ إذ شهدت الساعات الماضية مواجهات ضارية واشتباكات عنيفة تركزت في محاور الدفاع الجوي وجبهات غرب تعز وجنوبها، بالتزامن مع إحباط القوات الحكومية محاولات تسلل حوثية في جبل حبشي ومنطقة بني عمر.
ولم تقتصر المواجهات على الاشتباكات البرية، بل امتدت لتشمل غارات جوية مركزة نفذتها مقاتلات القوات الحكومية مستهدفة تعزيزات وآليات حوثية في خط الستين ومحيط الكدحة والأحكوم،
فضلاً عن قصف مدفعي متبادل وإغلاق متكرر لمنفذ القصر الشرقي جراء القصف الحوثي، في مشهد يعكس ضراوة المعركة واشتعال جبهات القتال على مدار الساعة.
أهمية تعز الجغرافية والسياسية
ولتعز ثقل سياسي وجغرافي استراتيجي، وتمثل العثرة الأبرز في وجه تمدد الحوثيين، في ظل ضغط الجماعة باتجاه الخاصرة الشرقية والجنوبية للمحافظة
مستغلة أي تحولات في الخريطة العسكرية لتضييق الخناق بهدف فرض حصار شامل عبر السيطرة على المنفذ الجنوبي الوحيد الذي يربط تعز بالعاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، وهو ما يعني في حسابات الميدان محاولة لإسقاط المدينة بأقل التكاليف العسكرية وبأدوات الضغط المعيشي.
ولا يقتصر هذا القلق على البعد العسكري البحت، بل يحمل في طياته خوفاً حقيقياً من كارثة إنسانية واقتصادية تلوح في الأفق؛ فنجاح محاولات إحكام الطوق سيعني إغلاق المتنفس الأخير لتنقل الأفراد وتدفق السلع الأساسية والغذاء والدواء، مما يهدد بقطع سبل العيش لنحو أربعة ملايين نسمة يقطنون المحافظة ويزيد من معاناتهم.
وأمام هذا الكابوس المتجدد، يتعامل السكان مع التهديدات الراهنة بواقعية مريرة مدفوعة بتجارب قاسية سابقة لا تزال محفورة في الأذهان منذ أعوام الحصار الأولى، دافعةً إياهم للاقتناع التام بأن انتظار الحلول السياسية أو الرهان عليها لم يعد مجدياً، وأن الاستعداد الذاتي والاستنفار هو السبيل الأوحد لدرء شبح الموت بطيئاً.
تحرك استباقي وتعبئة شعبية
وأمام هذه التهديدات الداهمة، لم يكتفِ الشارع والمكونات المحلية بالترقب، بل اختاروا التحرك الاستباقي عبر إعلان حالة الاستنفار العام والتعبئة الشعبية الواسعة.
وعلى الصعيد السياسي والمؤسسي، برز "المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية" بوصفه مرجعية وطنية استشعرت خطورة المرحلة لتطلق نداءً بالنفير العام في كافة المحافظات والمديريات المحررة، ورصّ الصفوف للذود عن الأرض والعرض، مع توجيه مطالبة حازمة إلى مجلس القيادة الرئاسي بتحمل مسؤولياته وتسخير كافة الإمكانات لدعم معركة استعادة الدولة.
ولم تقتصر الاستجابة على البيانات السياسية والخطابات العامة، بل امتدت لتتجسد ميدانياً في حراك واسع وفاعل شمل مختلف المديريات عبر لقاءات موسعة جمعت الأعيان والوجهاء والشخصيات الاجتماعية بالقيادات الحزبية والأمنية والتنفيذية بهدف تجاوز الخلافات البينية وبناء جبهة داخلية صلبة ومحصنة.
وفي هذا السياق، عقدت لجنة الطوارئ في مديرية مشرعة وحدنان لقاءً موسعاً بحضور وكيل المحافظة لشؤون الدفاع والأمن اللواء الركن عبد الكريم الصبري، ووكيل المحافظة رئيس لجنة الحشد والإسناد الشيخ عارف جامل، وجرى التأكيد على طبيعة الموقف الميداني الحرج وضرورة رفع أقصى درجات الجاهزية.
بالتوازي مع ذلك، استعرض محافظ تعز نبيل شمسان مع وجهاء مديرية الشمايتين الاستعدادات الجارية لتعزيز وحدة الصف الداخلي، مشيداً بالدور المساند والدعم المستمر من السعودية، ومؤكداً أن أمن المحافظة يشكل أولوية قصوى تتطلب دمج الجهود الشعبية الرسمية ضمن خطة طوارئ شاملة تحصن الجبهة الداخلية وتضمن تنسيق الطاقات لمواجهة التحديات.
وتجاوزت هذه التحركات الإطار الخطابي والتوعوي لتنتقل إلى خطوات عملية ذات طابع تنظيمي ولوجستي؛ فبرزت "لجان الطوارئ" أداةً ميدانيةً فاعلة للتعامل مع التداعيات الإنسانية والأمنية المحتملة في حال فرض أي حصار محتمل،
إلى جانب تشكيل "لجان رفد الجبهات" المعنية بتأمين الدعم اللوجستي المستمر وتنظيم التعبئة العامة والانخراط في مسارات التجنيد الطوعي لرفد القوات المسلحة وإسنادها في مواقع الثغور.
وفي هذا السياق، أكد أمين سر التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري بمديرية مشرعة وحدنان، محمد العزي، أن هناك حالة إجماع وطني غير مسبوقة بين كافة المكونات السياسية والاجتماعية في محافظة تعز على دعم الحراك الشعبي المسلح، للذود عن المدينة جنباً إلى جنب مع قوات الجيش الوطني.
وأوضح العزي أن هذا الالتفاف الواسع يأتي إدراكاً عميقاً لخطورة التهديدات الماثلة، مبيناً أن "المليشيات الحوثية تستهدف تعز أرضاً وإنساناً، نظراً لمكانتها الاستراتيجية في عمق المشروع الوطني، باعتبارها صانعة الثورات، وعماد الجمهورية، وصمام أمان الدولة في مواجهة المشاريع الصغيرة".
وأضاف أن المليشيات تسعى للنيل من النظام الجمهوري عبر محاولة إخضاع تعز والانتقام منها لكونها "أول من رفض الانقلاب، وما زالت تحمل لواء الدفاع عن الدولة".
وفيما يتعلق بترتيب الجبهة الداخلية، أشار العزي إلى أن القوى والأحزاب السياسية في تعز نجحت في "طيّ صفحة الخلافات البينية وتوحيد البوصلة"،
لافتاً إلى أن هذه القوى تدرك تماماً أنه "لا بقاء للمكونات أو الأشخاص إلا في ظل وجود الدولة، ولا معنى لأي مشاريع سياسية في حال تمكنت المليشيا من إسقاط تعز".
واختتم بالتأكيد أن "الدفاع عن النظام الجمهوري والدولة يشكل محل إجماع وطني ومرتكزاً للوعي الجمعي لأبناء المحافظة كافة".
وفي قراءة تحليلية للمشهد، رأى الكاتب الصحافي وسام محمد، أنه "للوهلة الأولى، قد تبدو دعوات الاستنهاض الشعبي في تعز وكأنها لن تحقق استجابة كبيرة بالنظر إلى طبيعة التباينات وحدتها، وتركة الفساد والفشل للسلطات، فضلاً عن غياب الخدمات والتنكر للتضحيات السابقة".
لكنه لفت إلى أن "التطورات الخطيرة المتمثلة بسيطرة الحوثيين على مدينة المخا وباب المندب واقترابهم من الطرق الرئيسية التي تربط تعز بعدن ولحج، والتلويح بإطباق الحصار، دفعت الجميع نحو تجاوز الخلافات والتباينات لتتراجع إلى الخلف كما حدث في مرات كثيرة سابقة"
مشيراً إلى أن "طبيعة الصراع في تعز ذات طابع سياسي مدني، مما يجعله يذوب عند مواجهة الخطر الحقيقي، مع بقاء القيادة العسكرية والسياسية مطالبة ببناء آليات تسمح باستيعاب الجهود الشعبية المتحفزة وتنظيمها".
وحول مقارنة الظروف الراهنة ببداية الحرب، بيّن محمد أن "الظروف الموضوعية اليوم باتت تدفع الناس أكثر للانخراط في الدفاع عن أنفسهم بفعل تراكم المعاناة والدروس، وإدراك طبيعة الخطر الوجودي في حال إطباق الحصار"،
لافتاً إلى حقيقة ديمغرافية هامة تتمثل في "العودة الكبيرة للسكان نحو المدينة والأرياف؛ حيث بات عدد سكان مدينة تعز اليوم ثلاثة أضعاف ما كان عليه في بداية الحرب، نتيجة السياسات التي أجبرت الناس على نزوح عكسي نحو مناطق لا تزال في قلب الخطر".
ولم يعد هذا الاستنفار مقتصراً على المشهد الشعبي والسياسي، بل انعكس بشكل مباشر على الواقع المعيشي والاقتصادي المأزوم؛ إذ سجلت أسعار السلع الأساسية والمحروقات قفزات كبيرة مع أول تلويح بإحكام الحصار.
ميدانياً، رافق هذا التوجس قلق واسع من شلل خطوط الإمداد وحركة النقل على الطرق البديلة والوعرة، بالتوازي مع ارتفاع حاد في أسعار قطع العتاد الفردي نتيجة كثافة الطلب، وهي معطيات رقمية وخدمية تكشف عمق الخوف من أي طوق ممكن.
وفي المشهد الميداني أيضاً، تشهد أسواق السلاح والذخيرة في مختلف مديريات تعز إقبالاً شعبياً لافتاً للنظر؛ إذ يندفع المواطنون بكثافة لشراء الأسلحة الشخصية والذخائر بمبادرات ذاتية ومستقلة وعلى نفقتهم الخاصة من دون انتظار أي دعم خارجي.
وخلال جولة ميدانية في أسواق المحافظة، تم رُصد حالة استثنائية من التدافع لشراء العتاد الفردي، وصل إلى حد قيام بعض المواطنين ببيع مدخرات أسرهم الثمينة من الذهب والمجوهرات لتأمين ثمن السلاح استعداداً للدفاع عن منازلهم ومدينتهم المهددة.
ويعكس هذا التوجه الشعبي العميق ذاكرة ميدانية قاسية لا تزال حية ومحفورة في وجدان السكان؛ إذ أوضح مهيوب سيف، وهو مواطن ستيني ، دوافع هذا التحرك بالقول: "لا نريد أن نكرر أخطاء عام 2015؛ كنا مدنيين ولا نعرف السلاح ولا نهتم به، وحين فُرض علينا القتال، كانت بندقية الكلاشنكوف يتناوب عليها خمسة مقاتلين، واليوم لزاماً على كل فرد أن يحمل سلاحه الخاص"
مضيفاً: "ندرك جيداً أن الحوثيين يريدون اجتياح تعز وإركاعها، لذا جمعت ما تبقى من ذهب مع زوجتي وبناتي، وبعته واشتريت قطعتي كلاشنكوف لأكون جاهزاً".
فخر العزب
صحافي يمني