الدعم السعودي لليمن.. وقفة تجاوزت حدود الجوار إلى الشراكة في المصير
الرأي الثالث
على مدى أكثر من عقد، لعبت المملكة العربية السعودية دوراً مؤثراً في اليمن، عبر دعم على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية، انطلاقاً من العلاقات الأخوية والحدود المشتركة والمسؤولية الإقليمية، وكان لها دور بارز في إسناد الحكومة المعترف بها دولياً.
فعلى المستوى السياسي، حاولت الرياض احتضان المبادرات التي تؤسس لحل شامل عبر حوارات واتفاقات بينها وبين أطراف يمنية مختلفة، أما على المستوى العسكري فجاءت تدخلات التحالف بقيادة السعودية بطلب رسمي من الحكومة اليمنية.
اقتصادياً، قدمت الرياض دعماً سخياً، إما بشكل مباشر، عبر منح مالية ونفطية، وإما عبر برامج تنموية بلغت مئات الملايين من الدولارات، سعياً لدعم الموازنة العامة وتحسين الخدمات،
في حين أنفقت أيضاً موارد في مشاريع إنسانية عبر مركز الملك سلمان وإجراءات إزالة الألغام.
الدعم السياسي
مع بداية الأزمة اليمنية في 2011، كان الدور السعودي فاعلاً في محاولة احتواء التصعيد، وجمع الأطراف اليمنية، والمساعدة في الانتقال السلمي للسلطة،
ولعبت المملكة إلى جانب بقية دول الخليج دوراً في الوصول إلى ما عُرف بالمبادرة الخليجية مطلع أبريل 2011، والتي بموجبها انتقلت السلطة من الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح إلى عبد ربه منصور هادي.
واستمر الدعم السعودي بالوتيرة ذاتها، وفي مختلف الأصعدة، إلا أن انقلاب جماعة الحوثي خلط الأوراق، ونقل اليمن والمنطقة والعلاقات مع المملكة إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وتحدياً.
لبّت المملكة دعوة الرئيس السابق هادي، وتدخلت عسكرياً لإعادة الشرعية إلى صنعاء، على رأس تحالف واسع، ضم دولاً خليجية وعربية، وخلال فترة محدودة، نجحت الحملة السعودية، التي بدأت في 26 مارس 2015، في استعادة غالبية الأراضي اليمنية.
إلا أن حالة الجمود التي أصابت الملف اليمني، والضغوط الدولية، والتباينات مع بعض أطراف التحالف وبين المكونات اليمنية ذاتها داخل صف الشرعية، عرقلت إكمال أهداف "عاصفة الحزم"، ومع ذلك ظلت المملكة داعماً أساسياً لليمن.
واستمرت المملكة في تقديم الدعم السياسي لليمن، ولعبت دوراً في تقريب وجهات النظر، عبر مبادرات وحوارات، كان أبرزها اتفاق الرياض 2019 بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، بهدف توحيد الصفوف السياسية.
وكانت المحطة الأهم اتفاق أبريل، الذي أفضى لتسليم هادي السلطة لمجلس مكون من رئيس وسبعة أعضاء، كخطوة لإنهاء الانقسام، وجمع الأطراف اليمنية تحت مظلة الشرعية، لمواجهة استحقاق السلام أو الحرب مع جماعة الحوثي.
كما احتضنت الرياض مؤتمرات مشاورات متعددة أجرت حوارات مع القوى اليمنية المختلفة سعياً للتقريب بين المواقف وتقليل الانقسامات، ومن ضمن ذلك دعم المبادرات الخليجية لوقف الانهيار.
وفي أحدث التطورات، ترعى المملكة جهود الحوار بين الحكومة المعترف بها والمكونات الجنوبية، وسط محاولات لاحتواء نزعة الانفصال التي ظهرت في 2025، مع دعوات سعودية مستمرة للحفاظ على وحدة اليمن.
تدخلت المملكة عسكرياً مطلع يناير الجاري، وقصفت أهدافاً للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي كان يسعى لإعلان الانفصال، ونجحت في إنهاء تمرد "الانتقالي"، لتبدأ صفحة جديدة من الدعم السعودي لليمن، سياسياً وعسكرياً وإنسانياً أيضاً.
وعلى مدى 11عاماً احتضنت المملكة القيادة اليمنية والحكومة، وعدداً كبيراً من القيادات والمسؤولين اليمنيين الذين فروا من المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ووفرت لهم أولويات لإدارة الدولة من الخارج.
الدعم الاقتصادي
تؤكد الأرقام أن المملكة تعتبر أكبر المانحين لليمن على مستوى العالم، عبر مختلف المراحل التاريخية، ووفق وكالة "واس"، فإن الدعم الاقتصادي والتنموي المقدم من المملكة لليمن تجاوز 12 مليار دولار من 2012 وحتى 2025.
وأشارت إلى أن هذا الدعم مثّل ركيزة أساسية في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
ولفتت الوكالة، في تقرير نشرته يوم الاثنين (12 يناير)، إلى أن المملكة قدمت 3,2 مليارات دولار أمريكي ودائع ومنحاً للبنك المركزي اليمني، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.
ومنذ تأسيسه في 2018، قدم "البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن" دعماً كبيراً من خلال مصفوفة مشاريع ومبادرات تنمية في 8 قطاعات حيوية، بمشاريع بلغ عددها 286 مشروعاً ومبادرة تنموية، بتكلفة تجاوزت مليار دولار.
وكان المشرف العام على مركز الملك سلمان، عبد الله الربيعة، قال في سبتمبر 2021، إن المملكة قدمت قرابة 18 مليار دولار، من 2015 وحتى 2021، في مختلف المجالات.
الدعم الإنساني
وإلى جانب التسهيلات التي منحتها لمئات الآلاف من اليمنيين الذين لجؤوا للمملكة بعد الحرب، فإن دعمها الإنساني والإغاثي المباشر عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية كان حاسماً في تخفيف حدة الأزمة التي مر بها اليمن.
وبرز مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بوصفه أحد أهم أدوات الدعم السعودي في اليمن، من خلال توزيع مئات آلاف الأطنان من السلال الغذائية والمساعدات الطبية والمياه النظيفة للفئات الأشد ضعفاً.
وإلى جانب الإغاثة الطارئة تَضمن الدعم السعودي مشاريع إزالة الألغام عبر مشروع "مسام"، الذي ساعد في تأمين المناطق المحررة وتقليل الخسائر الإنسانية الناتجة عن الألغام.
ونجح البرنامج، الذي تأسس في 2018، في تطهير مساحة تقدر بـ400 ألف و923 متراً مربعاً من الأراضي اليمنية، ما يسهم في إعادة هذه المناطق إلى الاستخدام الآمن من قبل المواطنين، سواء لأغراض سكنية أو زراعية.
كما ساهمت المملكة في تقديم الدعم في مجالات التعليم والاقتصاد والتنمية المستدامة، بمئات ملايين الدولارات، من خلال بناء الطرقات، وتعبيدها، وإنشاء المعاهد والجامعات والمستشفيات،
وكان آخر مشاريع المركز توقيع اتفاقية مركز الأطراف الصناعية في سيئون لخدمة 7,200 مستفيد.
مصير مشترك
مساعد رئيس تحرير صحيفة "عكاظ" السعودية، عبد الله آل هتيلة، يرى أن العلاقات بين السعودية واليمن لا تخضع للمعايير الدبلوماسية في العلاقات بين الدول،
وإنما تتجاوزها بكثير بحكم الجوار والحدود التي تتجاوز 1300 كيلومتر، والأخوة، والنسب، والمصير المشترك، والآمال والتطلعات الواحدة والواعدة.
وأضاف، أن اليمن يمثل عمقاً استراتيجياً للسعودية، والعكس كذلك، ومن ثم فكلا البلدين يتأثران بالأحداث وبأي توترات في أي منهما سلباً أو إيجاباً.
واستطرد آل هتيلة قائلاً:
- لا يمكن أن تتأثر العلاقات الأخوية التاريخية بين البلدين والشعبين الشقيقين، بأي حال من الأحوال، بالمشاريع العابرة للحدود التي تمثل تدخلاً سافراً في الشأن اليمني وأوضاعه الحالية، التي هي في طريقها للانفراج،
خاصة عندما تكون هذه المشاريع ذات أطماع اقتصادية يُراد تحقيقها من خلال تغذية كيانات أو أفراد وبث الفرقة بين أبناء اليمن، بعناوين كاذبة مثل محاربة داعش أو القاعدة.
- إن الأحداث الأخيرة في المحافظات المحررة قد أثبتت زيف هذه الادعاءات، بل وبرهنت أن السعودية واليمن لا يمكن أن يتأثرا، وإنما تزيدهما الأحداث ترابطاً، والهدف الأسمى هو أمن واستقرار اليمن، بما ينعكس على أمن الجوار والمنطقة.
- مواقف السعودية ودعمها لليمن ليست وليدة اليوم، وإنما تمتد إلى مختلف المحطات الصعبة التي مرّ بها اليمن، فالمملكة كانت ولا تزال تدعم الشرعية وترفض أي كيانات أو أحزاب تبحث عن فرض أجنداتها بالقوة العسكرية وخارج إطار الدولة.
- المملكة كانت ولا تزال تدفع بثقلها في المحافل الدولية لدعم الشرعية اليمنية في مواجهة الحركات الانفصالية، وكبح جماح التحركات العسكرية في الميدان وفي أروقة الدبلوماسية،
وهو الموقف الذي خلق إجماعاً دولياً على دعم وحدة اليمن واستقراره وسلامة أراضيه، مع إبقاء الباب مفتوحاً لمناقشة القضية الجنوبية العادلة في أي تسوية سياسية قادمة،
وهذا كان نهجاً سعودياً بحتاً من خلال الدعوة لعقد اجتماع للقيادات والشخصيات الجنوبية في الرياض، يتم من خلاله توحيد الرؤى وصولاً إلى مشتركات لا تُقصي أحداً من أبناء جنوب اليمن.
- دعمت المملكة اليمن بعشرات المليارات، عبر ودائع للبنك المركزي، ومنح لمساعدة الحكومة اليمنية على مواجهة الأزمات الاقتصادية وصرف الرواتب والمشتقات النفطية،
إضافة إلى بناء الجامعات والمعاهد والمدارس والمستشفيات، وتنظيم البرامج لأبناء وبنات اليمن في مختلف المجالات، ليتمكنوا من المساهمة في دفع عجلة التنمية في اليمن،
وكل ذلك يتم من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ولا تزال عجلة الدعم لأهلنا في اليمن تسير ولن تتوقف في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، والدفع بعجلة التنمية نحو التقدم والازدهار.