Logo

قبل أن نعود إلى اليمن

 عاد سؤال قديم إلى الأذهان منذ عدّة أسابيع: ألا نعرف نحن المصريين هذا الطريق؟ ألم نجرّبه من قبل في الستينيات، وكانت له تبعات كارثية؟

أرسلت مصر في سبتمبر/ أيلول 1962 جيشها لنصرة الثورة اليمنية ضدّ نظام الإمام، فوجدت نفسها في مواجهة مع قوات تدعمها السعودية. 

وكان مُخطّطاً أن تكون الحملة قصيرة، لكنّها استمرت خمس سنوات، وعَلِقَ فيها عشرات الآلاف من الجنود المصريين في جبال لا تُحسم فيها المعارك بتفوّق السلاح.

وطبقاً لشهادات قادة عسكريين شاركوا في المُواجهات مع العدو الإسرائيلي، أبرزهم المُشير محمد عبد الغني الجمسي، الذي كان رئيس غرفة العمليات في أثناء حرب أكتوبر المجيدة (1973)، ثم شغل منصب وزير الحربية والقائد العام للقوّات المسلّحة المصرية،

 وكانت له عدّة تصريحات عن دور حرب اليمن في هزيمة 1967، فإنّ للهزيمة أسباباً متنوّعة، منها حرب اليمن التي أنهكت الجيش قبل أن يخوض معركته الأكبر 

 فقد كان جزء كبير من الجيش ومخزونه لا يزال في اليمن لا في سيناء، بالإضافة إلى الروح المعنوية التي دخلت بها القوات العائدة من اليمن إلى المواجهات في صحراء سيناء.

المفارقة في عام 2026 أنّ طلب التدخّل جاء هذه المرّة من الرياض نفسها التي وقفت يوماً في الجهة المُقابلة. 

هذا التحوّل الجذري في بوصلة التحالفات يعكس كيف تتغيّر المصالح الاستراتيجية، خصوصاً مع العلاقات القوّية التي أصبحت بين النظامين المصري والسعودي.

 كذلك لا يمكن إغفال أنّ النسبة الأكبر من المصريين في الخارج يُقيمون في السعودية، حيث تفيد التقديرات بأنّ عددهم يتراوح بين 2.7 مليون وأربعة ملايين مواطن. لقد تغيّرت الخرائط والمصالح، وصار البحر الأحمر شرياناً للاقتصاد، 

أمّا اليمن فلم يتغيّر كثيراً؛ لا تزال جباله قاسية، وقبائله وولاءاته مُتشابكة.
 
وقد استمرّت حالة النقاش فترةً قبل أن يوافق البرلمان بالأغلبية المُطلقة على طلب رئيس الجمهورية، ما عدا 17 نائباً من أحزاب المعارضة المُمثّلة في البرلمان. وكالعادة في تلك القضايا، تنقسم الآراء بين مؤيّد ومعارض،

 فالأساس وما هو مُتعارف عليه أنّ عقيدة مصر دفاعية، وقوّاتها المسلّحة تحمي الحدود المحيطة غرباً وجنوباً، وعلى البحرين المتوسّط والأحمر. 

ومنذ حرب 1973 لم تتدخّل القوات المسلّحة إلا في حرب تحرير الكويت بغطاء دولي أممي، ولكن التهديدات أصبحت تأتي من الاتجاهات الأربعة، ولا داعي لزيادة الملفات المُلتهبة.

 ولذلك يرى المعارضون أنّ من المُمكن أن تقف مصر مع الخليج بالوساطة والجهود الدبلوماسية والدعم المعلوماتي، وربّما بالقطع البحرية، بدلاً من إرسال قوات تُعيد إلى الأذهان ما حدث في حرب اليمن في الستينيات.
 
وقد تأثّرت البورصة المصرية بشكل كبير إثر تلك الأنباء، إذ تُظهر الأسواق المالية حساسية مُفرطة تجاه أيّ أنباء تتعلّق بالتدخّل العسكري. 

فقد شهد المؤشر الرئيسي للبورصة ضغوطًا بيعية حادّة وتراجعات ملحوظة نتيجة لجوء المستثمرين، خاصة الأجانب والمؤسسات، إلى تقليل المخاطر والهروب نحو الملاذات الآمنة، وإن كان الوضع قد بدأ بالتحسّن بعد استيعاب السوق وبعد تمديد الوديعة السعودية في البنوك المصرية. 

لكنّ هناك عاملا مهما أيضا لا يمكن إغفاله، وهو أهمية قناة السويس موردا حيويا، فأيّ اشتعال قرب باب المندب يضربها مباشرة، وقد يكون هذا هو الدافع الأقوى لاهتمام مصر باليمن، وهو نفسه سبب خوف البعض من توسيع الحرب.

ولا يمكن إغفال التهديدات القادمة من الجنوب، والمُتعلّقة أيضا بالبحر الأحمر، 

ففي أواخر الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين أوّل) أعلن رئيس وزراء إثيوبيا، أبي أحمد، تسلّم بلاده 12 مقاتلة روسية من طراز سوخوي-35، على أن تتسلّم لاحقاً أربعة أنظمة دفاع جوي من طراز إس-400 من موسكو 

وقال إنّها ستعزّز قدرة بلاده على "ردع العدوان استباقيًا". 

وفي التوقيت نفسه تقريباً، عرضت الحكومة السودانية حطام مُسيّرة قالت إنها أُطلقت من إثيوبيا واستهدفت محطّة كهرباء، 

وهذه ليست المرّة الأولى؛ ففي مارس/ آذار الماضي، ندّدت الخرطوم بهجمات مُسيّرات مجهولة، مُتهمةً إثيوبيا والإمارات بالضلوع في هجوم استهدف مطار الخرطوم، بينما رفضت إثيوبيا هذه المزاعم واتهمت الجيش السوداني بدعم جبهة تيغراي.
 
لا ينفصل هذا عن خطاب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أمام القمّة الروسية الأفريقية الثالثة في موسكو مُعربًا عن قلق بالغ إزاء التوتّرات المُتصاعدة في القرن الأفريقي، ورافضًا أيّ تحركات تستغل هشاشة الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو فرض وجود عسكري لدول غير مُشاطئة له على سواحله، 

في إشارة إلى إلحاح أديس أبابا على منفذ لها على البحر الأحمر.

وقد حذّر وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، في مقابلة مع ميدل إيست آي في سبتمبر/ أيلول الماضي، من تقارب ناشئ بين الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا في القرن الأفريقي. 

وتتبّعت تقارير أخرى طبقات النفوذ الإماراتي في إثيوبيا، من الدعمين، المالي والعسكري، إلى الاستثمارات والممرّات اللوجستية. بل قالت الحكومة السودانية إنّ إحدى المُسيّرات التي سقطت مملوكة للإمارات. 

وليست كلّ تلك التحرّكات بمعزل عن التحرّكات الإثيوبية للضغط على مصر في ملف المياه، مُستغلةً الشح المائي الذي تُعاني منه مصر منذ سنوات. 
 
وبين خصم الستينيات الذي صار حليفاً يطلب التدخّل الدفاعي، وحليف اليوم الذي يدعم من يهدّد الأمن المائي والبحري، تبدو خرائط التحالفات أكثر تشابكًا من أيّ وقت مضى. 

والتهديدات لم تعد تأتي من جهة واحدة أو بوجه واحد، بل صارت مركّبة ومتداخلة، ولذلك لا أحد يستطيع التنبّؤ بما سيحدث في تلك المنطقة الملتهبة المليئة بالصراعات المُعقّدة والحروب بالوكالة، وهو ما يتطلّب حسابات أدق قبل أي خطوة.
 
أحمد ماهر
ناشط سياسي مصري