Logo

اليمن والحل العسكري المستعصي

 جرى خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة إلقاء أطنانٍ من القنابل على مدينتي صعدة وصنعاء، من أجل القضاء على الحركة الحوثية، ولكن من دون تحقيق تقدّم، بل على العكس. 

وبدلا من أن يعتري الحركة الضعف تزداد قوة. وما تزال القوات الحوثية تتقدّم حتى وصلت إلى باب المندب، وباتت تهدّد بالسيطرة على مدن تعز ولحج وعدن. 

والمثير للانتباه أن الحوثيين يقاتلون على عدّة جبهات، تمتد على مساحاتٍ شاسعةٍ من الساحل الغربي في الحديدة والمخا، وصولاً إلى الجوف ومأرب وصعدة، وهو ما يحتاج قدرة لوجستية كبيرة لتوفير السلاح ووسائل النقل، والتغذية، والوقود، والطبابة.

يستدعي ذلك طرح سؤال عن السر وراء هذا كله. هناك عدة أسباب جعلت من هذه الحركة قوة تستعصي على الحلول العسكرية.

 الأول، الجغرافيا المعقدة التي تعمل لصالحها، وهي نفسها التي استنزفت الجيش المصري الذي تدخّل في اليمن بين 1962 و1967 لمساعدة قوات الجمهورية في حربها ضد الملكيين. 

ومن أبرز مميزات هذه الجغرافيا طبيعتها الجبلية الصعبة، التي يتقن اليمنيون خوص المعارك فيها، بالاعتماد على حرب العصابات. 

وقد أظهرت التجارب، منذ القدم، خطأ الرهان على آلة الحرب الحديثة والقوات النظامية لكسب المعارك ضد مجموعاتٍ صغيرةٍ تجيد المناورة في الطبيعة الوعرة. 

وتجلى هذا الدرس واضحاً في الأسبوعين الأخيرين، فبينما أعلنت قوات الشرعية التعبئة الشاملة على مختلف الجبهات، كانت مجموعات الحوثيين تحقق اختراقاً عسكرياً مهمّاً في محافظة تعز، وتحتل مناطق استراتيجية منها، في التربة والحجرية.

الثاني: قدرة الحوثيين على التعبئة والحشد حول هدف واحد، وهو ما لم يكن ممكناً من دون استثمار ورقة القبائل في الشمال، وتحديداً قبيلتي حاشد وبكيل.

 ومنذ تقدّمهم إلى صنعاء عام 2014 وتحالفهم مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، نجح الحوثيون في إخضاع القبائل وعسكرتها، بالترغيب والترهيب. 

والمؤكّد أنهم فشلوا في كسب ولاء قبلي مستدام وراسخ، لكن أغلب مشايخ القبائل تماشوا معهم بسبب الخوف على مصالحهم، أو تحاشياً للدخول في نزاعات عسكرية غير مضمونة النتائج. 

وبدلاً من أن تتكاتف القبائل لمواجهة مشروعهم المذهبي، تمكّن الحوثيون من إضعاف التماسك الاجتماعي، وإحياء الثارات القبلية القديمة، وتفكيك البنية التي سادت في المرحلة السابقة.

السبب الثالث، والأساسي: الاستثمار الإيراني في هذا المشروع، الذي يعود إلى زمن بعيد. فقد نجح الأب بدر الدين الحوثي ونجله حسين في نسج علاقات مع إيران، تطوّرت منذ عام 2004 إلى مشروع سياسي عسكري بعيد المدى،

 كرّست له طهران إمكانات مادية وعسكرية كبيرة. وقد درّبت آلاف المقاتلين بين 2004 و2010 في سورية ولبنان والعراق وإيران،
 
وبعد 2011، بدأت إيران العمل مباشرة داخل اليمن، وأرسلت خبراء من حزب الله والحرس الثوري للعمل على الأرض، مستفيدةً من أجواء الفوضى التي نشأت بعد الانتفاضة اليمنية على حكم صالح.

نجح الحوثيون في استثمار الصراعات الداخلية، وكذلك تعنت حكم صالح في إجراء إصلاحات سياسية تحول دون حصول انقسامات، سيما على مستوى القضية الجنوبية، التي تحوّلت إلى أحد أبرز عناوين النزاع السياسي عشية الربيع العربي. 

وما كان يمكن للحوثيين احتلال صنعاء عام 2014، والسيطرة على الحكم لولا انقسام الأطراف الأخرى واقتتالها وافتقارها إلى مشروع جامع. 

وقد استمرّ هذا الوضع، ولم تتمكن الدولة اليمنية من التقاط أنفاسها، وتوظيف طاقاتها على نحو يسمح لها بهزيمة المشروع الحوثي الذي بات رقماً صعباً.

بشير البكر 
كاتب وشاعر سوري