Logo

فوز لولا دا سيلفا… انتصار صوت العدالة في العالم

 شهدت البرازيل، الأحد 25 أكتوبر 2026، انتخابات رئاسية استرعت أنظار العالم، بسبب انعكاساتها على العلاقات الدولية، خاصة في منطقة أمريكا اللاتينية، 

وأسفرت عن فوز الرئيس لولا دا سيلفا للمرة الرابعة وهزيمة اليمين القومي، وهو انتصار لصوت القضايا العادلة في العالم.

وهكذا، فقد انتصر لولا دا سيلفا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في البرازيل، بفارق يقارب ثلاث نقاط عن منافسه الشرس فلافيو بولسونارو (51.79% مقابل 48.21%)، وهو ما يترجم، على مستوى الأصوات، إلى فارق يقارب خمسة ملايين صوت،

 علماً أنه جاء في المرتبة الثانية في الجولة الأولى. وبهذا، سيشغل الرئيس لولا الولاية الرئاسية الرابعة، بعد الولايتين الأوليين بين عامي 2003 و2010، ثم عودته إلى الرئاسة عام 2023، والولاية المقبلة التي ستبدأ رسمياً مع مطلع عام 2027.

 وهو أول سياسي يتولى رئاسة البلاد أربع مرات بطريقة ديمقراطية في تاريخ البرازيل، وكذلك في أمريكا اللاتينية.

وعمليا، شدت هذه الانتخابات انتباه الرأي العام الدولي، وهو ما يبرز الثقل الذي أصبحت تمثله البرازيل في العلاقات الدولية، بما يتجاوز محيطها الإقليمي في أمريكا اللاتينية إلى العالم.

 وتعتبر الانتخابات منعطفا مهما في الحياة السياسية البرازيلية، فقد منعت عودة اليمين القومي إلى رئاسة البلاد، بعدما كان جايير بولسونارو قد شغل المنصب وأراد تنفيذ انقلاب ضد الشرعية الانتخابية سنة 2023، برفض النتائج ورفض تسليم الرئاسة إلى لولا. 

والآن، يتولى ابنه فلافيو الدور، بعدما أعلن رفض نتائج الانتخابات الرئاسية. وحاول فلافيو تقمّص دور السياسي المحافظ وليس المتطرف، إلا أن رفضه للنتائج يضعه إلى جانب أبيه الذي حاول تنفيذ الانقلاب خلال يناير 2023.

ويبرز الباحث البرازيلي في العلوم السياسية أندري سانجر من جامعة ساو باولو، أن أكبر تحدّ يواجه لولا دا سيلفا في ولايته الجديدة هو توحيد البرازيل وعزل اليمين القومي المتطرف الذي تسبب في شرخ داخل المجتمع. 

وفي الوقت ذاته، يرى المهتمون بالحياة السياسية في هذا البلد، أن على لولا دا سيلفا التمهيد لظهور قادة يساريين جدد، حتى لا ينهار اليسار مع رحيله خلال السنوات المقبلة.

 ويبقى الرد على هذه التحديات رهينا بالاستماع إلى هموم البرازيليين والاهتمام بالحياة الاجتماعية. وترى أكبر صحيفة في البرازيل، وهي «فولها»، في افتتاحيتها أن الرئيس لولا ارتكب أخطاء في ولايته الحالية،

 وعليه «ألا يبحث عن الشعبية، بل عن الصالح العام»، ودعته إلى عدم تكرار أخطاء تطبيق سياسات الماضي في البرازيل اليوم، التي تعيش سياقا مختلفا. 

وعلى المستوى الدولي، تكتسي هذه الانتخابات أهمية كبرى تتماشى مع وزن البرازيل في العلاقات الدولية. فهذا الفوز يشكل إنصافا لليسار التقدمي والليبراليين في مواجهة اليمين المحافظ، خاصة اليمين القومي المتطرف. 

وعلى المستوى الإقليمي، مالت أمريكا الجنوبية نحو اليمين المحافظ خلال السنوات الأخيرة، كما في حالة تشيلي، ونحو اليمين القومي المتطرف والفوضوي في الأرجنتين مع الرئيس خافيير ميلي. 

ولو فاز فلافيو بولسونارو في هذه الانتخابات، لكان للمنطقة لون سياسي واحد، هو التطرف اليميني، وهو ما يحيل إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما كان لون سياسي واحد يحكم المنطقة، وهو الحكم العسكري.
 
ودوليا، تعتبر هذه الانتخابات سدا أمام ظاهرة ترامب في أمريكا اللاتينية، فقد شنت واشنطن حملة ضد لولا دا سيلفا، 

والأخطر من ذلك أن شبكات التواصل الاجتماعي، وأساساً شركة «ميتا»، المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب، لعبت دورا خطيرا بعدما قامت بتحجيم حسابات الرئيس لولا وحسابات حزبه ومحاصرتها، مع تفضيل حسابات منافسه القومي المتطرف.

 واعتبرت البرازيل تصرف شركة ميتا بمثابة تدخل أجنبي في الانتخابات، وتحديدا تدخلا أمريكياً مباشرا، وأحالت الملف إلى منظمة الدول الأمريكية. 

وهذا الانتصار يعني هزيمة لعقيدة مونرو، التي تحاول إدارة ترامب تطبيقها في القارة الأمريكية، من خلال تشجيع اليمين القومي المحافظ أو المتطرف. 

ودوليا أيضا، يعتبر استمرار لولا دا سيلفا استمرارا لصوت سياسي منصف في العلاقات الدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. 

وكان هذا الرئيس من بين الأكثر جرأة عندما قال، يوم 18 فبراير 2024، إن ما يجري في غزة «ليس حربا، بل إبادة جماعية»،

 مضيفا أن «ما يحدث للشعب الفلسطيني لم يحدث في أي لحظة تاريخية أخرى إلا حين قرر هتلر قتل اليهود».

 ويعد موقفه من القضية الفلسطينية من بين المواقف الأكثر جرأة في العالم، في وقت توارى فيه عدد من الزعماء العرب والمسلمين إلى الوراء في هذا الملف. كما رفض طلب الغرب دعم أوكرانيا بالسلاح سنة 2023، ورفض الغزو الروسي لهذا البلد. 

ولم يتردد في رفض الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وإدانتها، وعلّق قائلا: «هذه الحرب تهدد بتحويل الشرق الأوسط إلى ساحة معركة واحدة، بعواقب عالمية لا يمكن حسابها».

وإذا كان الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس حكومة الكيان نتنياهو من أبرز الخاسرين دولياً، فإن الرابحين الكبيرين هما الصين وروسيا، لأن استمرار لولا يعني استمرار قوة مجموعة بريكس وتطورها، لا سيما أن البرازيل من الدول المؤسسة لها. 

ويبقى الاتحاد الأوروبي من بين الرابحين، لأنه يضمن صوتا قويا في القارة الأمريكية إلى جانب كندا والمكسيك، في مواجهة ضغوط السياسة الترامبية. 

إن انتصار لولا دا سيلفا هو انتصار لصوت سياسي وازن يدعم القضايا العادلة في العالم، قد يتعزز هذا الصوت الشهر المقبل إذا نجح الحزب الديمقراطي الأمريكي في الفوز بانتخابات النصف، وكذلك بفوز اليسار في إسبانيا يوم 29 من الشهر المقبل.

 د. حسين مجدوبي
    كاتب مغربي