Logo

حربان في واحدة: ولاية الفقيه والإمامة

 حرب اليمن أخطر من مجرياتها العسكرية. مسلسل طويل لا أحد يعرف نهايته. ولا هو بدأ مع اندفاع الحوثيين إلى باب المندب، ولا مع عملية "فجر اليمن"، ولا مع انقلاب علي عبدالله صالح وخصومه الحوثيين على "تسوية الرياض" التي جاءت بعد الثورة الشعبية السلمية، ولا مع "عاصفة الحزم" في عام 2015، ولا حتى مع حرب الجمهوريين والإماميين في عام 1962 بل قبل ذلك في القرن الـ10. 

وهي اليوم حربان في واحدة، أولاهما أنها جزء من حرب إیران التي تدرب وتسلح وتمول الحوثيين، والثانية أنها إكمال لحرب الجمهورية والإمامة مع تبدل مواقع القوى الخارجية المتدخلة. والشعار في الحربين واحد، من طهران إلى صعدة وصنعاء "الموت لأميرکا، الموت لإسرائيل". وفي الحالين حرب ناقصة تدور بالسلاح وتُدار بين فينة وأخرى بتهدئة وتفاهم من دون وضع حد لها بالإكمال أو بالتسويات.

ولیس تكثيف الاعتداءات الحوثية بالصواريخ والمسيرات على السعودية سوى محاولة لتحوير طبيعة الحربين معاً، فلا قصف المطارات والمنشآت النفطية في السعودية يحجب الدور الإيراني وتوظيف الاعتداءات في اللعبة العسكرية والتفاوضية بين واشنطن وطهران،

 ولا إضافة باب المندب على البحر الأحمر إلى مضيق هرمز في الخليج ضمن الضغوط على دول الخليج المصدرة للنفط ودول العالم المستوردة عبر عرقلة الملاحة البحرية من أجل مشروع جيوسياسي واستراتيجي، تغطي الصراع الداخلي اليمني واستعداد الحوثيين لدفع أثمان كبيرة من أجل دور إقليمي أكبر منهم على مستوى المنطقة.

ذلك أن عرض وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي على وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود "التوسط" بين "الرياض وصنعاء"، هو مجرد حيلة مكشوفة ومرفوضة لإلغاء دور الحكومة اليمنية وقواها التي تواجه الحوثيين، ومحاولة مخادعة للادعاء أن إیران "وسيط" لا صاحبة الحرب. 

والكل يسأل اليوم عن دور "حلف مكة" وما يمكن أن تفعله باكستان وتركيا في باب الدفاع عن الحليف السعودي الذي يتعرض للاعتداءات الحوثية.

والسؤال هو بالطبع، وقبل ذلك، عن دور الولايات المتحدة في حماية الرياض أو أقله أمن المنشآت النفطية والمطارات المدنية، إذ يبدو الرئيس دونالد ترمب متردداً في ما يسميه الخشية من تأثير دفاعه عن الرياض على التركيز الأميركي على الحرب والصفقة مع إيران. وهذه "حجة لا تقلي عجة" كما يقول المثل، لأن الحربين واحدة.

يقول أمبروز بيرس في كتاب "قاموس الشيطان" إن "الحرب هي طريقة الله لتعليم الأميركيين الجغرافيا". والمفترض أن فريق ترمب للأمن القومي تعلم من تجربة الذين سبقوه في حرب فيتنام وحربي أفغانستان والعراق وتجربته هو في حرب إيران، لا فقط جغرافيا الشرق الأوسط بل أيضاً الجغرافية السياسية للمنطقة. 

فما حدث، حتى قبل حرب إيران، هو "أن حرب إسرائيل في غزة ولبنان وسقوط نظام الأسد قادا إلى كسر استراتيجية "إيران الإقليمية" بحسب نائبة رئيس "بروكينغز" سوزان مالوني.
 
واذا كانت تضاريس اليمن الجبلية صعبة جداً، فإن التضاريس الجيوسياسية في المنطقة لم تكن صعبة على بريطانيا في القرن الـ19 وما بعده. ولا مبرر لأن تكون صعبة على أميركا، القوة العظمى التي تقترب منها الصين، ولا على أوروبا التي ترى روسيا متورطة في ما سماها الرئيس فلاديمير بوتين "عملية عسكرية خاصة" صارت اليوم في عامها الخامس من دون قدرة على الحسم.

ومن السهل على قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الجنرال إسماعيل قاآني القول، إن "محور المقاومة بقيادة إيران سيستمر في العمل داخل لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين حتى ظهور الإمام الغائب وتشكيل حكومته العالمية"، لكن من الوهم أن يتجاهل ما فعلته إسرائيل وأميركا بالأذرع الإيرانية التي لا يتحرك منها اليوم في "محور المقاومة" سوى جماعة الحوثيين.

واليوم ليس الوقت الملائم لمطالبة داليا داسا وسنام وكيل بإنشاء "منتدى أمن قومي للشرق الأوسط مع أميركا أو من دونها". فليس للحرب الناقصة في إيران واليمن سوى واحد من خيارين، إما حرب كاملة، وإما تسوية واسعة وشاملة. 

وليس أصعب من الحرب سوى التسوية. فما حدث حتى اليوم في ضرب الأذرع الإيرانية لم يؤد إلى تغيير جيوسياسي واستراتيجي كامل. وما يحدث هو اندفاع طهران في إعادة تسليح الأذرع وتمويلها ودفعها إلى الدفاع عنها.

فمتى تدق ساعة ضرب الرأس في إيران أم إن المنطقة غارقة في حرب استنزاف في كل الحقول العسكرية والأمنية والمالية والسياسية والاقتصادية وعلى مستوى الطاقة؟

الجواب ليس في عاصمة واحدة.

رفيق خوري 
كاتب لبناني