تعز... صمودٌ في وجه العدوان وعطاءٌ يبني اليمن
إلى أبناء تعز الصامدين والمدافعين عن أهلهم وديارهم: نثمّن تضحياتكم، ونقدّر ثباتكم وما تحمّلتموه من فقدٍ وألمٍ وحرمان. وراء كل واحد منكم أسرة تنتظر، وأم تدعو، وأطفال يتطلعون إلى مستقبل آمن.
نسأل الله أن يحفظكم، وأن ينصر حق أهل تعز في الأمن والحرية والكرامة، وأن يكتب لمدينتكم الفرج والسلام.
إن ما تتعرض له تعز عدوانٌ تتحمّل مسؤوليته المليشيات الحوثية المسلحة؛ فالهجوم على المدينة وحصار أهلها وتعريض المدنيين للخطر أفعال لا يجوز أن تضيع مسؤوليتها تحت تعبيرات عامة تُساوي بين المعتدي ومن يحمي بيته وأسرته.
ومن هذا المنطلق، فإن رفض عدوان الحوثيين وارتباط مشروعهم بإيران هو دفاع عن حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم، وعن سيادة وطنهم وانتمائه العربي، ورفضٌ لتحويل أرضهم إلى ساحة لمصالح خارجية.
هذه هي القضية التي ينبغي أن تبقى واضحة: حق الناس في أن يعيشوا آمنين في مدينتهم، وأن يتنقلوا ويتعلموا ويعملوا، وأن تحكمهم دولة تقوم على المواطنة والقانون، دون امتياز لسلالة أو وصاية لجماعة مسلحة.
وحين امتد العدوان إلى تعز، أصاب مجتمعًا كاملًا: الأستاذ الجامعي، والطبيب، والمهندس، والعامل، والفلاح، والطالب والطالبة.
تحمّلت الأسر أعباء الحماية والإغاثة والعلاج من أرزاقها ومدخراتها، وفقدت بيوتٌ معيلها، وحملت أخرى مسؤولية جريح أو نازح.
ولهذا فإن الوفاء للتضحيات واجب عملي، يبدأ برعاية الجرحى، ومساندة أسر الضحايا، وحماية المدنيين وصون كرامتهم.
وتعز التي تصمد اليوم هي نفسها التي أسهم أبناؤها، إلى جانب إخوتهم اليمنيين، في الدفاع عن الجمهورية وفك حصار السبعين، وشاركوا في مقاومة الاستعمار البريطاني جنبًا إلى جنب مع أبطال الجنوب.
يحمل هذا التاريخ معنى المسؤولية المشتركة عن وطن يستحق الحرية والاستقلال والعدل.
ومن تعز خرج علماء وأكاديميون وباحثون وأساتذة جامعات ومعلمون، كان لهم حضور واسع في مؤسسات التعليم اليمنية. تتلمذت على أيديهم أجيال، وأسهموا في بناء الكفاءات ونشر المعرفة.
وفي المستشفيات والمراكز العلمية، ترك أطباؤها ومتخصصوها أثرًا يمتد إلى حياة الناس وصحتهم ومستقبلهم.
وفي الاقتصاد، كان أبناء تعز من رواد الصناعة الوطنية؛ أسّسوا مصانع ومؤسسات في تعز والحديدة وصنعاء وعدن وغيرها، وفتحوا أبواب رزق لأعداد كبيرة من الموظفين والعمال وأسرهم.
وحول تلك المنشآت نشطت أعمال النقل والتوزيع والخدمات، فامتد أثرها إلى مختلف مناطق اليمن.
كانت تلك استثمارات في قدرة اليمني على الإنتاج، وفي حقه أن يجد عملًا كريمًا داخل وطنه.
وخرج من تعز قادة دولة ورؤساء حكومات ووزراء وإداريون، ومفكرون وأدباء ورواد أعمال.
وإلى جانبهم يقف العامل والسائق والفني والفلاح وصاحب المهنة؛ لكل واحد منهم موقعه في بناء المجتمع، ولكل يد أمينة فضلٌ في استمرار الحياة.
من سقطرى إلى صعدة، تجد أبناء تعز في الجامعات والمدارس والمستشفيات والمصانع والأسواق والورش.
وحين تأتي الأعياد ويعود كثير منهم إلى ديارهم، تشعر أحياء ومرافق بغيابهم، ويظهر مقدار إسهامهم في يوم الناس ومعاشهم.
وأينما ارتحلوا في العالم، حمل كثير منهم روح المكافحة: تعلّموا، وعملوا، وأسّسوا مشروعات، وبرزوا في مهنهم، وأسندوا أسرهم.
وراء كل نجاح سنوات من التعب والغربة والصبر، وارتباطٌ بمدينة علّمت أبناءها أن قيمة الإنسان في علمه وأمانته وعمله.
يا أبناء تعز، حافظوا على ما يمنح قضيتكم عدالتها: حماية الناس، واحترام حقوقهم، ورفض الظلم، وصون النسيج الاجتماعي.
إن مسؤولية العدوان تقع على مرتكبيه، ولا تُحمَّل لأبرياء بسبب مناطقهم أو أنسابهم. والتمسّك بهذه القيم يحفظ للمدينة وحدتها وكرامتها.
لقد واجه أبناء تعز الاستبداد الإمامي القديم، ويواصلون اليوم رفض أي مشروع يعيد الامتياز السلالي ويفرض السلطة بقوة السلاح.
ويستحق صمودهم أن يثمر مؤسسات عادلة، ومدارس مفتوحة، ومصانع تعمل، وطرقات آمنة، وحياة يستطيع الناس فيها أن يبنوا أحلامهم.
سلامٌ لتعز وأهلها؛ للثابتين في المحنة، وللعلماء والمعلمين، وللأطباء والعمال، وللأمهات اللواتي يحملن وجع الانتظار.
ستبقى تعز بعلمها وعملها وكرامة إنسانها قلبًا نابضًا في اليمن، وسيبقى حق أهلها في الحياة والحرية أكبر من كل عدوان.
✍️ د. سمير الشرجبي
اكاديمي يمني