Logo

ثورة 14 أكتوبر إرادة شعب

 مثّلت ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 نقطة تحول تاريخية في مسيرة النضال الوطني اليمني، حين انطلقت شرارتها من جبل ردفان الشامخ بقيادة المناضل راجح غالب لبوزة، لتعلن بداية مرحلة جديدة من الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني، وتعبّر عن إرادة شعب قرر أن يتحرر من الهيمنة الأجنبية، وينهي زمن الاستعمار، ويصنع مستقبله بيده. 

ومن ردفان امتدت الثورة إلى مختلف مناطق الجنوب، بقيادة الجبهة القومية، وبمشاركة المكونات والفصائل الوطنية والثورية التي خاضت الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني، حتى تُوِّج ذلك النضال بالاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر 1967، بعد سنوات من التضحيات والفداء.

واجه اليمنيون آنذاك الإمبراطورية البريطانية التي عُرفت بأنها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وكانت تمتلك من القوة العسكرية والنفوذ السياسي ما جعلها إحدى أبرز القوى الاستعمارية في العالم. 

ومع ذلك، لم تستطع تلك القوة أن تطفئ إرادة شعب آمن بحقه في الحرية والاستقلال، وأدرك أن إرادة الشعوب قادرة على تغيير موازين التاريخ عندما تتوحد أهدافها وتتجسد في نضال منظم وتضحيات مستمرة.

ولم يعتمد الاستعمار البريطاني على القوة العسكرية وحدها، بل اتبع سياسة «فرّق تسد»، مستفيدًا من تعدد السلطنات والمشيخات والإمارات التي كانت قائمة في جنوب اليمن، والتي تجاوز عددها ثلاثة وعشرين سلطنة ومشيخة وإمارة، بهدف إبقاء المنطقة مجزأة، وإضعاف فرص توحد أبنائها في مواجهة السيطرة الاستعمارية. 

غير أن الثورة أعادت الاعتبار إلى الهُوية الوطنية الجامعة، وأثبتت أن وحدة الإرادة الشعبية قادرة على تجاوز الانقسامات التي تُستخدم لإدامة الهيمنة وإعاقة التحرر.

لقد كانت ثورة أكتوبر مدرسة وطنية في التضحية والصمود، ومحطة فارقة في مسار التحرر من الاستعمار. ولم يكن طريقها مفروشًا بالورود، بل شقته تضحيات المناضلين الذين واجهوا قوة استعمارية كبرى بإيمانهم بحقهم في الحرية، وبعزيمتهم على انتزاع الاستقلال. 

وقد تجاوز أثر الثورة حدود المواجهة العسكرية، ليجسد تطلع الشعب إلى التحرر من التبعية، وبناء واقع سياسي ووطني جديد، تكون فيه السيادة لأبناء البلاد على أرضهم ومستقبلهم.

وقد تُوِّج هذا النضال بإعلان استقلال جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية في الثلاثين من نوفمبر 1967، التي عُرفت لاحقًا باسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من تاريخها السياسي. 

وفي مسار التحولات السياسية والتنظيمية التي شهدتها اليمن شمالًا وجنوبًا، نشأت وتطورت مكونات وتنظيمات وطنية وثورية متعددة، وأسهمت في النضال من أجل التحرر والتغيير السياسي. 

وفي الجنوب، واصلت الجبهة القومية دورها السياسي والتنظيمي بعد الاستقلال، وانضمت إليها في مسار التوحيد التنظيمي مكونات سياسية أخرى، فيما شهد الشمال نشاطًا لتنظيمات وطنية وثورية، كان من بينها تنظيمات يسارية وقومية. 

وتوّجت مسارات التوحيد التنظيمي بين عدد من هذه المكونات بتأسيس الحزب الاشتراكي اليمني رسميًا تحت مسماه الحالي في الثالث عشر من أكتوبر 1978، بمشاركة تنظيمات من الشمال والجنوب،

 ليحمل إرث الجبهة القومية النضالي والسياسي، ويواصل تجربة بناء الدولة في الجنوب، وصولًا إلى تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990، وإعلان الجمهورية اليمنية.

وتكمن عظمة هذه الثورة في أن إرادة التحرر كانت أوسع من الخلافات والانتماءات الضيقة، وأن الهدف الوطني استطاع أن يمنح التضحيات معناها التاريخي. 

فالثورات الكبرى لا تُقاس بحجم المواجهات التي تخوضها فحسب، بل بما تتركه من وعي وطني، وما تفتحه من آفاق أمام الأجيال، وما تؤسسه من مبادئ تؤكد أن الحرية حق، وأن الاستقلال مسؤولية، وأن كرامة الإنسان لا تنفصل عن حقه في تقرير مصيره.

واليوم، تحل ذكرى الرابع عشر من أكتوبر واليمن يمر بواحدة من أشد مراحله تعقيدًا، في ظل حرب طاحنة، وصراعات وانقسامات داخلية، وتدخلات إقليمية ودولية، وأوضاع أرهقت المواطنين وأضعفت مقومات الحياة والاستقرار. 

وفي هذا الواقع، لا ينبغي أن تظل ذكرى الثورة مناسبة للاحتفاء بالماضي واستحضار البطولات فحسب، بل يجب أن تتحول إلى فرصة لمراجعة الحاضر واستلهام الدروس التي تفرضها مسؤولية بناء المستقبل.

إن استلهام قيم أكتوبر يبدأ بإدراك أن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تستقر بالغلبة والإقصاء، ولا تتحقق مصالح شعوبها باستدامة الصراع وتغذية الانقسامات. 

فالوطن الذي دفع أبناؤه أثمانًا باهظة من أجل التحرر، يستحق أن ينعموا فيه بالأمن والكرامة والعدالة، وأن تكون لهم الكلمة في تقرير شؤونهم ومستقبلهم، بعيدًا عن الوصاية والهيمنة وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية.

وتفرض ذكرى الثورة علينا التمسك بقيم النضال الوطني، والتحرر من التبعية، ورفض الاستبداد والفساد، والعمل من أجل إنهاء الحرب، وتجاوز الانقسامات، والانتصار للشعب والبلد، ودحر تجار الحروب والقتلة والمستبدين، 

وبناء دولة مدنية حديثة تقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية، وتحترم الحريات والحقوق، وتكفل المشاركة السياسية، وتجعل إرادة الشعب مصدرًا للسلطة ومرجعًا لشرعيتها. 

فهذه هي المعاني التي تمنح الاستقلال مضمونه الحقيقي، وتحول الحرية من شعار تاريخي إلى واقع يعيشه المواطن في حياته اليومية.

كما أن الوفاء لتضحيات المناضلين لا يكون بترديد الشعارات وحدها، بل بصون القيم التي ناضلوا من أجلها، وترسيخ الوعي الوطني الذي يرفض تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مفتوحة، أو استخدام السلاح وسيلة لفرض الإرادة، أو استغلال معاناة الناس لتحقيق مكاسب خاصة.

 فالتاريخ لا يُستدعى لتبرير أخطاء الحاضر، وإنما لفهم دروسه وتجنب تكرار مآسيه، واستلهام رمزية الثورة في النضال والتحرر ومقاومة كل أشكال الهيمنة والاستبداد.

لقد أثبتت ثورة 14 أكتوبر أن الاستعمار، مهما امتلك من أسباب القوة، لا يستطيع ضمان بقائه أمام شعب يتمسك بحريته ويؤمن بحقه في الاستقلال. 

وتبقى هذه الحقيقة درسًا للأجيال في أهمية الإرادة الشعبية، ووحدة الهدف الوطني، والإيمان بقدرة اليمنيين على تجاوز المحن وصناعة مستقبل مختلف.

وفي الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، نستحضر تضحيات الشهداء والمناضلين، ونحيّي كل من أسهم في مسيرة التحرر الوطني 

مؤكدين أن أعظم وفاء لهذه الثورة هو استلهام قيمها ومبادئها، وصون السيادة الوطنية، والعمل من أجل بناء دولة مدنية حديثة تقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية، وتحقق تطلعات اليمنيين في الحرية والكرامة والحياة الآمنة.

ستظل ثورة 14 أكتوبر شاهدًا على أن إرادة الشعوب أقوى من الهيمنة، وأن الحرية تُنتزع بالتضحيات، وأن الأوطان لا ينهض بها إلا أبناؤها حين تتقدم المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، ويصبح النضال من أجل التحرر وبناء الدولة وإنهاء الحرب مسؤولية وطنية مشتركة، وطريقًا للانتصار لإرادة الشعب وحقه في الحياة والكرامة والسيادة.

✍️ أ  عبدالعالم عبدالجليل
         كاتب وباحث يمني