حدود الدبلوماسية وخيارات الردع السورية بمواجهة التعنت الإسرائيلي
في مواجهات التصعيد الإسرائيلي والتحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها اعتداءات الاحتلال وتوغلاته في الأراضي السورية، اعتمدت سورية على تفعيل الأدوات الدبلوماسية والسياسية، وتحشيد الموقفين الإقليمي والدولي للضغط على إسرائيل والالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
ورغم أن هذا الحراك الدبلوماسي حقق مكاسب سياسية ودولية من خلال الدعم عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلا أن سؤالاً يطرح حول مدى قدرة هذا المسار بمفرده على كبح إسرائيل، فضلاً عن مدى واقعية الرهان السوري الضمني على تغير القيادة السياسية في تل أبيب عقب انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي.
وأعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، للصحافيين من جنيف الجمعة الماضي، توثيق نحو 280 واقعة توغل إسرائيلي مسلح داخل سورية، خلال سبتمبر/ أيلول الماضي.
وقالت إن ذلك يمثل أعلى رقم شهري منذ بداية العام الحالي، فيما لا يزال 49 سورياً على الأقل محتجزين لدى إسرائيل.
فاعلية سياسة سورية
خلال اجتماع الخميس الماضي، لمناقشة وضع قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف)، شدد أعضاء مجلس الأمن على أهمية ضمان سلامة أفراد قوة الأممية وهيئة مراقبة الهدنة التابعة للأمم المتحدة في الجولان المحتل وأمنهم. ودعوا إلى الاحترام والتنفيذ الكاملين لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
غداة هذا الاجتماع، شدد مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، في تصريحات صحافية أول من أمس السبت، على أن التحرك السياسي أثمر عن وقوف "45 دولة، خلال 24 ساعة، إلى جانب سورية على مستوى السفراء والممثلين، عقب اجتياز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحدود السورية (الشهر الماضي) فضلاً عن المواقف الدولية الرافضة لقرار ضم الجولان السوري المحتل".
في هذا السياق، اعتبر الخبير السوري في العلاقات السورية الإسرائيلية، خالد خليل، أن اختيار سورية لطريق المفاوضات والعمل الدبلوماسي كان خياراً استراتيجياً للحد من آثار السياسات الإسرائيلية في مرحلة انتقالية دقيقة، لكنه شدد على أن "هذا المسار يبدو غير كافٍ لوحده".
وأضاف أنه لا بد من تفعيل طيف واسع من المقاربات المتكاملة التي لا تفرط بما تحقق سياسياً، بل تدعمه عبر زيادة تحصين الجبهة الداخلية، والعمل على تعزيز القدرات الدفاعية والردعية مستقبلاً، وتفعيل التحالفات بناءً على تقاطع المصالح مع الدول الفاعلة".
ولفت إلى أن السياسة الإسرائيلية الراهنة هي مزيج من الاعتبارات الشخصية لنتنياهو، وبين التغيرات في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، معتبراً أنه في حال زوال البعد الشخصي لنتنياهو بسقوط حكومته، فإن التفاهم على الهواجس الأمنية يظل أمراً ممكناً.
من جانبه، سلط الباحث في مركز جسور للدراسات (مقره دمشق)، وائل علوان الضوء على الواقع الميداني والسياسي المحدود للخيارات المتاحة
مؤكداً أن الحكومة السورية تحشد بالفعل أكبر ضغط دولي وإقليمي ممكن، بدءاً من الولايات المتحدة وصولاً إلى روسيا والاتحاد الأوروبي والأطراف الإقليمية.
وفي رأيه فإن سورية ليست في معرض الانجرار إلى مواجهات عسكرية خارجية مفتوحة قد تعطل مسارات التعافي الداخلي، بل تجتنب الاستفزازات الميدانية الإسرائيلية الرامية الى جرها لصدام مباشر.
وأشار إلى أن هذه الرؤية "تتقاطع مع القراءة الاستراتيجية التي تشير إلى أن المفاوضات والعمل السياسي لا يُدار بمعزل عن بناء شبكة أمان إقليمية ودولية متعددة المسارات تشمل واشنطن ودراسة خيارات الانضمام إلى أطر إقليمية جادة كتحالف مكة (بين السعودية وتركيا وباكستان)".
رهان الانتخابات الإسرائيلية
يطرح اقتراب الانتخابات الإسرائيلية تساؤلات حول مدى صحة القراءة التي تفيد بأن دمشق تراهن على رحيل حكومة بنيامين نتنياهو ووصول قيادة سياسية أخرى يمكن التفاهم معها على ترتيبات أمنية مستدامة.
وفي هذا الصدد، رأى علوان أن الحكومة السورية في واقع الأمر "لا تراهن كثيراً على تغير الحكومة في إسرائيل، ولا تعتقد أن أي حكومة أخرى ستكون أكثر مرونة من حكومة نتنياهو"، بالنظر إلى أنه لم يعد هناك وجود يذكر لتيارات اليسار أو الوسط.
ومع ذلك، نبّه علوان إلى أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية تبقى مهمة لسورية من زاوية أخرى؛ إذ إن انقضاء الاستحقاق الانتخابي قد يفسح المجال أمام موقف إسرائيلي أكثر عقلانية وأقل رغبة في الاستعراض،
لا سيما إذا تلا ذلك، وفق علوان، تأثيرات الانتخابات الأميركية النصفية (نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل) التي "قد تدفع إدارة دونالد ترامب لممارسة ضغوط أشد لضبط سلوك اليمين الإسرائيلي للعودة إلى المسار التفاوضي والسياسي".
من جهته، اعتبر المحلل السياسي السوري غازي دحمان، أن فرصة التوصل إلى اتفاق أمني قبيل الانتخابات الإسرائيلية مستبعدة، لأن نتنياهو وحزب الليكود الذي يقوده يتجنبان أي خطوة قد تضعف موقفهما أمام الأحزاب الأكثر راديكالية.
وقال إن الحكومة السورية قد ترى مصلحة في تأجيل التفاوض على الاتفاقيات الأمنية لما بعد الانتخابات أملاً في وصول قوى أقل تشدداً أو أكثر استعداداً لإبرام تفاهمات منطقية مع الجوار.
لكنه يستدرك بالإشارة إلى سيناريو آخر مرجح، وهو استمرار التصعيد المتقطع وسعي إسرائيل لتكريس حالة "عدم الاستقرار" في سورية، بغض النظر عما إذا بقي "الليكود" في السلطة أم حلت محلّه حكومة جديدة.
وتوضح المعطيات والتطورات الأخيرة أن الجولات التفاوضية، المعلنة وغير المعلنة، التي عُقدت بين سورية وإسرائيل برعاية أردنية وأميركية وفرنسية عقب سقوط النظام السابق أواخر 2024، وصلت إلى طريق مسدود.
وتكرر إسرائيل نيتها الاحتفاظ بالمواقع العسكرية في جبل الشيخ، وإقامة مناطق عازلة في عمق الأراضي السورية، مقابل تمسك سورية بتنفيذ اتفاق فض الاشتباك.
عدنان علي