البحر الأحمر بعد "فجر اليمن"... حسابات مصرية لعدم التدخل
تتمسك مصر بمبدأ عدم التدخل عسكرياً في الحرب اليمنية، رغم التصعيد الكبير الذي تشهده البلاد منذ إطلاق قوات الحكومة اليمنية عملية "فجر اليمن" المدعومة سعودياً، وفق ما أكدته مصادر مصرية
موضحة أن هذا الموقف يستند إلى اعتبارات استراتيجية وتكتيكية في آن واحد، في ظلّ حساسية موقع اليمن وباب المندب بالنسبة إلى الأمن القومي المصري.
حماية المصالح الحيوية
وقالت المصادر إن الجانب الاستراتيجي يرتبط بمواقف ثابتة وراسخة في العقيدة العسكرية المصرية، تقوم على عدم التورط العسكري المباشر في صراعات خارج الحدود، في ما يتعلق الجانب التكتيكي بطبيعة الجغرافيا ومصالح مصر المباشرة،
إذ إن أي دخول عسكري مصري إلى الحرب قد يعني، وفق تقدير المصادر، انتقال المواجهة إلى باب المندب وقناة السويس، بما يحول المصالح المصرية الحيوية إلى أهداف محتملة للحوثيين.
ومع ذلك، أكدت المصادر أن عدم التدخل العسكري المباشر لا يعني غياب الدعم أو الإسناد للحلفاء، مشيرة إلى أن القاهرة يمكن أن تقدم أشكالاً مختلفة من الدعم عندما تقتضي مصالحها وعلاقاتها ذلك، من دون الانخراط في العمليات القتالية داخل اليمن.
وتزامن الموقف المصري مع دخول حرب اليمن مرحلة جديدة، بعدما أطلقت القوات اليمنية، بدعم سعودي جوي واسع، عملية "فجر اليمن" لاستعادة المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.
وأعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم في مناطق الساحل الغربي، بينها مواقع قرب باب المندب، فيما تحدث التحالف السعودي عن عمليات تستهدف قدرات الحوثيين وتهديداتهم للممرات المائية.
وبالتوازي مع الابتعاد عن الخيار العسكري، تتمسك القاهرة بورقة أخرى تراها المصادر المصرية ذات أهمية، وهي الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع أطراف الصراع الإقليمي، بما في ذلك إيران وجماعة الحوثيين.
وقالت المصادر إن مسؤولين مصريين، دبلوماسيين وأمنيين، يواصلون الاتصالات مع مختلف الأطراف في محاولة لمنع اتساع دائرة التصعيد، خصوصاً أن استمرار المواجهة في اليمن أو انتقالها إلى البحر الأحمر يمثل تطوراً يمسّ الأمن القومي المصري بصورة مباشرة.
ويعكس ذلك محاولة مصر الحفاظ على مساحة للحركة السياسية، في وقت تتسع فيه الاستقطابات الإقليمية. فالقاهرة من جهة، تؤكد دعمها لأمن السعودية وترفض الهجمات على أراضيها،
ومن جهة أخرى لا تغلق قنوات التواصل مع الأطراف التي تقف في الجانب المقابل من الصراع.
البحث عن حلّ دبلوماسي في اليمن
وفي هذا السياق، قال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إن التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن تفرض إعادة النظر في معادلة أمن البحر الأحمر، باعتبار أن الأمر لم يعد مرتبطاً بالصراع اليمني الداخلي وحده، وإنما يمتد إلى أمن الملاحة الدولية ومصالح الدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر.
وأوضح حجازي أن باب المندب يمثل نقطة استراتيجية شديدة الحساسية بالنسبة إلى الأمن المصري، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحركة الملاحة في البحر الأحمر ثم قناة السويس،
وبالتالي فإن أي اضطراب مستمر في هذه المنطقة يمكن أن تكون له انعكاسات اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود اليمن.
وأضاف حجازي أن مصر تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره مسؤولية إقليمية مشتركة، ولا يمكن التعامل معه من خلال تحركات منفردة أو ترتيبات أمنية تستبعد الدول صاحبة المصلحة المباشرة.
وأشار إلى أن القاهرة لديها مصلحة أساسية في الحفاظ على حرية الملاحة وتأمين الطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس، ولذلك فإن تحركها الطبيعي يجب أن يجمع بين الأدوات السياسية والدبلوماسية والقدرات البحرية التي تمكنها من حماية مصالحها، من دون الانجرار إلى حرب جديدة داخل الأراضي اليمنية.
ولفت مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إلى أن دخول تركيا وباكستان بصورة أكبر في الترتيبات الأمنية المرتبطة بالأزمة اليمنية، يمثل تطوراً يستحق المتابعة المصرية الدقيقة، لأنه يعكس اتساع نطاق التعامل مع أمن البحر الأحمر من إطار محلي أو عربي محدود إلى إطار إقليمي أكثر تعقيداً.
وأكد أن أهمية هذا التطور بالنسبة إلى القاهرة، لا تكمن فقط في الدول المشاركة فيه، وإنما في طبيعة الترتيبات التي قد تنشأ عنه ومدى تأثيرها على توازنات الأمن في البحر الأحمر وباب المندب.
وأشار حجازي إلى أن مصر لا تستطيع أن تكون بعيدة عن أي ترتيبات تتعلق بأمن باب المندب، لكنها في الوقت ذاته لا تحتاج إلى الانخراط المباشر في العمليات العسكرية الجارية باليمن حتى تحافظ على مصالحها.
فالقاهرة تمتلك أدوات سياسية ودبلوماسية وعلاقات مع مختلف الأطراف الإقليمية يمكن توظيفها لدعم خفض التصعيد، بالتوازي مع الحفاظ على جاهزية مؤسساتها وقدراتها البحرية لحماية الملاحة والمصالح المصرية.
وشدّد حجازي على أن التعامل مع الأزمة يجب ألا يقتصر على الجانب العسكري، لأن استمرار المواجهة داخل اليمن لن يؤدي بمفرده إلى معالجة جذور التوتر في البحر الأحمر.
والأفضل لمصر هو دعم مسار سياسي يضمن استقرار اليمن ويحافظ على مؤسسات الدولة ويحول دون تحول باب المندب إلى ساحة دائمة للصراع الإقليمي.
ولفت مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن القاهرة تستطيع التأثير في المشهد من خلال بناء توافق بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وتعزيز التنسيق مع السعودية والدول العربية المعنية، إلى جانب التواصل مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة.
واعتبر أن وجود إطار إقليمي واضح للتنسيق بشأن أمن البحر الأحمر سيكون أكثر فاعلية من ترك المنطقة أمام ترتيبات متغيرة تفرضها التطورات العسكرية.
وختم بأن التطورات الراهنة تفرض على القاهرة مواصلة التحرك على مسارين متوازيين: الأول هو الحفاظ على أمن الملاحة والاستعداد للتعامل مع أي تهديد مباشر لباب المندب والبحر الأحمر،
والثاني هو دعم أي جهد سياسي يمكن أن يؤدي إلى تهدئة الصراع اليمني.
فاستقرار اليمن يمثل أحد الشروط الأساسية لاستقرار البحر الأحمر، وأي ترتيبات أمنية مستدامة للممر البحري ستظل مرتبطة بوجود تسوية سياسية تمنع استمرار الصراع بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي أحدث تحرك معلن، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، يوم الثلاثاء الماضي، مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، في اتصال هاتفي، تطورات الأزمة الإيرانية وأمن البحر الأحمر والوضع في السودان،
واتفق الجانبان على ضرورة الحفاظ على أمن الملاحة وحريتها في البحر الأحمر وباب المندب.
وتكتسب الحسابات المصرية أهمية مضاعفة مع تحول باب المندب إلى أحد المحاور الرئيسية للعمليات العسكرية. فقد أعلنت القوات الحكومية اليمنية استعادة مواقع حول المضيق،
فيما أعلنت السعودية تنفيذ عمليات بحرية في محافظة الحديدة قالت إنها أحبطت مخططاً لهجمات وشيكة على الممرات المائية في جنوب البحر الأحمر، ودمرت مخازن أسلحة وقوارب مفخخة وألغاماً بحرية.
وتأتي هذه التطورات فيما دخلت السعودية وتركيا وباكستان مرحلة جديدة من التعاون الدفاعي، مع إعلان تفعيل التزامات الدفاع المشترك ونشر قوات وقدرات عسكرية في السعودية.
وتنظر القاهرة إلى هذه التطورات باعتبارها أبعد من مجرد تبدل في ميزان القوى داخل اليمن، لأنها يمكن أن تؤدي إلى ترتيبات جديدة لأمن البحر الأحمر وباب المندب.
وفسّرت المصادر المصرية التمسك بعدم التدخل العسكري أيضاً بحسابات مرتبطة مباشرة بقناة السويس.
فالدخول المصري في الحرب قد يجعل المصالح المصرية البحرية هدفاً مباشراً في حال قرّر الحوثيون توسيع نطاق المواجهة رداً على أي مشاركة مصرية.
ولا يعني ذلك أن القاهرة تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف؛ فقد أكدت رسمياً دعمها لأمن السعودية وإدانتها للهجمات التي تستهدفها، بالتوازي مع تأكيدها أهمية خفض التصعيد والحفاظ على حرية الملاحة.
أحمد سالم علي