الحوثيون وحلف مكّة: الخيارات المتاحة
لم يكن الاجتماع الطارئ الذي عقدته اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لاتفاقية مكّة للدفاع في الرياض في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري اجتماعاً تنسيقياً عادياً بين السعودية وتركيا وباكستان، فالبيان المشترك الصادر عنه حمل عبارة شديدة الدلالة:
الانتقال فوراً إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع الجماعي، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وضمان سرعة نشرها في المملكة... وبذلك انتقل الحلف من مفهوم الدفاع المشترك المكتوب إلى أول اختبار عملي كبير له.
أدانت الدول الثلاث الهجمات الحوثية المتواصلة على المدن والمنشآت المدنية والاقتصادية السعودية، وأكدت أن أمن كل طرف جزء من الأمن الجماعي للدول الثلاث.
كما تقرّر تعيين الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أول أمين عام للحلف ثلاث سنوات، في إشارة إلى أن الأمر يتجاوز استجابة عسكرية طارئة نحو بناء "إطار دفاعي مؤسّسي" قابل للاستمرار.
وإذا كان حلف مكة قد انتقل بهذه القرارات بالفعل إلى مرحلة الردع الجماعي، فما الخيارات المتاحة أمامه في التعامل مع الحوثيين؟
ولا يتعلق هذا السؤال بحماية الأراضي السعودية من الصواريخ والطائرات المسيّرة وحدها، بل يمتد إلى اليمن وباب المندب والبحر الأحمر، وإلى مصادر القوة الحوثية وخطوط إمدادها وعلاقتها بإيران، ثم إلى مستقبل الدولة اليمنية نفسها.
أول الخيارات المتاحة وأوضحها جعل العمق السعودي أكثر قدرة على امتصاص التهديد وإحباطه؛ فالخبرة التركية في الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والصناعات الدفاعية،
إلى جانب القدرات العسكرية الباكستانية، وما تمتلكه السعودية نفسها من منظومات دفاعية متقدمة، تفتح الباب أمام بناء شبكة أكثر تكاملاً للإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي والاستخبارات،
وهنا إذا استطاع الحلف تقليص قدرة الصواريخ والمسيّرات الحوثية على الوصول إلى أهدافها، فإنه يكون قد انتزع من الجماعة إحدى أهم أوراقها وهي القدرة على نقل الحرب من الأراضي اليمنية إلى المدن والمنشآت السعودية.
هذا الخيار دفاعي عن المملكة، لكنه، ومهما بلغت فاعليته، يعالج التهديد ولا يعالج مصدره.
الخيار الثاني، وهو الأصعب، يرتبط بأن نذهب بالمشهد إلى باب المندب الذي حاول الحوثيون السيطرة عليه؛ فالمضيق ليس مجرّد قطعة من الجغرافيا اليمنية، وإنما أحد أهم الممرّات البحرية التي تربط المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.
وقد استعادت القوات الحكومية اليمنية مواقع استراتيجية في باب المندب بعد معارك مع الحوثيين، بينما قدّم الطيران السعودي إسناداً للقوات المتقدمة.
وهذا يرسم أمام حلف مكة مجالاً مهماً للعمل لا يقوم بالضرورة على احتلال المدن: تأمين البحر الأحمر وباب المندب، وتعزيز المراقبة البحرية والجوية، وحماية طرق الملاحة، ومنع المضيق من التحول إلى ورقة عسكرية أو اقتصادية بيد جماعة مسلحة.
وقد يكون النجاح في هذا أكثر أهمية استراتيجياً من السيطرة المؤقتة على مدينة يمنية ثم العودة إلى القتال حولها بعد سنوات.
الخيار الثالث يبدأ من تحديد من أين تأتي القدرة الحوثية على الاستمرار؟ فالصواريخ والمسيّرات والأنظمة الإلكترونية تحتاج إلى المال والمكونات، والخبرة وشبكات النقل والتهريب.
وبالتالي، التعامل مع نتائج القوة الحوثية وحدها سيعني استمرار مطاردة الصاروخ بعد إطلاقه، بدلاً من العمل على منع وصول مكوناته قبل تصنيعه، وهنا ربما يمتلك حلف مكة إحدى أهم نقاط قوته؛
فالتعاون الاستخباري والبحري والتقني بين السعودية وتركيا وباكستان يستطيع أن يرفع مستوى مراقبة طرق التهريب، واعتراض المكونات العسكرية، وتعقب شبكات التمويل والإمداد، وربط المعلومات الاستخبارية بالعمليات البحرية والجوية.
وفي هذه النقطة تحديداً، تدخل إيران في قلب المعادلة؛ فالدعم الإيراني للحوثيين سياسياً وعسكرياً وتقنياً موثقٌ على نطاق واسع،
لكن اختزال الحوثيين بالكامل باعتبارهم مجرد أداة إيرانية سيكون تبسيطاً لمشكلة أصبحت لها أيضاً جذورها ومصالحها وبنيتها اليمنية الخاصة، دول الحلف كلها تسعى إلى الحد من قدرة طهران على إمداد الحوثيين، من دون تحويل اليمن إلى بوابة لحرب إقليمية مفتوحة مع إيران.
يكتسب حلف مكة قيمة إضافية؛ ليس باعتباره بديلاً فورياً عن الولايات المتحدة، وإنما أداة تمنح السعودية تنوعاً أكبر في الشركاء والخيارات الدفاعية
أهم التساؤلات المثارة في هذه التطورات هو الموقف الأميركي، فمع طلب ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، من الرئيس دونالد ترامب في الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) دعماً عسكرياً أميركياً في مواجهة الحوثيين، بما في ذلك توجيه ضربات إليهم،
ووفق ما نقلته "رويترز" عن مصادر مطلعة، جرت محادثتان على الأقل بين الرجلين، لكن واشنطن لم توافق على تنفيذ الضربات، وعرضت بدلاً منها مشاركة المعلومات الاستخبارية وبيانات الاستهداف،
هذه الفجوة بين ما طلبته الرياض وما كانت واشنطن مستعدّة لتقديمه لا تعني انهيار الشراكة السعودية ـ الأميركية، فالولايات المتحدة ما تزال شريكاً عسكرياً وأمنياً رئيسياً للمملكة، بل تساند المعلومات الاستخبارية الأميركية العمليات الحالية، لكنها تكشف حدود الاعتماد على حليف واحد عندما تختلف حسابات الطرفين في لحظة الخطر.
من هنا يكتسب حلف مكة قيمة إضافية؛ ليس باعتباره بديلاً فورياً عن الولايات المتحدة، وإنما أداة تمنح السعودية تنوعاً أكبر في الشركاء والخيارات الدفاعية. لكن هل سيكون من ضمن هذه الخيارات دخول الحلف الحرب البرية؟
أظهرت سنوات الحرب اليمنية أن التفوق الجوي والتكنولوجي لا يضمن وحده السيطرة السياسية وحتى العسكرية على الأرض، وأن جماعة مسلحة تعمل داخل بيئة جغرافية واجتماعية تعرفها جيداً تستطيع امتصاص ضربات أقوى منها ثم إعادة بناء قدراتها
من هنا يمكن أن يحول إدخال قوات سعودية - تركية وباكستانية في حربٍ برية واسعة داخل اليمن ميزةَ الحلفِ العسكرية إلى عبء سياسي واستراتيجي، بل قد يمنح الحوثيين فرصة لإعادة تقديم الصراع أمام جمهورهم باعتباره حرباً ضد جيوش أجنبية، بدلاً من كونه صراعاً يمنياً حول الدولة والسلاح والشرعية.
لذلك يبقى خيار دعم القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً القوة البرية الرئيسية، بينما يوفر الحلف التدريب والاستخبارات والاستطلاع والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والإسناد اللوجستي وحماية الممرات البحرية، وهو ما جرى ويجري خلال المعارك الأخيرة.
إن دحر مشروع الحوثيين العسكري، وإنهاء قدرتهم على فرض إرادتهم بالسلاح على الدولة اليمنية، وتهديد السعودية، واستهداف المدن والمقدّسات، واستخدام البحر الأحمر وباب المندب أداة ضغط، هو السبيل الأمثل لإنهاء العبث الحوثي بمقدرات اليمن وبالممرات الدولية بالغة الأهمية،
ويفتح الأبواب إلى خيار التفاوض من موقع الردع، وهو ما قاله وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، حيث أكد أن الدول الثلاث بحثت نوع الدعم الذي يمكن تقديمه للدفاع عن السعودية، وفي الوقت نفسه، ما يمكن عمله للوصول إلى حل سلمي من خلال الحوار.
ما قاله فيدان هو منطق القدرة وفتح طرق عديدة للوصول إلى الحل؛ فالردع الناجح لا يعني بالضرورة إطلاق أكبر عدد من الصواريخ، بل إقناع الطرف المقابل بأن استمرار المواجهة لن يحقق له مكاسب إضافية.
وإذا أدرك الحوثيون أن استهداف السعودية سيواجه بمنظومة دفاعية ثلاثية، وأن تهديد باب المندب سيواجه بقوة بحرية وجوية، وأن خطوط الإمداد أصبحت أصعب، وأن القوات اليمنية الشرعية أصبحت أكثر تنظيماً وتسليحاً، فقد تتغيّر حساباتهم السياسية نفسها،
وعندها تصبح التسوية الممكنة هي تلك التي تسمح بالمشاركة السياسية، لكنها لا تسمح بوجود دولة داخل الدولة، ولا تمنح جماعة مسلحة منفردة حق تقرير الحرب والسلم.
وسط الحديث عن الجيوش والصواريخ والمضائق، هناك حقيقة ينبغي ألا تغيب؛ فاليمنيون أنفسهم دفعوا الكلفة الأكبر للحرب، والتصعيد الحالي أدى بالفعل إلى موجات جديدة من النزوح،
في حين تعاني البلاد أصلاً أزمة إنسانية طويلة، ولذلك تحتاج أي استراتيجية ناجحة إلى الفصل بوضوح بين استهداف القدرات العسكرية ومعاقبة السكان،
فالحرب التي تدمر البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي يفترض أن تقوم عليها الدولة قد تحقق تقدماً عسكرياً، لكنها تزرع في الوقت نفسه بذور الجولة التالية.
هل يستطيع الحلف أن يحرم الحوثيين من القدرة على تهديد السعودية والمقدسات والممرّات البحرية، ويساعد اليمنيين على استعادة دولة تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم؟
فارس الخطاب
كاتب عراقي مقيم في لندن