Logo

3 سنوات على "طوفان الأقصى"... ما قبل الصدمة وبعدها

 عقب عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 التي نفذتها حركة "حماس" ولحقت بها فصائل أخرى ضد مستوطنات غلاف غزة ومواقع الاحتلال فيها، توقع كثيرون ردّة فعل إسرائيلية قاسية تجاه القطاع، لكن ما جرى من دمار وإبادة وتشريد واستمرار احتلال أكثر من ثلثي أراضيه يعكس سلوكاً إسرائيلياً أكبر من مجرد رد على عملية طوفان الأقصى.

 وأدت العملية إلى مقتل 1136 إسرائيلياً، منهم قرابة 350 جندياً للاحتلال، إلى جانب أسر ما يزيد عن 250 إسرائيلياً وإسرائيلية، عادوا بتبادل أسرى، والعدد الأكبر منهم أحياء.

في المقابل، أدّت حرب الإبادة إلى استشهاد ما يزيد عن 74 ألف فلسطيني فيما بلغ إجمالي الإصابات أكثر من 175 ألف إصابة، بينهم آلاف الحالات التي تحتاج إلى تلقي الرعاية الصحية غير المتوفرة، إلى جانب وجود ما يزيد عن ألفي معتقل فلسطيني من غزة داخل السجون من أصل 7 آلاف قام الاحتلال باعتقالهم خلال الحرب.

وفي أعقاب العدوان الإسرائيلي، حذّرت دول وشخصيات عدة من استغلال إسرائيلي للهجوم من أجل تنفيذ مشروع للإبادة والتهجير من خلال الحكومة التي يترأسها بنيامين نتنياهو وتحمل صبغة يمينية متطرفة، ولا يزال مخطط التهجير قائماً رغم مرور ثلاث سنوات على الطوفان.
 
وبينما يحيي الإسرائيليون الذكرى، أوعز وزير الأمن يسرائيل كاتس إلى الجيش الإسرائيلي برفع مستوى الجاهزية والتأهب العملياتي في قطاع غزة، استعداداً لأي تطورات أمنية محتملة مع ذكرى "طوفان الأقصى". 

وقال مكتب كاتس، في بيان، إن الوزير أصدر تعليمات للقوات العسكرية برفع مستوى الاستعداد والتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة، وذلك في ضوء معلومات أمنية تشير إلى احتمال محاولة حركة حماس تنفيذ هجمات أو عمليات تستهدف القوات الإسرائيلية تزامناً مع هذه المناسبة.

 وأكد البيان أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتابع التطورات الميدانية عن كثب، وأن الجيش عزّز من إجراءات التأهب تحسباً لأي محاولات لتنفيذ عمليات أو استهداف مواقع عسكرية خلال الساعات المقبلة.
 
ليس مجرد رد عسكري

من جهته، قال الباحث في الشأن الإسرائيلي إيهاب جبارين، إن حجم الرد الإسرائيلي على هجوم 7 أكتوبر وعملية "طوفان الأقصى" لا يمكن فهمه باعتباره مجرد رد عسكري، بل بوصفه "انهياراً لنظرية الأمن الإسرائيلية نفسها"، بعدما فشل الإنذار الاستخباري واختُرقت الحدود وتأخر الجيش في الوصول إلى المستوطنات.
 
وأضاف جبارين أن "السؤال الإسرائيلي لم يكن فقط كيف نعاقب حماس، بل كيف نعيد بناء الخوف من إسرائيل بعد أن انهار"، مشيراً إلى أن الرد جمع بين الانتقام، واستعادة الردع، وتغيير الواقع في غزة، وخلق عمق أمني جديد.
 
ولفت الباحث إلى أن إسرائيل خلصت مبكراً إلى أن العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر تعني العودة إلى البيئة التي سمحت بالهجوم، لذلك اتجهت إلى تغيير الواقع الميداني، عبر المناطق العازلة ونزع السلاح والسعي للتأثير في مستقبل الحكم في القطاع.

 ووفق جبارين، فإن حجم الرد الإسرائيلي لا يمكن تفسيره بمنطق عسكري تكتيكي واحد؛ إسرائيل حاولت جعل كلفة 7 أكتوبر تتجاوز الفاعل الذي نفذ العملية إلى البيئة التي خرجت منها 

 إضافة إلى أن إسرائيل دخلت الحرب بأهداف "يمكن بدء الحرب على أساسها، لكن يصعب تحديد اللحظة التي يمكن فيها إعلان تحقيقها".

وبشأن وجود خطة إسرائيلية مسبقة لتدمير غزة وتهجير سكانها، ذكر أن المشهد يكشف عدم وجود أدلة كافية على امتلاك إسرائيل خطة عملياتية مكتملة قبل 7 أكتوبر، مشيراً إلى أن إخفاقها في توقع الهجوم والاستعداد له يتناقض مع ذلك. 

واستدرك قائلاً: "عملية طوفان الأقصى منحت قوى داخل إسرائيل فرصة تاريخية لتحويل أفكار كانت على هامش الشرعية السياسية إلى خيارات مطروحة، مثل إعادة الاستيطان في غزة، والتهجير، والمناطق العازلة والسيطرة الأمنية الدائمة".

عقدة وصدمة بعد "طوفان الأقصى"

من جهته، قال الباحث الفلسطيني المختص في الشأن الإسرائيلي، سليمان بشارات، إن فهم السلوك الإسرائيلي تجاه القطاع يجب أن يأتي في سياق المشروع الاستعماري الإسرائيلي في فلسطين،

 مشدداً على أن هذا المشروع "ليس وليد ردات أفعال، وإنما يرتبط بمفهوم أيديولوجي واستعماري وإحلالي متكامل يستهدف الوجود الفلسطيني على الأرض".

وأضاف بشارات أن الحدث "شكّل عقدة وصدمة عميقة داخل الحالة الإسرائيلية على ثلاثة مستويات رئيسية: المستوى الأمني والاستخباري، والمستوى السياسي، والمستوى الداخلي المرتبط بالمجتمع الإسرائيلي". 

وأوضح أن المجتمع الإسرائيلي "يقوم بدرجة كبيرة على مفهوم الاستقرار، وبالتالي فإن أي حدث يكسر هذه الحالة يمكن أن ينتج منه تأثيرات عكسية"،

 مشيراً إلى أن ذلك يمكن أن يفسّر، من بين عوامل أخرى، مؤشرات تزايد الهجرة العكسية لليهود من دولة الاحتلال إلى دول أخرى خلال السنوات الأخيرة".
 
وبحسب بشارات، فإن ما جرى بعد 7 أكتوبر 2023 من "تدمير وإبادة واسعة في قطاع غزة" يمكن فهمه باعتباره محاولة إسرائيلية للتخلص من الصدمة التي أحدثها الحدث داخل المجتمع الإسرائيلي، عبر "رفع ثمن 7 أكتوبر".

 وأوضح أن "رفع ثمن هذا الحدث كان يعني، من المنظور الإسرائيلي، تغيير البيئة التي أسّست أو ساهمت أو هيأت الظروف لوقوعه، وهي قطاع غزة" 

معتبراً أن "غزة تدفع ثمناً متكاملاً، ليس فقط ردة فعل على 7 أكتوبر، وإنما باعتبارها منظومة مجتمعية بقيت موجودة وشكّلت في لحظة معينة تهديداً لمفهوم الوجود الإسرائيلي بشكل كامل"، مضيفاً أن هذا المنظور يفسر جانباً من طبيعة الحرب المستمرة على القطاع.

وقال بشارات إن استمرار الحرب بهذه الصورة "لا يمكن تفسيره فقط باعتباره رداً على ما جرى في 7 أكتوبر" 

موضحاً أنه لو كان الهدف الإسرائيلي مقتصراً على استهداف "حماس" وفصائل المقاومة، "لكان بالإمكان التركيز على القيادات السياسية والعسكرية والأمنية والناشطين والفاعلين، من دون استهداف المنشآت الحيوية والبنية التحتية والمرافق المدنية وقطاعي الصحة والتعليم والسكان المدنيين وتدمير المنازل".

وتصاعدت التسريبات خلال الآونة الأخيرة مع اقتراب ذكرى 7 أكتوبر 2023 التي تشهد تراشقاً بين نتنياهو والمنظومة الأمنية حول تحمل مسؤولية الإخفاق الأمني وعدم اكتشاف العملية قبل وقوعها في ظل وجود تحذيرات مسبقة من "حماس".

رؤية فلسطينية

من جهته، رأى الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا، أن حجم القوة التي شاركت في طوفان الأقصى يشير إلى أن منفذيها لم يكونوا يتوقعون بالضرورة السيناريو الذي وقع لاحقاً من اقتحام واسع ونتائج غير متوقعة للعملية، 

موضحاً أنه "عندما نتحدث عن مشاركة نحو ألفين إلى ثلاثة آلاف مقاتل في مهاجمة قرابة 15 إلى 18 موقعاً عسكرياً على حدود قطاع غزة، فإن ذلك يوحي بأن التقديرات كانت تتوقع سقوط أعداد أكبر من القتلى والمصابين في صفوف المهاجمين قبل تنفيذ العملية".

وأشار القرا  إلى أن إسرائيل "كانت تمتلك، إلى حد ما، تصوراً مسبقاً لطبيعة الرد في حال تعرضها لهجوم واسع، لكن الصدمة التي أصابت الجيش الإسرائيلي والمنظومة الأمنية ضاعفت من حجم الرد، خصوصاً بعدما خلصت إسرائيل إلى أن حركة حماس تمتلك قدرة عسكرية أكبر مما كانت تقدره سابقاً".
 
ورأى القرا أن الحرب الحالية "هي حرب نتنياهو بشكل أساسي"، مشيراً إلى أن العامل الشخصي كان حاضراً بقوة لدى رئيس حكومة الاحتلال، إلى جانب "البعد الانتقامي" داخل الحكومة والمجتمع الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، في أعقاب صدمة 7 أكتوبر.

وأوضح أن إسرائيل انتقلت "من ردود يمكن وصفها بالمنطقية عسكرياً إلى ردود ذات طابع انتقامي" 

معتبراً أن جزءاً كبيراً من الحرب أصبح مرتبطاً برغبة نتنياهو والحكومة الإسرائيلية في الانتقام من الفلسطينيين، وهو ما قد يزداد حضوراً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية.

يوسف أبو وطفة