Logo

26 سبتمبر.. عقد اجتماعي لا ينقضي

 في السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول عام 1962، أطاح اليمنيون بنظام الإمامة الذي حكم البلاد أكثر من ألف عام، لتصبح تلك الثورة لحظة مفصلية في تاريخ اليمن الحديث، ومنعطفاً حوّل سبتمبر إلى رمز جامع للحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، يتجاوز كل انقسام سياسي أو مناطقي.

غير أن احتفالات هذا العام حملت طعماً مختلفاً عن الأعوام الستين الماضية. فقد تحوّلت الذكرى، رغم تشديد الحوثيين قبضتهم ومنعهم المواطنين من الاحتفال في مناطق سيطرتهم، إلى ما يشبه استفتاءً شعبياً متجدداً على خيار الجمهورية ورفض عودة الإمامة. 

ولم يأتِ هذا التحوّل من فراغ، بل هو ثمرة أكثر من عقد من المعاناة مع نسخة حديثة من الحكم السلالي، حاولت إعادة اليمن إلى ما قبل 1962 بأدوات أشد خطورة من سابقتها.

لم يكن اليمنيون يستشعرون سابقاً القيمة الكاملة لثورتهم، لأنهم عاشوا عقوداً في ظل جمهورية لا تعرف الوصاية السلالية. لكن انقلاب الحوثيين عام 2014 أعاد إليهم إدراك ذلك المعنى بالتجربة المباشرة؛ 

إذ جرّدت مليشيا مؤسسات الدولة من دورها، وحوّلتها إلى أداة لخدمة مشروع سلالي وطائفي، في إسقاط عملي للجمهورية وإعادة إنتاج لمنطق الإمامة بثوب معاصر.

 ومن هنا، بات سبتمبر اليوم فعل مقاومة بامتياز، لا سيما في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة، حيث تستحضر الذكرى الكبرياء الوطني وتستعيد رمزية التضحيات التأسيسية.
 
وما ميّز احتفالات هذا العام أنها لم تقتصر على فئة دون أخرى، بل شملت مختلف شرائح المجتمع اليمني. فمن تعز إلى مأرب وسيئون وسائر المناطق المحررة، 

تزاحم الجمهوريون للاحتفاء بثورتهم على منصات التواصل الاجتماعي وفي الشارع. والأكثر دلالة أن الاحتفال تجاوز هذا النطاق إلى قلب مناطق سيطرة الحوثيين نفسها؛ 

فعلى الرغم من حملات القمع والاختطاف، رفع كثيرون العلم الوطني على منازلهم، وأضاءوا بيوتهم بألوانه، ورددوا الأناشيد التي توارثتها الأجيال، في تعبير علني عن هوية جمهورية لم تُكسر.

لقد كانت تجربة المعاناة مع النسخة الحوثية من الإمامة درساً قاسياً، لكنه فعّال في إعادة الاعتبار إلى قيمة الجمهورية؛ 

فالإمامة الجديدة، وإن ارتدت لباساً حديثاً واستخدمت أدوات العصر، تعيد في جوهرها إنتاج المنظومة السلالية الكهنوتية ذاتها التي ثار عليها اليمنيون عام 1962. 

وقد وثّقت تقارير حقوقية عدداً كبيراً من وقائع الانتهاك خلال العام الماضي وحده، شملت استهداف مدنيين، وزرع ألغام، واعتقالات تعسفية، وتهجيراً قسرياً، وتدمير ممتلكات عامة وخاصة. 

وجعلت هذه الممارسات اليمنيين يدركون أن الجمهورية التي ناضل أجدادهم من أجلها كانت ضمانة لكرامتهم وحريتهم، وأن الصراع اليوم هو، في جوهره، صراع بين ذاكرتين: ذاكرة الوطن وذاكرة الإمامة.
 
ولأن المعركة اليوم معركة وعي وذاكرة بقدر ما هي معركة سلاح، أولت المؤسسات التعليمية في المناطق المحررة اهتماماً خاصاً بترسيخ القيم السبتمبرية في نفوس الطلاب. 

فمع انطلاق العام الدراسي الجديد، شهدت مدارس تعز عودة الطوابير الصباحية ورفع العلم وترديد الأناشيد الجمهورية، في مشهد يقف على طرفي نقيض من سنوات الانقلاب التي حاولت إعادة تشكيل المناهج ووعي الأجيال الجديدة بما يخدم المشروع السلالي.

 فالجيل الذي لم يعش الثورة مباشرة يحتاج إلى من يروي له معنى الجمهورية ويحذّره من ثمن التفريط بها. 

وهذا هو جوهر ما تمكن تسميته بـ"الوعي السبتمبري": منظومة فكرية وقيمية متكاملة تشكّل هوية اليمني الجمهوري فكراً وسلوكاً، وإيماناً والتزاماً، وتنتقل من جيل إلى جيل.

وهكذا، يبقى 26 سبتمبر عقداً اجتماعياً بين اليمنيين وثورتهم لا تنقضي صلاحيته. وكلما حاولت الإمامة العودة بثوبها القديم أو الحديث، ازداد هذا الوعي رسوخاً، لأن من ذاق مرارة العبودية لا ينسى طعم الحرية.

 وقد أثبت اليمنيون هذا العام أن القمع لم يكسر إرادتهم، وأن وفاءهم لسبتمبر هو الضمانة الحقيقية لبقاء اليمن جمهورياً حراً، مهما بلغت التحديات.

عصام الأحمدي 
 باحث وكاتب يمني.