Logo

باب المندب في الترتيبات الإيرانية الحوثية

تقدّمت مليشيا الحوثي نحو باب المندب بعدما أمضت طهران أشهراً تلوّح باستخدامه لتوسيع الضغط الذي تمارسه عند هرمز. وخلف هذا التهديد، تراكمت إفادات عن انتقال مستشارين وسلاح إلى اليمن، وإعداد عسكري استهدف الوصول إلى الساحل والجزر. 

تكشف المعركة قيمة أحد أهمّ الاستثمارات الإيرانية في المنطقة: قوّة محلّية تسعى إلى انتزاع الأرض والسلطة، وتمنح طهران وسيلة لنقل كلفة الحرب عليها إلى خطوط الطاقة وخصومها الإقليميين.

استندت هذه القدرة إلى تعاون أقدم من الحرب الحالية؛ فقد رصد تقرير أممي صدر عام 2015 قرائن على إمداد بحري إيراني لجماعة الحوثي منذ 2009 على الأقلّ. 

ونسب فريق خبراء الأمم المتحدة عام 2024 إلى عبد الرضا شهلائي (القيادي في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني) دوراً استشارياً داخل القيادة الحوثية، وإشرافاً على القدرات البحرية والصاروخية والإمداد، وعلى الهجمات البحرية آنذاك. 

وهو ما نفاه ناطق الجماعة محمّد عبد السلام، مع إقراره بالاستفادة من الخبرة الإيرانية في التدريب والتصنيع.

ومع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، اتجهت طهران إلى توظيف هذه القدرة. 

وعندما هدّدت واشنطن منشآت الطاقة الإيرانية، قال مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، في 5 إبريل/ نيسان إنّ "غرفة القيادة الموحَّدة لجبهة المقاومة تنظر إلى باب المندب كما تنظر إلى هرمز". 

ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، فقد هدّد المستشار العسكري للمرشد، محسن رضائي، في 5 يونيو/ حزيران، بتوسيع القتال إلى باب المندب والبحر الأحمر إذا استأنفت الولايات المتحدة الحرب. 

وبعد عشرة أيام، قال قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني في حديث تلفزيوني عن دور حلفاء طهران في المواجهة: "باب المندب إحدى الأوراق الرابحة لجبهة المقاومة، وإذا لزم الأمر فستُكشف أوراق أخرى".

وقابل هذا التلويح إعلان حوثي باستمرار التنسيق والاستعداد، فقال زعيم المليشيا في خطاب 25 يونيو: "نحن على تنسيق مستمرّ مع إخوتنا في محور الجهاد والمقاومة تجاه أيّ جولة جديدة". 

وربط استعداد الجماعة بالتصعيد في ساحات المحور، ودعا إلى الاهتمام بالدورات العسكرية، واضعاً التعبئة الداخلية في خدمة التزامات الجماعة الإقليمية.
 
وأخذ الموضوع منحى تصاعدياً في يوليو الماضي، حين ذكرت وكالة رويترز أنّ رحلة جوّية لطائرة تابعة لشركة ماهان إير الإيرانية نقلت في 13 يوليو قادة ومستشارين ومعدّات مرتبطة بالصواريخ والمسيّرات من طهران إلى الحديدة. 

وكانت قد حُوّلت عن صنعاء بعد قصف مدرج مطارها، الذي أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهدافه لمنع هبوط الطائرة. وقالت الخارجية الإيرانية لاحقاً إنّ الرحلة أعادت وفداً حوثياً ويمنيين تلقّوا العلاج في إيران.

وبينما دعا حسين شريعتمداري، ممثّل المرشد الإيراني في صحيفة كيهان، في 14 يوليو إلى إغلاق باب المندب ردّاً على تلويح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعادة الحصار البحري على إيران، ظهرت إفادات عن ترتيبات لتنفيذ التهديد. 

ففي 16 يوليو، نقلت "رويترز" عن مصادر طلباً إيرانياً إلى الحوثيين للاستعداد لتعطيل الممرّ إذا قصفت الولايات المتحدة منشآت الكهرباء الإيرانية. 

وقال مصدر قريب من الجماعة إنّ صواريخ ومسيّرات نُشرت لاستهداف السفن، وإنّ ممثّلي الحرس في اليمن سيحدّدون التوقيت.

وتداخل الدعم الإيراني مع حسابات الحوثيين تجاه السعودية، فأعلنت الجماعة في 20 يوليو حظر الملاحة البحرية على المملكة، ردّاً على ما وصفته بحصار سعودي لليمن، وأيضاً ردّاً على منع فتح خطّ رحلات مباشرة بين طهران وصنعاء. 

وفي خطاب ألقاه عبد الملك الحوثي في 30 يوليو، رفض وصف جماعته بـ"الوكيل"، وعرّف علاقتها بحلفائها في "محور الجهاد والمقاومة" بقوله: "نحن شركاء، نحن حلفاء، نحن نتحرّك في إطار قضايا تعنينا جميعاً".

 وتوعّد السعودية بتثبيت "الحصار بالحصار"، وبذلك ربطت الجماعة التصعيد بمطالبها داخل اليمن، فيما كانت طهران تراهن على أثره خارج اليمن.
 
اتخذ الإعداد للمعركة شكلاً أوضح في أغسطس، مع تكثيف قصف مدينة المخا ومينائها، واستهداف مدرّج مطار باب المندب في الحريقية بمديرية ذُوباب بصاروخين في 13 أغسطس. 

وربطت مصادر في وزارة الدفاع اليمنية، في إفادات نُشرت بعد يومين، التعزيزات الحوثية في مقبنة والبرح بمحاولة عزل المخا وقطع إمدادها من تعز. 

وتحدثت تقارير ميدانية لاحقة عن نقل منصّات إطلاق وتعزيزات إلى المرتفعات المحيطة بالبرح وخطوط التماس شمالي الخوخة وحيس. 

وكانت ثلاثة مصادر عسكرية حوثية قد أبلغت "فرانس برس" في 19 أغسطس أنّها تستعدّ لهجوم على المناطق الممتدة من الخوخة إلى المخا وباب المندب. ويجمع هذا المسار بين إنهاك المنشآت الساحلية والضغط على الطرق التي تصلها بالقوات الحكومية في الداخل.

وقبيل الهجوم، اقترنت دعوة طهران إلى التصعيد ضدّ السعودية بوعودٍ بدعم إضافي، بحسب إفادات نشرتها "رويترز" في 10 سبتمبر الجاري. 

وتحدّثت الإفادات عن انتقال قادة من الحرس الثوري إلى اليمن للإشراف على الهجمات ضدّ السعودية بعد مناقشات عسكرية. 

ونسبت مصادر حكومية توجيه حملة الساحل إلى الحرس الثوري، مرجّحةً إشراف شهلائي استناداً إلى اتصالات مُعترَضة وإفادات أسرى حوثيين.

والأرجح أنّ الترتيبات قامت على توزيع للأدوار؛ فقد ربطت طهران التصعيد في اليمن بمواجهتها مع واشنطن، وقدّمت الخبرة والسلاح اللذين وسّعا خيارات حليفها، بينما تولّت مليشيا الحوثي الحشد والقتال وانتزاع المواقع. 

وتفسّر مصلحة الجماعة في التوسّع التقاء قراراتها الميدانية بالحسابات الإيرانية؛ فالمكسب الإقليمي لطهران يتحقّق هنا عبر سيطرة حوثية على أرض يمنية.

بدأ الهجوم البرّي الواسع في 9 سبتمبر في جبهات حيس وغربي تعز، وواجهته القوات الحكومية بمعارك وهجمات مضادّة. لكنّ التقدّم الحوثي في الوازعية، ثمّ سقوط معسكر خالد بن الوليد ومفرق المخا، أعقبهما انسحاب القوات من حيس والخوخة والمخا. 

وامتدّ التقدّم إلى جزيرتَي حنيش الكُبرى والصغرى وجزيرة زقر؛ وبحلول 11 سبتمبر أكّدت مصادر حكومية وصول الحوثيين إلى ذوباب وجزيرة ميون في مضيق باب المندب بعد انسحاب القوات الحكومية منها. 

واقتربت المليشيا بذلك من خطوط الملاحة ومواقع القوات البحرية الدولية.

وتقع ضمن نطاق هذا التقدّم أربع منشآت جوية: مطارا المخا والحريقية، ومُدرّجا ميون وزقر. 

وهي منشآت بنتها الإمارات سرّاً خلال وجودها في اليمن، وهو ما يمنح الحوثي والحرس الثوري الإيراني بنيةً تحتيةً في مضيق باب المندب تسمح بالتحكّم في المضيق وتهدّد الأمن البحري من خلال السيطرة النارية وزرع الألغام البحرية وغيرها من التكتيكات الإيرانية.

وقد يتيح تراجع القوّات الحكومية إعادة تنشيط خطوط التهريب والإمداد التي كانت تعترضها؛ 

وكانت آخر شحنة اعترضتها تلك القوات قد ضمَّت أكثر من 750 طنّاً من الأسلحة والمعدّات الإيرانية الموجّهة إلى الحوثيين، وفق إعلان القيادة المركزية الأميركية في يوليو 2025.
 
ويتّصل احتمال عودة هذه الخطوط بمسارات التهريب عبر الساحل الصومالي والتعاون الحوثي مع حركة الشباب.

 فقد أورد تقرير خبراء اليمن لعام 2025 معلومات عن تدريب عناصر الحركة، وانتقال مهندسين حوثيين إلى الصومال، واستخدامها محطّة عبور للسلاح، 

فيما وصف فريق الرصد الأممي التعاون في فبراير 2026 بأنّه محدود في التدريب والسلاح. وقد تُوسّع المكاسب الساحلية مجال استقبال الشحنات وانتقال الأفراد، بما يساعد الحوثيين على تثبيت ما انتزعوه، من دون ثبوت قيادة موحَّدة لهذه الشبكات.

ويظهر العائد الإيراني الأوسع في تهديد طرق التصدير البديلة من هرمز. فالسعودية تنقل نفطاً عبر خط الشرق – الغرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ثمّ تعبر الشحنات المتّجهة جنوباً نحو آسيا باب المندب. 

وقد أسهمت الهجمات في تراجع صادرات ينبع خلال أغسطس، وزادت المملكة حجم الشحن شمالاً عبر قناة السويس بكلفة أعلى للزبائن الآسيويين. 

هكذا يصل الضغط الحوثي إلى جزء من النفط الذي تجنّب هرمز، وتصبح خسارة الحكومة اليمنية مواقعها على الساحل الغربي تهديداً لمنافذ التصدير السعودية.

ومع استمرار الإسناد الاستخباري الأميركي للسعودية، نقل موقع أكسيوس في 11 سبتمبر الحالي، عن مسؤولين أميركيين، أنّ ترامب رفض طلباً سعودياً بضرب الحوثيين. 

ويتيح اتساع التهديد للملاحة لطهران رفع كلفة المواجهة على واشنطن، خصوصاً مع ضغط أسعار الوقود واقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس، وإن لم يضمن تنازلات أميركية. 

فالكمّاشة التي تراهن عليها إيران عند المضيقَيْن تعمل عبر زيادة المخاطر والكلفة، مع بقاء العبور وبدائل لبعض الصادرات. 

وكلّما رسّخ الحوثيون مكاسبهم، ازدادت قدرة طهران على إدخال الساحل اليمني في حسابات التفاوض على إنهاء حربها، وازدادت كلفة استعادته على اليمنيين. 

أحمد الزرقة
صحافي وكاتب يمني