Logo

الجامعة العربية تبحث عن أرضية مشتركة... غياب خليجي وتحييد السودان واليمن

 غاب وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الست عن اجتماع الدورة الـ166 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، المنعقد اليوم الاثنين في القاهرة، واختارت العواصم الخليجية تمثيلاً دون المستوى الوزاري الكامل، 

رغم أن أحد العنوانَين الرئيسيَّين للاجتماع هو الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والمنطقة. ووضعت مروحة الأزمات التي تتداخل فيها الحرب الإسرائيلية العدوانية على غزة مع التصعيد في الضفة والقدس ولبنان وسورية، وتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وانعكاساتها وأمن الملاحة والطاقة في الخليج، 

الدول العربية أمام اختبار جديد لقدرتها على صياغة مواقف مشتركة تجاه أزمات باتت مترابطة أمنياً وسياسياً، وإن اختلفت حسابات العواصم العربية بشأن أدوات التعامل معها.
 
ومثّل الإمارات وزير الدولة خليفة بن شاهين المرر، وسلطنة عُمان وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية الشيخ خليفة بن علي الحارثي، وقطر وزير الدولة للشؤون الخارجية سلطان بن سعد بن سلطان المريخي، فيما ترأس وفد الكويت نائب وزير الخارجية حمد المشعان. 

وتؤكد بيانات رسمية وسابقة للجامعة ووزارات الخارجية أن هؤلاء المسؤولين يمثلون بالفعل مستويات التمثيل التي اختارتها دولهم في اجتماعات الجامعة الوزارية. 

وحسب مصادر داخل الجامعة فإنه لا يمكن اعتبار ذلك موقفاً سياسياً موحداً أو مقاطعة للاجتماع، لكنه يظل إشارة سياسية لافتة في اجتماع يفترض أن يكون أحد أهم منصات التعبير العربي عن التضامن مع دول الخليج في مواجهة التصعيد الإيراني.
 
ويأتي ذلك فيما كانت الاعتداءات الإيرانية على دول عربية، إلى جانب القضية الفلسطينية، في صدارة أعمال الدورة، التي تبحث كذلك ملفات سورية والسودان وليبيا واليمن والصومال. 

وبحسب معلومات من داخل جامعة الدول العربية، فإن الأمين العام للجامعة، نبيل فهمي، سعى منذ بداية الاجتماع إلى ضبط سقف النقاش السياسي ومنع انتقال الخلافات العربية البينية إلى العلن.
 
تجنب الملفات الأكثر حساسية

وقالت المصادر إن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي تأخر عن الجلسة الافتتاحية، فيما شدد فهمي، خلال افتتاح الاجتماع، على أن النقاش سيركز أساساً على قضيتين وهما: القضية الفلسطينية والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. 

وبحسب المصادر، طلب الأمين العام من الوفود التي لديها قضايا أخرى ترغب في إثارتها أن تكتفي بإيداعها لدى الأمانة العامة ضمن الكلمات الرسمية، وألّا تحول الجلسة الافتتاحية إلى منبر لطرح ملفات أخرى، وخصوصاً القضايا التي يمكن أن تفتح سجالات عربية مباشرة.

وأوضحت المصادر ذاتها أن التوجه الذي ظهر في الاجتماع التشاوري والجلسة الافتتاحية كان واضحاً في تجنب الملفات العربية الأكثر حساسية، وفي مقدمتها الصدام السوداني ـ الإماراتي، 

إلى جانب الملف اليمني، رغم حضورهما في جدول الأعمال الأوسع للدورة. 

وحسب مراقبين بدا اختيار الملفين، فلسطين والاعتداءات الإيرانية، باعتبارهما محورين رئيسيين للنقاش العلني، محاولة لإيجاد أرضية مشتركة يمكن أن تتوافق عليها غالبية الدول العربية.
 
ففي الملف الفلسطيني، لا توجد صعوبة كبيرة في صياغة موقف عربي مشترك بشأن رفض الاحتلال الإسرائيلي والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية ودعم إقامة الدولة الفلسطينية. 

وقد تصدرت القضية الفلسطينية بالفعل جدول أعمال الدورة، إلى جانب قضايا الاعتراف بالدولة الفلسطينية ووقف العدوان وإعادة إعمار غزة ودعم صمود الفلسطينيين.

أما في الملف الإيراني، فقد بدا الموقف أكثر ارتباطاً بمفهوم الأمن القومي العربي الجماعي، خصوصاً مع استهداف دول عربية. 

وقال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، في كلمته، إن بلاده ترفض الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن، وكذلك أي محاولة لفرض قيود على حرية الملاحة في المضائق الدولية، 

كما أكد عبد العاطي أن استهداف أي دولة عربية لا يمكن التعامل معه باعتباره شأناً منفرداً، محذراً من تداعيات الاعتداءات على أمن واستقرار المنطقة العربية بأكملها.
 
وحسب خبراء فإنّ مستويات التمثيل تكتسب أهمية إضافية إذا وضعت في سياق المشهد الخليجي الأوسع؛ فالإمارات أرسلت وزير دولة، وعُمان وكيل وزارة، وقطر وزير دولة، والكويت نائب وزير، فيما لا تظهر مشاركة وزراء الخارجية الخليجيين أنفسهم في الاجتماع. 

وفي الوقت ذاته لا يعني ذلك بالضرورة وجود خلاف خليجي ـ مصري أو خليجي ـ عربي حول طريقة التعامل مع إيران، لكنه يطرح سؤالاً سياسياً حول مدى استعداد العواصم الخليجية لمنح الاجتماع الوزاري العربي وزناً سياسياً كاملاً في هذه المرحلة.

السودان واليمن... الملفات المؤجلة

وبحسب المصادر فإن تجنّب الخوض علناً في الصدام السوداني ـ الإماراتي والملف اليمني يعكس إدراكاً لحساسية الملفات التي يمكن أن تكشف تبايناً حاداً في المصالح والمقاربات بين الدول العربية.

 فالملف السوداني تحديداً يحمل قابلية عالية للانفجار السياسي داخل أي اجتماع عربي، في ظل الاتهامات السودانية للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وما يقابلها من نفي إماراتي لهذه الاتهامات، فضلاً عن دخول الأزمة في شبكة أوسع من التنافس الإقليمي.

أما اليمن، فيتصل بصورة مباشرة بتوازنات الخليج، والعلاقة مع إيران، ومستقبل جماعة الحوثيين، فضلاً عن الحسابات السعودية والإماراتية المختلفة في جنوب اليمن والبحر الأحمر.

 ومن ثم، فإن تأجيل هذه الملفات إلى الغرف المغلقة أو إلى المذكرات الرسمية يسمح للجامعة بالحفاظ على صورة الحد الأدنى من التضامن العربي، بدلاً من تحويل الدورة إلى مواجهة علنية بين عواصم عربية.
 
اجتماع "إدارة الخلاف" لا حلّه

وتشير مجمل هذه المعطيات إلى أن اجتماع القاهرة لا يبدو، في جوهره، اجتماعاً لتسوية الخلافات العربية المتراكمة بقدر ما هو اجتماع لإدارة هذه الخلافات ومنع انفجارها علناً. 

فبينما تسعى الجامعة إلى إنتاج موقف عربي واضح من الحرب على غزة والاعتداءات الإيرانية، تحاول في الوقت ذاته إبقاء ملفات السودان واليمن وغيرها ضمن مساحة يمكن احتواؤها، وعدم السماح بتحول الاجتماع إلى مواجهة بين الدول الأعضاء.

وفي السياق، قال مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي إن اجتماع القاهرة ينعقد في لحظة فارقة بالنسبة إلى الأمن القومي العربي، في ظل تزامن عدد من الأزمات والتطورات التي باتت تداعياتها تتجاوز حدود كل أزمة منفردة، بما يفرض على الدول العربية تعزيز التنسيق وبلورة رؤية مشتركة تجاه التحديات الراهنة. 

وأوضح حجازي أن القضية الفلسطينية تظل في صدارة الأولويات العربية، في ضوء استمرار الحرب في قطاع غزة، والتطورات المتسارعة في الضفة الغربية والقدس، وما يرتبط بها من أوضاع إنسانية بالغة الخطورة، 

مؤكدًا أهمية استمرار التحرك العربي لوقف الحرب، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، والحفاظ على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة.

وأضاف أنّ الاجتماع يكتسب أهمية خاصة أيضاً في ضوء الهجمات الإيرانية التي استهدفت عدداً من الدول العربية، 

مشدداً على أن أمن الخليج وأمن الممرات البحرية والطاقة والتجارة الدولية يمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأن احترام سيادة الدول العربية وسلامة أراضيها يجب أن يكونا قاعدة لا يمكن تجاوزها.

 وأشار إلى أن جدول الأعمال يعكس اتّساع دائرة التحديات العربية، من تطورات سورية ولبنان والسودان وليبيا واليمن والصومال، إلى قضايا مكافحة الإرهاب وصيانة الأمن القومي العربي، 

وهو ما يؤكد أن المنطقة بحاجة إلى مقاربة عربية شاملة لا تكتفي بالتعامل مع الأزمات بعد تفجرها.
 
وأكد حجازي أنّ الجامعة العربية تملك فرصة مهمة لبلورة تحرك سياسي عربي أكثر فاعلية، من خلال توحيد الرسائل والمواقف تجاه القوى الدولية، واستخدام الأدوات الدبلوماسية المتاحة في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، بما يسهم في وقف التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراع. 

وشدد على أن المطلوب ليس بالضرورة توحيد جميع الرؤى العربية في كل التفاصيل، وإنما الاتفاق على ثوابت أساسية، في مقدمتها حماية سيادة الدول العربية، ورفض التهجير وتغيير الواقع على الأرض، ودعم القضية الفلسطينية، والحفاظ على استقرار المنطقة، 

مؤكداً أن وحدة الموقف العربي في هذه المرحلة يمكن أن تشكل عاملاً مؤثراً في مسار الأحداث الإقليمية.
 
أحمد سالم علي