اليمن: صراع منخفض الكثافة على حافة حرب واسعة
دخل اليمن، بعد هدوء نسبيّ منذ هدنة نيسان/أبريل 2022، مرحلة جديدة من التصعيد الحربي، الذي ما يزال – منذ تموز/يوليو – في حدود ما يمكن ضبطه؛
إلا أنه لا يمكن الحكم باستمراره؛ إذ يمكن أن البلد قد ينزلق إلى مواجهة أوسع في أي وقت. فتصاعد العمليات واتساع مسرح القتال تحكمه عوامل وقرارات وردود فعل تُراكم التحولات والخسائر.
حتى اليوم ما يزال التفاؤل محدودًا، وربما منعدمًا بإمكانية تراجع العمليات العسكرية وعودتها – في أي وقت- إلى ما كانت عليه من خفض التصعيد؛ فالتصعيد الأخير مرتبط بمطالب من طرف يقابلها إنكار ورفض من الطرف الآخر.
واستمرار رفض الآخر من شأنه – في ظل التوتر الأمريكي الإيراني في المنطقة- أن يدفع بالتصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع،
إذ لا يوجد ما يضمن بقاء التصعيد الراهن في الحدود التي يمكن ضبطه فيها، فتداعيات العمليات العسكرية قد تدفع إلى تطورات ينجم عنها اتساع تدريجي لدائرة المعارك، وصولًا إلى الانزلاق إلى المواجهة غير المحدودة،
وحينها ستكون العودة للمربع الراهن غير يسيرة؛ ما يعزز أهمية تحرك جهود الوساطة لاحتواء التوتر، ودفع الطرفين للعودة إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقًا في مسارات التسوية، بموازاة ضمانات إقليمية تُلزم الأطراف بالمضي في التنفيذ.
في حال انزلاق اليمن إلى حرب أوسع، فإن الخسائر والتداعيات ستتجاوز البلد إلى المنطقة برمتها؛ وعندئذ ستكون خريطة المواجهة قد اتسعت ليكون طرفاها الولايات المتحدة وإيران ولكل منهما حلفاؤه؛
وسيكون اليمن حينها محورًا رئيسيًا من محاور القتال، ويدفع ثمنًا باهظًا تتحمل عبئه الأجيال القادمة؛ وقبل ذلك ستشكل الحرب الشاملة ضربة قاصمة لما تبقى من تماسك اقتصادي واجتماعي في بنية المجتمع اليمني؛ وحينها لا يمكن تصور إلى أين سيذهب الوضع الداخلي.
ما سبق يستدعي طرح أكثر من تساؤل مرتبط بحيثيات التصعيد الراهن؛
والعوامل التي تعوق العودة إلى مرحلة خفض التصعيد بالتوازي مع استئناف المفاوضات واستكمال الاتفاق على تنفيذ خريطة الطريق وتوفير ضمانات كافية يتحملها الإقليم للحيلولة دون الانقلاب على التسوية، وبما يضمن تمكين اليمنيين من زمام البلد، وتمكين دولتهم من قرارها السيادي.
استهداف عسكري محسوب
في قراءته للتصعيد الراهن، يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي في مركز الدراسات والبحوث اليمني بصنعاء، عبدالكريم غانم، إن «الوضع الحالي يمكن تسميته بصراع منخفض الكثافة، ويمكن قراءته من ثلاث زوايا متداخلة:
الأولى: الردع المتبادل، فأطراف الصراع يبدو أنها استوعبت درس الحرب الشاملة التي استمرت من آذار/مارس 2015 حتى آذار/مارس 2022، فأي خروج بالحرب عن نطاق السيطرة يعني انهيار بنية اجتماعية هشة داخل اليمن،
كما يعني صب المزيد من الزيت على نار تصاعد أسعار النفط العالمية، جراء التأثير على استمرار تصدير النفط السعودي عبر المسارات البديلة لمضيق هرمز،
لذلك يظل التصعيد العسكري قاصرًا على إرسال رسائل محدودة: استهداف عسكري محسوب، الهدف ليس الدخول في حرب شاملة بل إعادة التفاوض من موقع قوة».
ويستطرد: «الزاوية الثانية: هشاشة الجبهة الداخلية، فاليمن اليوم مجتمع منهك، مجتمع يعاني من أزمة اقتصادية، انهيار الخدمات، انقسام اجتماعي.
وأي تصعيد واسع سيُفجّر الداخل قبل الخارج، فحتى الأطراف المسلحة بحاجة لهدنة تمكنها من إعادة تعبئة مواردها. فمختلف الأطراف في المرحلة الراهنة حريصة على أن يبقى التصعيد العسكري والإعلامي محسوبًا وليس مفتوحًا باتجاه حرب واسعة.
الزاوية الثالثة: التوقيت الإقليمي والدولي، فالمنطقة كلها في لحظة ترقب للتصعيد في اليمن، لارتباطه بملفات أوسع، ومنها الصراع في غزة، البحر الأحمر، ومضيق هرمز، لذا يبقى التصعيد المسيطر عليه، يُستخدم كورقة تفاوض. لكنه قابل للانفجار في أي لحظة؛ لأن قراره ليس يمنيًا خالصًا».
انعدام الثقة
وانطلاقًا من ذلك؛ هناك مَن يعتقد أن التوتر القائم في المنطقة يستدعي سرعة احتواء الوضع والعودة لخفض التصعيد مع البدء في معالجة الملفات الإنسانية كالمطارات والموانئ وتبادل الأسرى، ما يثير التساؤل:
ما العوامل التي تعوق الوصول إلى ذلك بموازاة الشروع في استئناف المفاوضات واستكمال الاتفاق على تنفيذ خريطة الطريق؟
وهل يمكن لهذا أن يكون طريقًا آمنًا إلى السلام ومسار الحل السياسي الشامل؟
يقول غانم: «إن معوقات خفض التصعيد بنيوية أكثر منها فنية. وأهم هذه المعوقات: انهيار الثقة بين أطراف الصراع، فبعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، صار كل طرف يرى الآخر خطرًا وجوديًا، لا شريكًا محتملًا،
حتى بات حل الأزمة بما يتضمنه من ملفات تبادل الأسرى، فتح المطار والموانئ تُقرأ كتنازلات، لا كخطوات بناء ثقة.
كما أن تعدد مراكز القرار وتشظي السلطة داخل اليمن، يضع المزيد من العراقيل أمام اتخاذ قرار الحرب أو السلم، فالقرار يتوزع بين أجنحة متشددة، فصائل محلية، وجهات إقليمية ممولة. فحتى لو قبلت القيادة يتعثر التنفيذ على الأرض».
ويتوقف عبد الكريم غانم أمام مسألة المستفيدين من الحرب، مفصلًا معوقات التوصل إلى تسوية على المستوى المحلي، وأسباب فصل الملف الإنساني عن الملف السياسي، قائلًا إن «الحرب فرضت نفسها في السياسة كما في الاقتصاد،
والمستفيدون من استمرار الأزمة طوال سنوات الحرب هم نخب اقتصادية وعسكرية تعيش على الإغلاق والقيود والتهريب. وبالتالي فحل الأزمة، وفتح الموانئ والمطارات واستعادة مؤسسات الدولة، يهدد مصالحهم، لذلك يتم عرقلة أي اتفاق بشكل غير مباشر.
يُضاف إلى ذلك أزمة الشرعية، فكل طرف يريد التفاوض من موقع المنتصر، في حين أن استئناف المفاوضات وخريطة الطريق يتطلبان اعترافًا متبادلًا. لكن لا أحد يريد أن يبدو أنه تراجع. لذلك يتم فصل الملف الإنساني عن الملف السياسي».
الدور الإقليمي والوسطاء
ويستطرد منتقلًا للدور الإقليمي والدولي: «يضاف إلى التعقيدات السابقة دور الوسطاء الإقليميين والدوليين، وتضارب أجنداتهم، فالوسطاء أنفسهم لديهم أولويات مختلفة: أمن البحر الأحمر، الملف الإيراني، الملف الإنساني.
الأمر الذي يجعل الضغط الاقليمي والدولي لخفض التصعيد ضعيفًا ومتقطعًا. ولا ننسى حالة الإرهاق المجتمعي،
فالمجتمع المدني في اليمن، والذي كان يضغط من أجل التوصل إلى السلام بات اليوم مستنزفًا ومشغولًا بتوفير مقومات البقاء، عوضًا عن التوصل للسلام الذي صار أشبه بترف يصعب الوصول إليه».
ويرى أن «المشكلة ليست في غياب الحلول الفنية: المطار، الموانئ، الأسرى، خريطة الطريق كلها جاهزة على الورق»، معتبرًا أن «المعضلة تتمثل في اتساع فجوة انعدام الثقة،
فكل طرف ينتظر المبادرة من الطرف الآخر، ومتردد في أن يبدأ هو حتى لا يُفهم ذلك بأنه ضعف واستسلام».
ويعتقد- انطلاقًا مما سبق- ببقاء «التصعيد الخاضع للسيطرة، باعتباره السيناريو الأكثر ترجيحًا».
لكن البقاء في هذا الوضع سيُفضي إلى مزيد من تعقيد المأساة الإنسانية، في ظل التدهور المعيشي والاقتصادي والاجتماعي، الذي بلغ مستوىً غير مسبوق.
وهنا يشدد غانم على أن «الخروج من هذه الحلقة المغلقة يتطلب عدم فصل المسار الإنساني عن السياسي، واعتبار فتح المطار والموانئ وتبادل الأسرى جزءًا من حل شامل. وعدم استغلال الأطراف اليمنية كبيادق لحروب بالوكالة،
إذ من المهم تحول الفاعل الإقليمي إلى ضامن موثوق لتنفيذ الحل السياسي الشامل، لا ممول للحرب ومزود للأطراف المحلية بالسلاح. يجب أن يتحمل الفاعل الإقليمي ضمان عدم نكث التعهد».
ويخلص إلى «ضرورة تعزيز الاتجاهات الشعبية نحو بناء السلام، من خلال وجود ضغط مجتمعي من الداخل، يُعيد تعريف التحرر بأنه وقف نزيف الدم اليمني ووقف انهيار الرأسمال الاجتماعي، من بوابة بناء السلام والحل السياسي الشامل، لا استمرار الحرب».
أحمد الأغبري