حرب اقتصادية مفتوحة بين واشنطن وطهران.. من يملك مفاتيح الصمود؟
تدخل المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حدة، مع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوسيع العقوبات لتشمل الدول والمؤسسات التي توفر لطهران قنوات للتجارة والتمويل، في محاولة لخنق الاقتصاد الإيراني وتقليص قدرته على الالتفاف على العقوبات.
وبحسب مجلة «نيوزويك»، فإن تشديد الضغوط لا يعني بالضرورة أن إيران ستقدم تنازلات سريعة، إذ لا تزال تمتلك قاعدة إنتاج محلية، وعلاقات تجارية مع الصين ودول الجوار، فضلاً عن خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات. وتتيح هذه العوامل لطهران امتصاص جزء من الصدمات الاقتصادية، رغم تراجع مؤشرات رئيسة.
«إنزال اقتصادي» وعزلة غير مسبوقة
وأعلن ترامب أن المرحلة المقبلة ستقوم على ما وصفه بـ«حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق»، مهدداً بعواقب اقتصادية كبيرة على الدول التي تسمح لمؤسساتها المالية وشركاتها ومطاراتها أو جهاتها الحكومية بتقديم الدعم لإيران.
ووصف الرئيس الأميركي الإجراءات المرتقبة بأنها «يوم إنزال اقتصادي»، في إشارة إلى توجه واشنطن لتوسيع نطاق العقوبات من استهداف الاقتصاد الإيراني مباشرة إلى ملاحقة الأطراف الخارجية التي تساعد طهران على الحفاظ على تجارتها وتدفقاتها المالية.
ويأتي التصعيد وسط تراجع فرص العودة إلى المفاوضات. وترى «نيوزويك» أن الظروف الحالية تختلف عن تلك التي قادت إلى الاتفاق النووي عام 2015، في ظل ارتفاع الكلفة السياسية لأي تنازلات إيرانية تجاه واشنطن.
ويرجح الصحفي الإيراني أمين مكرمي أن تسعى طهران إلى تحمل الضغوط لأطول فترة ممكنة، على أمل دفع واشنطن لاحقاً إلى العودة للتفاوض بشروط تشمل تخفيف العقوبات والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة.
لكن هذه الحسابات قد تتغير إذا وصلت الأزمة إلى مستويات حرجة، مثل تضخم يتجاوز 100%، أو انهيار كبير في قيمة الريال، أو نقص واسع في السلع الأساسية، وهي عوامل قد تجعل التصعيد أكثر احتمالاً من تقديم تنازلات كبيرة.
أربعة عوامل تدعم صمود الاقتصاد الإيراني
ورغم اتساع العقوبات، يستند الاقتصاد الإيراني إلى مجموعة من عوامل الصمود.
أولها قاعدة صناعية وزراعية متنوعة نسبياً، تنتج السيارات والأجهزة المنزلية والمواد الغذائية والصلب والبتروكيماويات وغيرها، ما يقلل اعتماد البلاد على الواردات.
وثانيها الصين، التي تعد من أبرز مشتري النفط الإيراني، إلى جانب كونها مصدراً مهماً للآلات والسلع الوسيطة وقطع الغيار التي تحتاج إليها الصناعة الإيرانية.
أما العامل الثالث فيتمثل في شبكة التجارة مع دول الجوار، مستفيدة من الحدود البرية والبحرية الواسعة لإيران،
بينما يتمثل العامل الرابع في الخبرة المتراكمة خلال سنوات العقوبات، والتي دفعت طهران إلى تطوير آليات مالية وتجارية تساعدها على مواصلة جزء من نشاطها الاقتصادي.
مؤشرات تحت الضغط
لكن قدرة الاقتصاد الإيراني على التكيف لم تمنع تراجع مؤشرات أساسية. فقد هبط مؤشر مديري المشتريات، وفق بيانات أوردتها «نيوزويك»، من 46.4 نقطة قبل الحرب إلى 24.9 نقطة في ذروة الصراع، قبل أن يتعافى إلى نحو 45.9 نقطة، لكنه بقي دون مستوى 50 نقطة، الذي يفصل بين الانكماش والنمو.
كما ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنحو 32%، في حين تراجع إنتاج النفط الخام الإيراني بنحو 30%، ما يضغط على أحد أهم مصادر الإيرادات الخارجية.
وتنعكس هذه الضغوط على الأسر وسوق العمل، مع تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع كلفة المعيشة، وزيادة التسريحات وتأخر بعض الرواتب، بينما تواجه الحكومة ضغوطاً إضافية نتيجة انخفاض إيرادات النفط وتراجع الحصيلة الضريبية.
وقد يكون تشديد تنفيذ العقوبات القائمة أكثر تأثيراً من فرض عقوبات جديدة، خصوصاً إذا أدى إلى تعطيل حركة التجارة والنفط عبر البحر.
ويرى مكرمي أن استئناف الحصار البحري يمكن أن يرفع مستوى الضغط على إيران بصورة كبيرة، عبر التأثير في صادرات النفط والمنتجات البترولية والبتروكيماويات، فضلاً عن الواردات.
كما أن نقل كميات كبيرة من التجارة عبر الطرق البرية لن يكون بديلاً كاملاً عن النقل البحري.
وتزداد أهمية هذا العامل مع احتمال تراجع الدور التجاري والمالي للإمارات، التي كانت، وفق تقديرات مكرمي، ممراً لنحو 30% من تجارة إيران.
اختبار قدرة الطرفين على التحمل
ولا تقتصر تداعيات المواجهة على إيران. فبحسب المؤشرات التي أوردتها «نيوزويك»، تراجعت ثقة المستهلك الأميركي، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة واستمرار ارتفاع الدين العام.
ويرى مهران كامرافا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورجتاون في قطر، أن إيران نجحت خلال المواجهة في تحويل جزء من الصراع العسكري إلى مواجهة اقتصادية، مستفيدة من أوراق الطاقة والممرات البحرية.
وبذلك، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الطرفين على تحمل كلفة حرب اقتصادية طويلة. تراهن واشنطن على أن خفض عائدات النفط وتشديد العزلة وتعطيل قنوات التجارة سيدفع إيران إلى تقديم تنازلات،
بينما تراهن طهران على خبرتها الطويلة في مواجهة العقوبات وقدرتها على الصمود حتى تتغير حسابات الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي نهاية المطاف، قد لا يتحدد مسار المواجهة بقدرة أي طرف على توجيه ضربة اقتصادية أقوى فحسب، بل بقدرته على تحمل كلفة التصعيد لفترة أطول من خصمه، قبل أن تصبح التسوية أقل كلفة من استمرار الحرب الاقتصادية.