Logo

اليمن أمام لحظة الحقيقة: إنقاذ الدولة.. وحماية الإقليم

 إن ما يمرّ به اليمن اليوم لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل أو المناورة. إنها لحظة مفصلية يتقاطع فيها مصير الدولة اليمنية مع أمن الإقليم واستقراره، ويصبح التعامل معها بعقل الدولة، لا بمنطق الصراع، ضرورة سياسية واستراتيجية لا تحتمل التأخير.

فاليمن لا يحتاج إلى إدارة أزماته إلى ما لا نهاية، بقدر ما يحتاج إلى قرار شجاع يضع مصلحة الدولة والشعب فوق حسابات النفوذ والمكاسب الآنية. 

وكلما طال أمد الصراع، اتسعت كلفة الانهيار، وتعقدت فرص الحل، وترسخت الانقسامات، وأصبحت تداعيات الأزمة أكثر صعوبة على اليمن ومحيطه.

إن الحفاظ على وحدة اليمن وسلامته واستقراره ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل هو مصلحة استراتيجية مشتركة لليمن ودول الإقليم، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

 فاستقرار اليمن يعني، في جوهره، تحصين أمن الخليج، والحد من تهديدات قد تتجاوز الحدود وتصبح، مع مرور الوقت، أكثر تعقيدًا وكلفة على الجميع.

وفي مثل هذه اللحظات، تُصنع القرارات الكبرى، وتُقاس قيمة الدول والنخب بقدرتها على تجاوز منطق ردّ الفعل، وتحويل الأزمات إلى فرص، والحروب إلى بدايات جديدة.

 فالتاريخ لا يتذكر فقط من خاضوا الصراعات، بل يتذكر أيضًا من امتلكوا الشجاعة لإنهائها عندما أصبح استمرارها تهديدًا لمستقبل الدولة والمنطقة.

واليمن اليوم بحاجة إلى مقاربة مختلفة؛ مقاربة تنطلق من أن استعادة الدولة، وإنهاء الانقسام، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة، ليست تنازلات من أي طرف، بل استثمار في مستقبل اليمن وأمن الإقليم.

لقد حان الوقت لأن تُقرأ الأزمة اليمنية باعتبارها قضية دولة وأمن إقليمي، لا مجرد ساحة لتصفية الصراعات وتبادل النفوذ. فالخروج من الأزمة لن يتحقق بإعادة إنتاج الصراع بأدوات جديدة، 

وإنما بإرادة سياسية تضع مصلحة اليمن فوق الحسابات الآنية، وتعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ومؤسساتها وسيادتها.

ومن هنا، فإن الدور السعودي يكتسب أهمية خاصة، ليس من خلال فرض مسار أو صيغة بعينها، وإنما من خلال الإسهام في تهيئة الظروف التي تساعد اليمنيين على الوصول إلى تسوية تحفظ وحدة بلدهم، وتدعم استقراره، وتفتح أمامه طريقًا واقعيًا نحو السلام وإعادة البناء.

إن القرار الأكثر حكمة وشجاعة الآن هو ذلك الذي يفتح الباب أمام يمن موحّد، آمن ومستقر، ويضع حدًا لمسار الاستنزاف قبل أن تصبح كلفته أكبر من قدرة الجميع على تحمّلها.

إن إنقاذ اليمن ليس مسؤولية اليمنيين وحدهم؛ فهو مصلحة استراتيجية للمنطقة بأسرها. وهذه اللحظة، بكل ما تحمله من مخاطر، 

يمكن أن تكون أيضًا فرصة تاريخية لإعادة ترتيب الأولويات، وإعلاء منطق الدولة، وفتح صفحة جديدة يكون فيها السلام أساسًا للاستقرار، والاستقرار مدخلًا للتنمية، والتنمية ضمانة لمستقبل اليمن والمنطقة.

فاليمن يقف اليوم أمام لحظة الحقيقة: إما أن تستمر دورة الاستنزاف، أو تُتخذ القرارات التي تفتح الطريق نحو الدولة والسلام. وبين الخيارين، لا ينبغي أن يضيع المزيد من الوقت. 

✍️ أ   احمد لفمان
         سياسي يمني