حين تضيق الخيارات.. هل تدفع العقوبات إيران إلى الحرب؟
الرأي الثالث
أعلنت إيران، الاثنين، أنها قررت الانتقال من سياسة «الدفاع» إلى موقف عسكري «هجومي بالكامل»، في رسالة تصعيدية جديدة إلى الولايات المتحدة، جاءت بالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي وانتهاء المهلة المحددة للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب.
وقال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن طهران مستعدة لاتخاذ «قرارات صعبة» وتصعيد التوتر في مضيق هرمز والمنطقة، وصولاً إلى تنفيذ هجوم «دقيق وفي الوقت المناسب» لكسر الحصار البحري الأميركي إذا فشلت الدبلوماسية.
فهل تستعد إيران فعلاً لفتح جبهة هجومية واسعة، أم أن التهديد جزء من استراتيجية الضغط لتحسين شروط التفاوض؟
تصعيد أم ورقة تفاوض؟
يصعب فصل التهديد الإيراني عن السياق السياسي والعسكري الحالي. فالمذكرة التي وقعتها واشنطن وطهران في يونيو/حزيران وضعت إطاراً زمنياً من 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق أوسع، لكن الخلاف حول إدارة مضيق هرمز
إلى جانب ملفات العقوبات والبرنامج النووي، أدى إلى انهيار التفاهم المؤقت واستئناف التوتر.
ويرى محلل شؤون إيران في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، راي تقية، أن المعادلة الحالية تقوم على «تصعيد مقابل تصعيد»، مع محاولة كل طرف تحسين موقعه قبل أي مفاوضات جديدة.
وبحسب تقييمه الذي نقلته رويترز، فإن طهران تريد أن تفرض شروطها على طاولة التفاوض من خلال إظهار قدرتها على توسيع نطاق الأزمة.
من هنا، فإن الانتقال المعلن من الدفاع إلى الهجوم قد لا يعني بالضرورة قراراً بحرب شاملة، بل يمكن أن يكون تهديداً محسوباً هدفه رفع كلفة استمرار الحصار الأميركي وإجبار واشنطن على تقديم تنازلات.
إيران تحت ضغط اقتصادي متزايد
في المقابل، تواجه طهران مشكلة أكثر إلحاحاً من الحسابات العسكرية المتمثل ، ألا وهو الاقتصاد، فالحرب والعقوبات والحصار البحري أضافت أعباء كبيرة إلى اقتصاد كان يعاني أصلاً من التضخم وضعف العملة ونقص الطاقة.
وبلغ التضخم السنوي في إيران 66% في يوليو/تموز، فيما ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 87.9% على أساس سنوي، وفق بيانات نقلتها رويترز عن مركز الإحصاء الإيراني. كما أدت الحرب إلى تراجع التجارة والإنتاج وارتفاع تكاليف نقل السلع.
وتخشى القيادة الإيرانية، وفق مسؤولين إيرانيين تحدثوا لرويترز، أن يؤدي استمرار الضغوط الاقتصادية إلى إعادة إشعال الاحتجاجات الداخلية، خصوصاً بعدما شهدت البلاد احتجاجات واسعة في يناير/كانون الثاني بسبب الأوضاع المعيشية.
بالتالي فإنه كلما اشتدت الضغوط الاقتصادية، ازدادت حاجة إيران إلى التصعيد لخلق أوراق تفاوض، لكن كل تصعيد جديد قد يؤدي في المقابل إلى مزيد من العقوبات والعزلة.
ما الذي تستطيع طهران فعله؟
تمتلك إيران عدة أدوات للضغط، أبرزها مضيق هرمز، حيث تستطيع تهديد حركة الملاحة ورفع تكلفة الطاقة والتجارة العالمية.
كما يمكنها توسيع نطاق عمليات حلفائها في المنطقة، وهو ما يزيد الضغط على المصالح الأميركية وحلفائها، من دون الدخول بالضرورة في مواجهة مباشرة شاملة مع الولايات المتحدة.
وقد أظهرت استراتيجية طهران بالفعل أنها تراهن على حرب الاستنزاف.
ووفق تحليل رويترز، يبدو أن القيادة الإيرانية تراهن على قدرتها على تحمل الضغط الاقتصادي لفترة أطول من قدرة التحالف الذي تقوده واشنطن على تحمل اضطرابات متكررة في التجارة وأسواق الطاقة.
لكن هذه الورقة ليست بلا حدود، فواشنطن تملك بدورها أدوات اقتصادية واسعة، من بينها تشديد العقوبات على ناقلات النفط والمشترين والبنوك والشركات التي تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات.
ويحذر الخبراء من أن الولايات المتحدة تستطيع زيادة الضغط على المصافي الصينية التي تشتري النفط الإيراني وعلى المؤسسات المالية التي تسهّل هذه التجارة.
المخرج الإيراني.. التصعيد أم التفاوض؟
تبدو طهران أمام معادلة صعبة، التراجع قد يُفسر داخلياً على أنه استسلام، بينما التصعيد المفتوح قد يفاقم الأزمة الاقتصادية ويعرض البلاد لضربات جديدة.
الأرجح أن إعلان الانتقال إلى الهجوم يحمل بعدين متوازيين: الأول عسكري يتمثل في التلويح برفع كلفة الحصار وتهديد الملاحة، والثاني سياسي يهدف إلى تحسين شروط أي تفاوض مقبل.
فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى الانتصار على الولايات المتحدة عسكرياً؛ يكفيها، وفق منطق الاستنزاف، أن تجعل استمرار الحرب مكلفاً إلى درجة تدفع واشنطن إلى إعادة حساباتها.
لكن الخطر يكمن في أن التصعيد المحسوب قد يفلت من الحسابات. فمضيق هرمز، والهجمات على المصالح والقواعد، وأسواق الطاقة، كلها ساحات يمكن أن يتحول فيها التهديد إلى مواجهة أوسع خلال وقت قصير.
وعليه، فإن انتقال إيران من «الدفاع إلى الهجوم» قد يكون في هذه المرحلة لغة تفاوض أكثر منه إعلاناً عن حرب شاملة، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن هامش المناورة أمام طهران يتقلص، وأن العقوبات والحصار باتا جزءاً أساسياً من المعركة التي ستحدد من يملك القدرة على الصمود أكثر: إيران أم الولايات المتحدة.