Logo

آن الأوان لإنهاء سياسة فرض الأمر الواقع

 ليس من المنطقي أن تُختزل حركة اليمنيين في رحلات محدودة ووجهات استثنائية. ففتح مطار لرحلة إلى عمّان أو القاهره  أو إلى وجهة محددة لا يعني أن المطارات أصبحت مفتوحة بالمعنى الطبيعي، ولا أن حركة اليمنيين عادت إلى ما ينبغي أن تكون عليه.

القضية لا تتعلق بمطار صنعاء أو ميناء الحديدة وحدهما، كما أنها ليست قضية منطقة أو طرف بعينه. فحتى مطار عدن، رغم كونه مفتوحاً، تظل وجهاته محدودة، وكذلك مطار سيئون في حضرموت. وهذا يعني أن المشكلة أوسع من مجرد فتح أو إغلاق مطار هنا أو هناك.

المطلوب هو إنهاء سياسة تقييد حركة اليمنيين، وفتح المطارات والموانئ والطرقات البرية أمام الحركة الطبيعية، وفق الإجراءات القانونية والأمنية المتعارف عليها.

اليمنيون عموماً يريدون أن تكون مطارات صنعاء وعدن وسيئون وتعز والحديدة وغيرها جزءاً من شبكة سفر طبيعية، وأن تكون الموانئ مفتوحة أمام التجارة والحركة الإنسانية والاقتصادية، وأن تكون الطرق بين المدن والمحافظات مفتوحة وآمنة، بحيث يستطيع اليمني الوصول إلى أهله وعمله ومدرسته وأسواقه والي المستشفي دون أن يضطر إلى قطع مسافات مضاعفة بسبب إغلاق طريق قريب.

أخطر ما أفرزته سنوات الحرب هو تحويل أبسط حقوق الناس إلى أوراق ضغط. أصبح السفر تفاوضاً، والمطار قضية سياسية، والميناء أداة نفوذ، والطريق ورقة عسكرية، ووصول البضائع مرتبطاً بموازين القوى.

الحرب قد تفرض إجراءات أمنية ورقابية، لكن لا ينبغي أن تتحول هذه الإجراءات إلى نظام دائم لعزل بلد كامل عن محيطه أو فصل اليمنيين عن بعضهم البعض.

الأمن لا يعني الإغلاق، والرقابة لا تعني خنق حركة المدنيين، وحماية الناس لا تكون بقطع الطرق أمامهم.

فتح الطرقات كذلك لا يقل أهمية عن فتح المطارات والموانئ.

فالطريق المفتوح يعني وصول المريض إلى المستشفى في وقت أقصر، ووصول الموظف والطالب والعامل إلى وجهته، وانتقال البضائع بين المحافظات بتكلفة أقل، ووصول الغذاء والدواء والسلع إلى الأسواق بصورة أسرع.

كما أن فتح الطرقات يعيد وصل المدن والمناطق ببعضها، ويخفف من عزلة المجتمعات المحلية، ويعيد شيئاً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية الطبيعية.

وإذا كان فتح المطارات يحتاج إلى ترتيبات وإجراءات، فإن فتح الطرق الرئيسية أمام المدنيين يمكن أن يكون من أسرع الخطوات وأكثرها تأثيراً في تخفيف معاناة اليمنيين وبناء الثقة بين الأطراف.

اليمن بلد واحد

لا يمكن التعامل مع اليمن وكأنه مجموعة مناطق منفصلة، يُفتح منفذ فيها ويُغلق آخر، أو تحصل مدينة على قدر من الانفتاح بينما تبقى مدينة أخرى معزولة.

اليمني في صنعاء ليس أقل حقاً في السفر من اليمني في عدن، واليمني في حضرموت ليس أقل حقاً في التواصل مع العالم من اليمني في تعز أو الحديدة أو اي محافظه ،كما لا ينبغي أن يكون الطريق بين مدينتين ورقة تفاوضية أو أداة لمعاقبة السكان.

المطلوب ليس نقل أدوات التحكم من طرف إلى آخر، وإنما تغيير القاعدة نفسها:

المطارات مفتوحة، والموانئ مفتوحة، والطرقات مفتوحة، والحركة طبيعية، والرقابة قانونية، وأي قيود استثنائية تكون محددة وضرورية ومؤقتة.

الانفتاح مصلحة يمنية وإقليمية

ليس من مصلحة الأطراف اليمنية المتصارعة أن تستمر المنافسة السياسية والعسكرية على حساب حياة ملايين اليمنيين، كما أن استمرار إغلاق أو تقييد المنافذ والطرقات ليس من مصلحة السعودية ولا دول الخليج.

مصلحة الجميع أن يكون اليمن مستقراً، متصلاً بمحيطه الخليجي والعربي، وقادراً على التجارة والحركة والتواصل. فاليمن المفتوح والمستقر أقل كلفة وأقل خطراً على المنطقة من يمن معزول تتحول فيه المطارات والموانئ والطرقات إلى أدوات للصراع.

ولا ينبغي أن تُبرر القيود المفروضة على اليمنيين دائماً بحجة حمايتهم أو حماية الأمن. فالأمن الحقيقي لا يقوم على عزل شعب كامل أو معاقبته جماعياً، وإنما على إجراءات قانونية ومحددة تستهدف المخاطر، لا حياة الناس وحركتهم اليومية.

فتح المنافذ والطرقات جزء من السلام

ليس من الضروري انتظار الحل السياسي النهائي وإن كان مهماّ حتى تُفتح المطارات والموانئ والطرقات. بل إن توسيع حركة المدنيين والتجارة وإعادة فتح الطرق يمكن أن يكون خطوة عملية لبناء الثقة وتهيئة الأرضية للسلام.

السلام قد يبدأ من طائرة تقلع من صنعاء، أو رحلة مباشرة من عدن، أو حركة طبيعية عبر مطار حضرموت، أو ميناء يستقبل البضائع، أو طريق يربط مدينتين دون نقاط إغلاق تعطل حياة الناس.

فاليمني لا يريد امتيازاً من هذا الطرف أو ذاك؛ يريد أن يسافر ويعود ويتواصل مع أهله والعالم باعتباره مواطناً في بلد طبيعي.

إغلاق أبواب الصراع يبدأ بفتح أبواب اليمن

لا ينبغي أن تكون المطارات والموانئ والطرقات أدوات لإدارة الصراع أو موازين القوى. مكان الخلافات السياسية هو طاولة التفاوض، لا بوابات المطارات وممرات الموانئ والطرقات.

اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الجدران، بل إلى مزيد من الطرق إلى العالم، وإلى طرق مفتوحة داخله تربط أبناءه ببعضهم.

وإذا كان المطلوب فعلاً هو السلام، فإن البداية ليست بإحكام السيطرة على المنافذ، وإنما بإخراجها من دائرة الصراع، وفتحها أمام اليمنيين جميعاً، من صنعاء وعدن إلى حضرموت وتعز والحديدة وغيرها.

فاليمن لن يبدأ بالخروج من الحرب عندما ينتصر طرف في معركة النفوذ، بل عندما يصبح من مصلحة الجميع، الأطراف اليمنية والسعودية ودول الخليج والمجتمع الدولي، أن يكون اليمن مفتوحاً لا محاصراً، متصلاً لا معزولاً.

فالاختلاف السياسي يمكن أن يستمر على طاولة التفاوض، أما حرية الناس في السفر والتنقل والتجارة والتواصل مع العالم، فلا ينبغي أن تكون جزءاً من المنافسة أو العقاب الجماعي تحت أي ذريعة.

✍️ أ   احمد لفمان
         سياسي يمني