Logo

القفاز الإيراني.. هذه استراتيجية طهران في توظيف الحوثيين في الصراع

 لم يعد اليمن بالنسبة لإيران مجرد ساحة نفوذ إقليمي، بل أصبح إحدى أهم أدوات إدارة الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
فمنذ أن رسخت طهران علاقتها بمليشيا الحوثي عملت على تحويلها تدريجيا من حركة تمرد محلية إلى ذراع إقليمية قادرة على التأثير في معادلات الأمن العربي والملاحة الدولية، بما ينسجم مع فلسفة السياسة الإيرانية القائمة على إدارة المواجهات عبر الوكلاء، وتقليل كلفة الاشتباك المباشر مع الخصوم.
وخلال المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدا لافتا أن طهران لم تدفع بورقة الحوثيين منذ اللحظة الأولى، بل احتفظت بها حتى اشتدت الضغوط العسكرية والاقتصادية عليها.
ولم يكن ذلك ترددا بقدر ما كان جزءا من حسابات تفاوضية هدفت إلى الاحتفاظ بأحد أهم مصادر القوة قبل الدخول في أي تسوية محتملة.
فالنظام الإيراني يدرك أن أولويته ليست تحقيق انتصار عسكري، وإنما ضمان بقائه، والمحافظة على أكبر قدر ممكن من قدراته الصاروخية وشبكة نفوذه الإقليمي، وفرض وقائع جديدة في الممرات البحرية الإستراتيجية.
ومن ثم فإن أي تهديد لأمن الملاحة فيه يمنح إيران قدرة غير مباشرة على التأثير في الأسواق العالمية ورفع كلفة المواجهة مع خصومها، وهو ما يجعل الحوثيين ورقة ضغط تتجاوز حدود الأزمة اليمنية.
وفي هذا الإطار تبرز محاولات تسيير الرحلات الجوية الإيرانية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين باعتبارها أكثر من مجرد نشاط ذي طابع إنساني.
باب المندب ليس ممرا يمنيا فحسب، بل حلقة رئيسية في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية. ومن ثم فإن أي تهديد لأمن الملاحة فيه يمنح إيران قدرة غير مباشرة على التأثير في الأسواق العالمية ورفع كلفة المواجهة مع خصومها، وهو ما يجعل الحوثيين ورقة ضغط تتجاوز حدود الأزمة اليمنية
فقد نُفذت رحلتان دون موافقة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، في انتهاك واضح للسيادة اليمنية، وفي مخالفة لآلية الرقابة التي أقرها المجتمع الدولي لمنع وصول الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الجماعة.
كما جاءت محاولات تكرار هذه الرحلات رغم الاعتراضات الرسمية اليمنية، بما أوحى بوجود رغبة في فرض أمر واقع يفتح ممرا جويا دائما بين طهران والمناطق الخاضعة للحوثيين.
وبصرف النظر عن طبيعة الحمولة التي حملتها تلك الرحلات، فإن دلالتها السياسية لا تقل أهمية عن أي جانب آخر؛ إذ مثلت اختبارا لمدى قدرة الدولة اليمنية على ممارسة سيادتها، واختبارا لمدى التزام المجتمع الدولي بتطبيق قرارات مجلس الأمن الخاصة بحظر نقل السلاح إلى الحوثيين.
لذلك لم يكن الرفض اليمني لهذه الرحلات مجرد موقف إجرائي، بل دفاعا عن مبدأ سيادة الدولة، ومنعا لتحويل المجال الجوي اليمني إلى قناة مفتوحة تعزز القدرات العسكرية للجماعة وتطيل أمد الحرب.
وفي المقابل، حاولت مليشيا الحوثي تبرير هذه التحركات بالحديث عن "الحصار" المفروض على مطار صنعاء وموانئ الحديدة، في حين أن الإجراءات الدولية ارتبطت أساسا بمنع تهريب الأسلحة والقدرات العسكرية، لا بمنع الحركة الإنسانية المشروعة.
ولذلك فإن تصوير هذه القيود باعتبارها سببا للتصعيد، ثم التهديد باستهداف الملاحة الدولية وموانئ ومطارات المملكة العربية السعودية الشقيقة يعكس توظيفا سياسيا للرواية الإنسانية لخدمة أهداف عسكرية وإستراتيجية تتجاوز الساحة اليمنية.
وتتوافق هذه القراءة مع ما توصلت إليه دراسات غربية متخصصة تناولت تطور العلاقة بين إيران والحوثيين.
إيران ستواصل على الأرجح التعامل مع الحوثيين بوصفهم آخر أوراقها التفاوضية الأكثر فاعلية، في حين سيبقى تثبيت سيادة الدولة اليمنية وعودة السلطة الشرعية إلى صنعاء وتجفيف قنوات الإمداد العسكري، وحماية باب المندب من التحول إلى منصة ابتزاز سياسي، المدخل الحقيقي لتقليص نفوذ المشروع الإيراني واستعادة الاستقرار في اليمن والمنطقة
فقد خلص الباحث الأسترالي أوفيد لوبل، في دراسة صدرت عام 2021، إلى أن الحوثيين لم يعودوا مجرد حليف لإيران، بل أصبحوا أقرب إلى امتداد مؤسسي وعقائدي لنموذجها السياسي والأمني.
كما سبق أن حذّر الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، عندما كان وزيرا للداخلية عام 2007، من امتلاك الجماعة خططا لاستهداف المنشآت النفطية السعودية، وهو تحذير بدا حينها مبالغا فيه، قبل أن تثبت الأحداث اللاحقة دقته.
لكن هذه الحسابات تصطدم برؤية أمريكية وإسرائيلية تعتبر أن أي اتفاق لا يحد من أدوات النفوذ الإيرانية سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أشد خطورة.
ومن هنا اتجهت طهران إلى سياسة توسيع ساحات التوتر، بحيث تتحول كلفة الضغط عليها إلى كلفة باهظة لا يتحملها الاقتصاد العالمي أيضا، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الإيراني بجبهة البحر الأحمر ومضيق باب المندب بعد أن استُخدمت أوراقها الأخرى في لبنان والعراق وساحات إقليمية مختلفة.
وتكتسب هذه الجبهة أهمية استثنائية، لأن باب المندب ليس ممرا يمنيا فحسب، بل حلقة رئيسية في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
وتؤكد هذه الوقائع أن السلوك الحالي للجماعة ليس تطورا طارئا، بل امتداد لمسار طويل من الارتباط بالمشروع الإيراني.
ومن هذا المنظور، فإن تهديد الملاحة في باب المندب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تصعيد عسكري، بل باعتباره رسالة تفاوضية موجهة إلى القوى الدولية، مفادها أن الضغط على إيران سيقابله اتساع نطاق التهديد للمصالح الاقتصادية العالمية.
غير أن هذه الإستراتيجية تحمل في الوقت ذاته مخاطر كبيرة؛ إذ إنها تدفع المجتمع الدولي إلى مزيد من التنسيق لحماية الممرات البحرية، وتشديد الرقابة على خطوط الإمداد، وتعزيز القناعة بأن أمن البحر الأحمر لم يعد شأنا يمنيا فحسب، بل جزءا من منظومة الأمن الإقليمي والدولي.
وعلى هذا الأساس، فإن مستقبل التصعيد سيتوقف على قدرة المجتمع الدولي على الفصل بين الاعتبارات الإنسانية المشروعة وبين محاولات استغلالها لتمرير الدعم العسكري، وعلى مدى نجاحه في فرض التنفيذ الصارم لقرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن.
أما إيران، فستواصل على الأرجح التعامل مع الحوثيين بوصفهم آخر أوراقها التفاوضية الأكثر فاعلية، في حين سيبقى تثبيت سيادة الدولة اليمنية وعودة السلطة الشرعية إلى صنعاء وتجفيف قنوات الإمداد العسكري، وحماية باب المندب من التحول إلى منصة ابتزاز سياسي، المدخل الحقيقي لتقليص نفوذ المشروع الإيراني واستعادة الاستقرار في اليمن والمنطقة.
وسنرى في قادم الأيام إذا هدأت المواجهات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران هل تنعكس على التصعيد في باب المندب والمملكة العربية السعودية، والعكس صحيح.

✍️ أ . عبد الله عبد الكريم الدعيس
       سفير الجمهورية اليمنية لدي الجمهورية اللبنانية وجمهورية قبرص.