حين تكشف السماء في اليمن عن حدود السلطة
واقعة منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء في الـ13 من يوليو (تموز) الجاري، لم تكُن مجرد حادثة يمكن إدراجها ضمن سلسلة التطورات العسكرية والسياسية المتلاحقة في اليمن،
بل مثلت في تصوري اختباراً عملياً للرواية التي سعت الميليشيات الحوثية وإيران إلى ترسيخها طوال الأعوام الماضية حول امتلاكهما القرار السيادي في المجال الجوي اليمني.
فأثناء لحظات الاختبار الكبرى تتراجع قوة الشعارات أمام صلابة الوقائع، ويتحول الواقع نفسه إلى معيار يقيس صدقية الخطاب السياسي.
لذلك لم يكُن السؤال الحقيقي متعلقاً بالطائرة وحدها، بل بمدى قدرة من يدّعي السيادة على ممارستها حين تتعرض للاختبار.
هذه الواقعة تكشف عن حقيقة أعمق تتجاوز تفاصيلها المباشرة، وهي أن الدعاية تستطيع أن تصنع انطباعات موقتة، لكنها تعجز عن إعادة تشكيل موازين القوى حين يحين موعد الامتحان.
فالفارق بين الخطاب والواقع لا يقاس بحجم الضجيج الإعلامي، وإنما بقدرة الفاعل السياسي على فرض إرادته ضمن قواعد القوة والقانون معاً.
ولهذا تبدى المشهد وكأنه انتقال من خطاب يدّعي فرض الأمر الواقع إلى واقع يفرض حدوده على الخطاب نفسه، مؤكداً أن السيادة ليست شعاراً يرفع في المنابر، بل قدرة عملية على "اتخاذ القرار" و"حمايته" و"الدفاع عنه".
من هذا المنطلق، فإن عجز الميليشيات الحوثية عن تأمين هبوط طائرة تحمل كل هذه الرمزية السياسية كشف عن حدود سلطتها الفعلية على أهم منشأة سيادية تزعم السيطرة عليها.
صحيح أن الطائرة واصلت رحلتها إلى مطار آخر، إلا أن ذلك لم يغير جوهر المشهد، لأن المعركة السياسية في تقديري لم تكُن حول الوصول إلى أي مطار داخل اليمن، بل حول إثبات القدرة على فرض الإرادة في مطار صنعاء تحديداً.
هناك تراجعت سردية امتلاك السماء اليمنية، وانكشفت المسافة الواسعة بين الادعاء والقدرة الفعلية على ممارسة السيادة.
لذلك فإن ما رافق الحادثة من خطاب إعلامي عن كسر الحصار فقد كثيراً من تماسكه أمام الوقائع، لأن السرديات السياسية ببساطة شديدة لا تُقاس بما ترويه عن نفسها، بل بما تثبته الأحداث.
وما بدأ بحملة دعائية واسعة انتهى إلى خسارة سياسية وإعلامية لأن الحقيقة ظلت أكثر رسوخاً من الصورة المصنوعة.
والتاريخ يعلمنا أن الدعاية تستطيع تأجيل انكشاف الواقع، لكنها لا تستطيع إلغاءه، إذ تبقى الوقائع الحكم الأخير عندما تتعارض الشعارات مع معطيات الميدان.
لكن التطورات اللاحقة أضافت بعداً أكثر تعقيداً عندما هبطت الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة، في أول هبوط لطائرة على مدرج المطار منذ عام 2015.
فهذه الخطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد إجراء لوجستي، بل تحمل دلالات قانونية وسياسية تتجاوز الحدث ذاته.
فالحديدة، وفق "اتفاق ستوكهولم"، تخضع لترتيبات خاصة تقوم على إدارة محلية وإجراءات رقابية،
كما أن قرار مجلس الأمن الدولي 2216 يضع إطاراً واضحاً يحفظ سيادة الدولة اليمنية و"يمنع أية ممارسات" تمنح الميليشيات اختصاصات سيادية خارج الشرعية الدستورية.
لاحظوا معي من فضلكم أن خطر هذا التطور يزداد إذا ما أُخذ في الاعتبار تجاوزه لآليات التفتيش والموافقات الجوية المعمول بها دولياً، فضلاً عن تعارضه مع الترتيبات الخاصة بالمطارات المدنية وإزالة المظاهر العسكرية عنها تحت إشراف الأمم المتحدة.
بعبارة أخرى أدق وأوضح، القضية هنا لا تتعلق بطائرة واحدة، وإنما بمبدأ قانوني يحكم حركة الطيران المدني الدولي،
ويؤكد أن إدارة المجال الجوي واستخدام المطارات الدولية من الاختصاصات الحصرية للدولة ذات السيادة، وليس لأي طرف مسلح يفرض سيطرته بقوة السلاح.
في مقابل هذا التصعيد، برز أداء الدولة اليمنية بصورة مختلفة، إذ أظهر مجلس القيادة الرئاسي ومؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة، قدراً لافتاً من ضبط النفس والانضباط المؤسسي،
فشدد اجتماع مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي على رفع أعلى درجات الجاهزية العسكرية والسياسية والدبلوماسية،
واتخاذ جميع الإجراءات المشروعة التي يكفلها الدستور والقانون الدولي لحماية السيادة الوطنية، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة أوسع قد تحقق الأهداف التي تسعى إليها الميليشيات وداعموها.
هذا الموقف يعكس في اعتقادي فهماً لطبيعة الدولة بوصفها مؤسسة مسؤولة لا تتحرك بمنطق الانفعال، وإنما وفق حسابات دقيقة توازن بين حماية السيادة والحفاظ على الاستقرار.
ولهذا أكد الاجتماع أن الانتهاكات الأخيرة لا تمثل مجرد تصعيد سياسي، بل تشكل خرقاً لـ"اتفاقية شيكاغو" للطيران المدني، وانتهاكاً لسيادة الجمهورية اليمنية،
فضلاً عن تعارضها مع القرارين 2140 و2216 وما يرتبط بهما من نظام الجزاءات وحظر نقل الأسلحة والخبراء إلى الميليشيات الحوثية، مما يفرض موقفاً دولياً أكثر حزماً في حماية الشرعية الدولية.
وفي خضم هذه التطورات المستمرة، بدت المفارقة الإيرانية أكثر وضوحاً عندما وصفت وزارة الخارجية الإيرانية قصف مدرج مطار صنعاء بأنه اعتداء على سيادة اليمن ووحدته.
فمن الصعب، بل من المستحيل، التوفيق بين الحديث عن "احترام السيادة" وبين السعي في الوقت ذاته إلى تجاوز مؤسسات الدولة الشرعية، أو "دعم طرف مسلح" ينازعها اختصاصاتها السيادية.
فالسيادة ليست مفهوماً يُستخدم انتقائياً بحسب المصلحة السياسية، وإنما منظومة قانونية متكاملة، ومن ينتهك أحد أركانها لا يستطيع الادعاء بأنه يدافع عنها في ركن آخر.
وهذه المفارقة الصادمة تتجلى بصورة أشد خطراً في تصريح البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة باعترافها بما سمته "سلطات صنعاء" ممثلاً شرعياً.
فهذا الموقف المتطرف لا يمثل مجرد رأي سياسي، بل يصطدم مباشرة بقرارات مجلس الأمن الدولي وعلى رأسها القرار 2216 الصادر تحت الفصل السابع الذي أكد شرعية الدولة اليمنية،
ووصف سيطرة الميليشيات الحوثية على مؤسسات الدولة بأنها انقلاب بالقوة، وطالب بإنهاء التمرد وتسليم الأسلحة والامتناع عن أية إجراءات تمكّن الميليشيات من ممارسة اختصاصات الدولة.
كما أن القانون الدولي و"اتفاقية فيينا" للعلاقات الدبلوماسية لا يجيزان إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع الميليشيات بوصفها أطرافاً من غير الدول لا تتمتع بالشخصية القانونية الدولية الكاملة.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، تتجاوز القضية هنا حدود حادثة طيران أو سجال سياسي، لتلامس السؤال الجوهري المتعلق بمستقبل الدولة اليمنية نفسها.
فالسلام لا يُبنى على شرعنة الانقلاب المسلح على الدولة، ولا على تجاهل التدخلات الخارجية، ولا على الالتفاف على قرارات مجلس الأمن الدولي، بل على تنفيذها باعتبارها الإطار القانوني الذي يحفظ وحدة الدولة وسيادتها.
لذلك فإن استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح ليست خياراً سياسياً بين بدائل متعددة، بل ضرورة تاريخية وأخلاقية وإنسانية تبدأ بتفعيل نص إعلان نقل السلطة ومخرجات مشاورات الرياض،
وبناء مسار عملي حقيقي يعيد بسط سلطة الدولة على كامل الأرض اليمنية، وينتهي بإعادة تعريف الدولة باعتبارها الإطار الوطني الجامع لكل اليمنيين، والقادر وحده على صناعة سلام شامل وعادل ومستدام.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني