Logo

معركة مطار صنعاء: نحو دولة تحتكر قرارها ومنافذها وسلاحها

 ليس في كل مرة تسلم الجرة، وهذا ما قالته أحداث اليوم الإثنين على نحو واضح، فمنع الطائرة الإيرانية من الهبوط مرة أخرى في مطار صنعاء، كشف عن تطور دراماتيكي لافت وغاية في الأهمية، في المشهد اليمني شديد التعقيد، 

حيث ظهرت الميليشيات الحوثية ومعها إيران كطرفين مقامرين، لا بحياة المدنيين فقط، بل وبأي شيء يمكن استخدامه في سبيل تحقيق أهدافهم، في حين ظهرت "الشرعية اليمنية" بقواتها المسلحة متماسكة، ضابطة النفس إلى أقصى درجاتها.

لم تهبط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء كما أرادت الميليشيات الحوثية، على رغم محاولتها فعل ذلك بإصرار مميت، لكنها هبطت في مطار الحديدة، ولم تنجح عملية الهبوط إلا بموافقة القوات المسلحة اليمنية. 

في تقديري لم يكن الأمر ناتجاً من ضعف، بل عن قوة هذه المرة، فقد وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية رشاد العليمي في بيان ثان، أصدره في اليوم نفسه،

 "بإعطاء الأولوية لحماية أرواح المدنيين وصون الممتلكات العامة، وعدم توسيع نطاق المواجهة لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه إيران، بزج اليمن وشعبه في حروب تخدم مصالحها، وتستخدم اليمن أرضاً وإنساناً كورقة في صراعها الإقليمي".

وقال العليمي "أؤكد بوضوح أن الدولة لن تسمح مستقبلاً لأية طائرة بانتهاك الأجواء اليمنية، سواء لمطار صنعاء أو أي مطار آخر، وردع أية محاولة لفرض أمر واقع، يمس سيادتها أو ينتقص من سلطتها على أراضيها وأجوائها ومنافذها كافة" 

 مضيفاً أن "هذا القرار لم يكن تراجعاً عن واجب الدولة في حماية سيادتها، ولا تساهلاً مع أي انتهاك، وإنما قراراً سيادياً مسؤولاً، اتُخذ من موقع القوة والثقة بقدرات قواتنا المسلحة، 

وبعد أن أثبتت الدولة جاهزيتها الكاملة للدفاع عن سيادتها، مع الحرص على تجنيب أبناء شعبنا أية أخطار أو تداعيات، كانت الميليشيات تسعى إلى توظيفها سياسياً وإعلامياً".

ولم يكن الأمر معركة على المطارات، مثلما يعتقد بعضهم أو يروّج له بعضهم الآخر، بل عن السيادة، فالمطارات ليست مجرد مدارج للطائرات، وإنما منافذ سيادية تعكس هوية الدولة واتجاهاتها وعلاقاتها الخارجية، 

وعندما يصبح قرار تشغيلها خاضعاً لحسابات أيديولوجية تتقدم على حاجات المواطنين، فإن المسألة تتحول من إدارة مرفق عام إلى إعادة تعريف وظيفة هذا المرفق، بما يخدم مشروعاً سياسياً يتجاوز حدود الدولة اليمنية.

وأيضاً فإن التسهيلات التي قدمتها الحكومة اليمنية، المعترف بها إقليمياً ودولياً بدعم من التحالف العربي، لإعادة تشغيل المطار لأغراض إنسانية، كانت اختباراً حقيقياً للأولويات الحوثية، لكنها كعادتها، ضربت بها هذه الميليشيات عرض الحائط، 

فلو كانت معاناة المرضى والطلاب والمسافرين هي المعيار الحاكم، لما وُوجهت تلك المبادرات بالرفض المتكرر، ولما جرى الإصرار على خيارات ارتبطت تاريخياً بالنفوذ الإيراني، 

ولنتذكر أن الدولة، كل دولة في عصرنا الحديث، دائماً ما تنظر إلى المنافذ العامة باعتبارها أدوات لخدمة المجتمع، وربط البلاد بالعالم، 

بينما تنظر إليها الجماعات المسلحة باعتبارها وسائل لتعزيز النفوذ وإحكام السيطرة، والفرق بين الرؤيتين ليس إدارياً وحسب، بل هو فرق بين منطقين متناقضين: منطق يبني المؤسسات على أساس المصلحة الوطنية، ومنطق يوظف المؤسسات لخدمة مشروع فوق وطني.
 
والحوثيون ومعهم إيران، لا يبدون أي اكتراث حقيقي بالمنطق الأول، ليس لأن أحداث اليوم كشفت عن ذلك، بل لأن الأعوام الماضية عرّت ذلك تماماً، 

وفي الواقع فإن الحوثيين ومعهم إيران، لا يعيرون أدنى اهتمام لكل الدعوات الرامية إلى السلام، بل يمضون في ترسيخ واقع سياسي يتعارض مع الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول، والاعتراف بحكوماتها الشرعية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كم من دولة في العالم تقيم علاقات رسمية على مستوى السفراء مع ميليشيات مسلحة، انقلبت على الدولة بقوة السلاح؟ ومجرد طرح هذا السؤال يكشف حجم المفارقة.

وليس الأمر افتراضاً أو قراءة سياسية مجردة، بل تؤكده الوقائع المعلنة، فقد نشرت وكالة "سبأ" التابعة للحوثيين في الـ 11 من يوليو (تموز) الجاري خبراً مصحوباً بصور عن استقبال القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء لدى الحوثيين، كسلطة أمر واقع، محمد مفتاح، للسفير الإيراني في صنعاء علي رضائي،

 ولم يكن ذلك في تصوري مجرد لقاء بروتوكولي، بل تمهيداً لأحداث اليوم الإثنين، وقبل ذلك رسالة سياسية مباشرة إلى مجلس القيادة الرئاسي والإقليم والمجتمع الدولي، مفادها أن إيران ماضية في التعامل مع الميليشيات بوصفها سلطة موازية للدولة اليمنية 

 في تحد واضح لمرجعيات "الشرعية" المعترف بها محلياً وإقليمياً ودولياً، مع سعي مستمر إلى تكريس أمر واقع بقوة السلاح لا بقوة القانون.

وعليه، فلم تكن معركة مطار صنعاء معركة حول هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء أو الحديدة، أو حول الرحلات الجوية، بل معركة حول هوية اليمن ومستقبل مؤسساته، فالدولة لا تُستعاد بفتح مطار وحسب، 

لكنها أيضاً لا يمكن أن تستعيد سيادتها فيما أهم منافذها الإستراتيجية يوظَّف خارج منطقها الدستوري، ومن ثم فإن سؤال الأسئلة الذي يواجه اليمنيين اليوم ليس ما إذا كانت الحرب أو السلام أقرب، بل أي سلام يمكن أن يصمد إذا بقيت أدوات السيادة خارج سلطة الدولة؟

 فالتاريخ يعلمنا أن الاستقرار لا يولد من التسويات الموقتة، وإنما من قيام دولة تحتكر قرارها ومنافذها وسلاحها، وتجعل المصلحة الوطنية السقف الذي لا يعلو عليه أي مشروع آخر.

سامي الكاف 
صحافي وكاتب يمني