Logo

لا أنتمي ..إلا لليمن

 كثيرًا ما أتلقى سؤالًا من أصدقاء ومعارف: لماذا لا تنتمي إلى أي فصيل سياسي في اليمن؟ ولماذا لا تعلن موقفًا واضحًا إلى جانب هذه الجهة أو تلك؟

قلة قليلة فقط تعرف الإجابة؛ لأنها قرأت ما أكتبه في مقالاتي ومنشوراتي، وفهمت أن موقفي لم يكن يومًا غامضًا، بل كان مختلفًا.

لقد علمتني الحياة دروسًا لا تُنسى: أن الرضوخ للانكسار ذل، وأن التبعية من دون وعي استعباد، وأن الوطنية المزيفة ليست سوى وسيلة للابتزاز. 

وحين يفقد الإنسان استقلاله الفكري، يصبح أسيرًا لمواقف لا يملك مراجعتها، ثم يجد نفسه محاصرًا بنظرة سلبية ممن انتمى إليهم، وبنظرة احتقار من المجتمع الذي لم يعد يثق بتقلباته.

وهذه هي المأساة الحقيقية؛ إذ إن كثيرًا من الصراعات السياسية لم تنشغل ببناء مفاهيم راسخة، ولا بوضع أسس علمية، ولا بإعداد دراسات أو برامج وطنية شاملة تعيد لليمن توازنه، بقدر ما انشغلت بإدارة الخلافات وتبادل المواقع.

لقد عارضت السلطة حين أخطأت، وعارضت المعارضة حين أخطأت، ووقفت ضد الفكر السلبي أينما كان، لكنني لم أعارض اليمن يومًا. كيف أعارض وطنًا طالما كان مصدر فخري وانتمائي؟

أتذكر حين كنت أكتب عن السينما، وأطالب بإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدعو إلى إنشاء صندوق وطني لدعم الإنتاج السينمائي، وكنت أقول إن اليمن استوديو مفتوح، وإنه يستحق أن يُروى للعالم بالصورة كما يُروى بالكلمة.

 كنت أجد تقديرًا كبيرًا من كثير من المثقفين والفنانين والكتاب العرب الذين عاشوا في اليمن أو عرفوها؛ من السوريين، والعراقيين، والمصريين وغيرهم. 

كانوا يرون في هذا الخطاب حبًا طبيعيًا للوطن، لا دعاية سياسية ولا خطابًا حزبيًا.

لهذا، فإن انتمائي إلى أي قوة سياسية لن يضيف إلى الوطن شيئًا إذا كان انتماءً تحكمه المصلحة. ولو فعلت ذلك لمجرد تحقيق منفعة، فلن يكون انتماءً صادقًا، بل صفقة مؤقتة. 

وقد رأينا كثيرين ينتقلون من طرف إلى آخر، ثم إلى ثالث ورابع، تتغير مواقعهم بتغير موازين القوة، بينما تبقى المصلحة هي الثابت الوحيد. وهذه إحدى صور الضعف التي أنهكت الحياة السياسية.

إن اليمن لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات، بقدر ما تحتاج إلى شخصيات تمتلك المعرفة، والرؤية، والخبرة، والقدرة على بناء مشروع وطني يعيد للدولة استقرارها، ويعيد للمجتمع توازنه، ويمنح اليمن مكانها الطبيعي بين الأمم.

وهذا لا يعني أن جميع من هم في السلطة أو في القوى السياسية يفتقرون إلى الكفاءة أو حسن النية؛ ففيهم من يمتلك الرؤية والإرادة الصادقة، كما فيهم من يفتقر إليها. 

فالعدل يقتضي أن تُنسب الحسنات إلى أصحابها، كما تُنسب الأخطاء إلى مرتكبيها، بعيدًا عن التعميم.

أما جوابي لكل من يسألني لماذا لم أنتمِ إلى هذا الفصيل أو ذاك، فهو بسيط وواضح:

أنا يمني، وهذا هو انتمائي الأول والأخير.

أنتمي إلى الجميع حين يكون الوطن هو البوصلة، ولا أنتمي إلى أحد حين يصبح الوطن آخر الاهتمامات.

فاليمن لا تطلب منا الكثير؛ إنها تطلب شيئًا واحدًا فقط: أن نفكر فيها جيدًا

✍️ أ . عبدالرحمن السماوي
          باحث وكاتب يمني