Logo

السلام أولًا… المدخل إلى استعادة الدولة في اليمن

 بعد أكثر من عقد من الحرب والصراع، أصبح واضحًا أن استمرار المواجهة لم يعد يحقق مكاسب حقيقية لأي طرف، في حين تتزايد خسائر الوطن والمواطن يومًا بعد آخر. 

وقد دفعت اليمن ثمنًا باهظًا على المستويات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، حتى غدا تحقيق السلام ضرورةً وطنيةً ملحّة، لا مجرد خيارٍ سياسي، بل المدخل الأساسي لإنقاذ الدولة، واستعادة مؤسساتها، وبناء مستقبل آمن ومستقر.

فلا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح، ولا لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي أن يؤتي ثماره، ما دامت أجواء الصراعات محتدمه ، وأسبابها مستمره ، وما دامت حالة الانقسام تفرض واقعًا تتعدد فيه المرجعيات الحاكمة، وتتوزع فيه مراكز القرار، وتتراجع فيه سلطة الدولة الواحده .

لقد أدى تعدد المرجعيات وتنازع السلطات إلى إضعاف الدولة ومؤسساتها، وأفقدها قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية في حماية المواطنين، وإنفاذ القانون، وإدارة الشأن العام. 

كما أفرز هذا الواقع ازدواجية في القرارات والقوانين والإجراءات والتي أضعفت مبدأ سيادة القانون ، الأمر الذي أدي إلى تراجع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهي الثقة التي تمثل أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ولم يقتصر أثر هذا الانقسام على الجانب المؤسسي، بل امتد إلى الحياة اليومية للمواطن، حيث تراجعت الخدمات الأساسية، وتدهور الاقتصاد، واتسعت رقعة الفقر والبطالة، وتفاقمت الأزمة الإنسانية، في الوقت الذي تعطلت فيه كثير من المؤسسات التي يفترض بها حماية الدولة وصيانة الحقوق وتحقيق العدالة.

كما تعرض النسيج الوطني خلال سنوات الحرب إلى أضرار عميقة نتيجة تصاعد الخطابات التحريضية، واتساع دائرة الكراهية والاستقطاب، وتعميق الانقسامات السياسية والمناطقية، وهو ما أضعف مفهوم المواطنة الجامعة، وأوجد فجوات اجتماعية تحتاج إلى سنوات من العمل الجاد لرأب صدعها وإعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

إن إغلاق ملف الحرب بصورة نهائية لا يمثل نهاية للصراع فحسب، بل يشكل بداية لمرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة.

 فالدولة لا تُبنى بتعدد المرجعيات، ولا تستقر في ظل ازدواجية المؤسسات، وإنما تقوم على مرجعية دستورية واحدة، وسيادة القانون، ووحدة المؤسسات، والمواطنة المتساوية، والشراكة الوطنية التي تكفل حقوق الجميع وتحفظ وحدة البلاد.

ولتحقيق ذلك، تبرز مجموعة من الأولويات الوطنية، في مقدمتها تثبيت سلام شامل ومستدام، يعقبه إطلاق عملية سياسية جامعة لا تستثني أحدًا، وتقوم على الحوار والتوافق الوطني، بعيدًا عن منطق الغلبة والإقصاء.

كما يتعين العمل على توحيد مؤسسات الدولة السيادية والإدارية والقضائية والمالية، بما يعيد للدولة قدرتها على أداء وظائفها، ويضمن تطبيق القانون على الجميع دون تمييز. 

ولا يقل أهمية عن ذلك بناء مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية موحدة، تكون ولاءاتها للدولة وحدها، وتضطلع بمهمة حماية الوطن والمواطن بعيدًا عن التجاذبات السياسية.

وفي موازاة ذلك، يحتاج اليمن إلى مشروع وطني شامل للمصالحة والعدالة الانتقالية، يعالج آثار الحرب، ويجبر الضرر، ويعيد الاعتبار لقيم التسامح والتعايش، ويواجه خطابات الكراهية والتحريض، ويؤسس لثقافة وطنية قائمة على احترام التنوع وترسيخ المواطنة المتساوية.

كما أن السلام الحقيقي لا يكتمل دون برنامج اقتصادي وإنساني يعيد الأمل للمواطن، من خلال استعادة الخدمات الأساسية، وصرف المرتبات بانتظام، وتحريك عجلة الاقتصاد، وتهيئة بيئة مناسبة للاستثمار وإعادة الإعمار، بما يوفر فرص العمل ويخفف من معاناة المواطنين.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحرب لا تنتج دولة، وأن السلاح لا يصنع استقرارًا دائمًا، وأن المنتصر الحقيقي هو الوطن عندما ينتصر السلام. 

واليمن اليوم بحاجة إلى إرادة وطنية شجاعة تضع مصلحة البلاد فوق كل الاعتبارات، وتؤمن بأن مستقبل الأجيال لا يُبنى بالصراع، وإنما بالشراكة، وبالمؤسسات، وبسيادة القانون.

إن السلام ليس محطةً أخيرة في طريق الأزمة، بل هو نقطة الانطلاق نحو استعادة الدولة، وإحياء مؤسساتها، وترميم النسيج الوطني، وبناء يمنٍ يسوده العدل، وتحكمه المؤسسات، ويجمع أبناءه تحت راية المواطنة المتساوية، ليكون الوطن هو الرابح الأكبر، ويكون المستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا لجميع اليمنيين. 

أ. أحمد لقمان
سياسي يمني