Logo

هل يدفع الخليج ثمن حرب لا يريدها؟

 بعد تعثر المفاوضات واستمرار المماطلة الإيرانية، انتقل ترمب إلى سياسة الضغط العسكري فيما يُعرف بـ"الدبلوماسية الخشنة"، في محاولة لفرض معادلة جديدة تدفع طهران إلى تقديم تنازلات بعد أن وصلت الجهود الدبلوماسية إلى طريق مسدود. 

ومع كل تصعيد جديد بين إيران وامريكا، وخلف المعارك العسكرية للطرفين وتعنتهما في ذات الوقت في التنازل والتوصل لحل او تسوية سياسية للوضع الراهن والتساؤل فيما إذا كانت المواجهة ستتوسع إلى حرب إقليمية شاملة 

 هناك طرف آخر هو الأكثر قلقًا من استمرار الحرب، وهي دول الخليج العربي. فبعد عدة أشهر من الحرب ثم الهدنة الهشة، شهدت المنطقة تصعيدًا سريعًا بدأ مع الضربات الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية في بيروت،

 تبعتها ردود إيرانية مباشرة، اعقب ذلك اسقاط طأىرة اباتشي امريكية اثارت غضب ترمب الذي توعد بالرد. وسرعان ما تطورت الأحداث إلى مواجهات أوسع وتهديدات متبادلة بين امريكا وإيران. 

وفيما تتحدث الأطراف المتحاربة عن الردع والانتصار وحماية المصالح الوطنية، تراقب دول الخليج الوضع بقلق بالغ، مدركة أن أي تصعيد جديد للصراع ستكون هي أول من يدفع الثمن.

صحيح أن إيران تعاني من ظروف اقتصادية صعبة نتيجة العقوبات وتراجع قيمة العملة والضغوط المالية، ناهيك عن الانهاك في قدراتها العسكرية التي تعرضت لضربات قاسية خلال المواجهات السابقة،

 إلا انها لاتزال قادرة على المواجهة وذلك حسب تقارير استخباراتية امريكية افادت ان ايران تمكنت من استعادة قواعدها الصاروخية خلال فترة الهدنة وانها لاتزال تمتلك ترسانة صاروخية 

 بالاضافة إلى شبكة من الحلفاء تحسن قدرتها على إطالة أمد الصراع وزيادة تكلفته على خصومها. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في قدرة إيران على القتال، بل في حجم التداعيات التي قد تترتب على المنطقة بأكملها. 

فدول الخليج تعتمد بشكل رئيسي على استقرار أسواق الطاقة والتجارة والملاحة البحرية ، وأي تهديد لمضيق هرمز أو المنشآت النفطية أو خطوط الشحن سيؤثر مباشرة على اقتصاداتها وأمنها واستقرارها الداخلي. 

وعلى صعيد آخر كشفت الأزمات المتلاحقة تحولًا مهمًا في نظرة دول الخليج إلى الولايات المتحدة، فواشنطن، التي شكلت لعقود الحماية الأمنية الرئيسية للمنطقة، لم تعد تبدو مستعدة للانخراط العسكري المباشر كما كانت، 

ومع تغير الأولويات الأمريكية والتركيز على ملفات دولية أخرى، بدأ يتشكل انطباع متزايد لدى دول الخليج بأن أمن الخليج لم يعد يحظى بنفس الأهمية في الاستراتيجيات الأمريكية. 

عززت مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الإحساس لدى كثير من المراقبين، فترمب الذي يرفع شعار "أمريكا أولًا" ينظر إلى الأزمات الدولية من منظور المصلحة الأمريكية المباشرة. 

وهذا يزيد من مخاوف الخليج من أن تتحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، بينما تتحمل دولها الجزء الأكبر من التداعيات الاقتصادية والأمنية. 

لهذا، يبدو أن استمرار الحرب أو عودتها لا يمثل تهديدًا لإيران أو إسرائيل أو امريكا فقط، بل يشكل تحديًا استراتيجيًا لدول الخليج بأكملها. 

هذه الدول تجد نفسها في معادلة صعبة: ليست طرفًا رئيسيًا في الصراع لكنها قد تكون الأكثر تأثرًا بنتائجه. وباختصار يمكن القول أن طهران تعرف كيف تُطيل أمد الصراع وترفع كلفته على الآخرين حتى حين تكون هي نفسها مُنهكة. 

لكن الأخطر من ذلك أن طول امد الحرب في المنطقة لن يفرز منتصراً واضحاً او محددا، بقدر ما ستُنتج فوضى عارمة سياسيا واقتصاديا وأمنيا. 

وفي الفوضى، تخسر دول الخليج مرتين: مرة في اقتصاداتها، ومرة في صورتها أمام المستثمرين والشركاء الدوليين. 

من هنا يمكن فهم التحركات الخليجية المستمرة لاحتواء التوتر والدفع نحو الحلول الدبلوماسية و اتفاقية تنهي هذا الصراع وتضع له حدا، فهي تدرك أن الحرب الطويلة لن تؤدي إلى منتصر حقيقي، بل ستستنزف الجميع وتدخل المنطقة في دوامة جديدة من عدم الاستقرار.

نسرين الذبحاني